118 · ص123
وعن جابر بن عبد اللَّه -رضي الله عنه- قال: "طاف رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- بالبيت وبالصفا والمروة في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه" ١.
وهذه التعليلات الجلية للصحابة رضوان اللَّه عليهم لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ طاف راكبًا أدت إلى صرفه عن دلالته الظاهرة والقاضية بندب الاستنان بأفعاله -صلى الله عليه وسلم- لا سيّما في التعبدات إلى غير ذلك من الإباحة أو خلاف الأولى.
المثال الرابع عشر: النزول بالمحصَّب (الأبطح) ٢:
عن الزهري عن سالم: "أن أبا بكر وعمر كانوا ينزلون بالأبطح"، وقال الزهري: وأخبرني عروة عن عائشة أنها لم تكن تفعل ذلك. وقالت: "إنما نزله رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- لأنه كان منزلًا أسمح لخروجه ٣ ") ٤.
وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: "ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-" ٥.
هذا المثال كالذي قبله، والذي فيه أن عائشة وابن عباس رضي اللَّه عنهما لم يريا فعله -صلى الله عليه وسلم- إذ نزل بالمحصب حين صدر عن الحج فعلًا تعبديًا أو سنة
١ مسلم، الصحيح، حديث رقم (٣٠٦٣).
٢ الأبطح: أي البطحاء التي بين مكة ومنى وهي ما انبطح من الوادي واتسع وهي التي يقال لها: المحصّب والمعرس. انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج ٣، ص ٦٩١.
٣ أسمح لخروجه: أي أسهل لتوجهه إلى المدينة ليستوي في ذلك البطيء والمعتدل ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة. انظر: ابن حجر، فتح الباري ج ٣، ص ٦٩١.
٤ مسلم، الصحيح، حديث رقم (٣١٥٨).
٥ البخاري، الصحيح، حديث رقم (١٧٦٦).