6
دوافع النقد :
لم يكن النقد في الحديث لمجرد إشباع رغبة علمية جامحة ، بل كانت الدوافع إليه أعمق وأدق .
إن الله جل وعلا أنزل كتابه ، ووكل تبيينه لنبيه ، فقال عز من قائل : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ [النحل ٤٤] . ولبث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وعشرين سنة يفرض الفرائض ويسن السنن ويحرم الحرام ويحل الحلال، وأصبحت معرفة ديننا - وهو عصمة أمرنا وسبيل نجاحنا في دنيانا وآخرتنا – موقوفة على معرفة سنته والصحيح من آثاره والعمل به . ولا يتأتى ذلك إلا بالفحص عن النقلة والبحث عن أحوالهم، ليؤخذ بكلام الصادقين ويعمل به ويرمي كلام الكاذبين ويدفن أو يروى فيبين ويشهر به . ولذلك قال الإمام مسلم رحمه الله :
فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة ، ثم أقدم على الرواية عنه
من قد عرفه ولم يبين ما فيه لغيره ، ممن جهل معرفته ، كان آثماً بفعله ذلك
غاشاً لعوام المسلمين
(۱۳)
(...
6
ولذلك شمر العلماء عن سواعدهم واحتملوا في سبيل الحديث كل عناء ومشقة و هم راضون - ليميزوا الخبيث من الطيب ، ولو كان الأمر لمجرد إشباع رغبة علمية لما كابدوا كل هذه المشاق .
ويظهر
وكلام يحيى بن سعيد القطان يلقي بعض الأضواء على ما نحن بصدده ، لنا أحاسيسهم ويرينا خلجات نفوسهم . قال أبو بكر بن خلاد : دخلت على يحيى بن سعيد في مرضه ، فقال لي :
يا أبا بكر ما تركت أهل البصرة يتكلمون ؟ قلت : يذكرون خيراً ، إلا أنهم يخافون
عني
،
لأن يكون خصمي في الآخرة
عليك من كلامك في الناس . فقال : احفظ رجل من عرض الناس أحب إلي من أن يكون خصمي في الآخرة النبي صلى الله
(۱۳) مقدمة صحيح مسلم ۲۸:۱. والمقصود بعوام المسلمين من ليس من أصحاب الاختصاص والمعرفة .
9-