5
!
وأيضاً فإن هؤلاء قد اعتمدوا في ردهم للشفاعة وإنكارهم لها على بعض الآيات القرآنية الكريمة، فأوَّلُوها على غير وجهها، وحملوها على غير معناها المراد مثل قوله تعالى : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن في النَّارِ ﴾ [الزمر: ۱۹] وقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفيع يُطَاعُ ﴾ [غافر : ۱۸]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّيفِمِينَ ) المدثر : ٤٨] إلى غير ذلك من الآيات الكريمات.
وما فطن هؤلاء أن هذه الآيات نزلت في الكافرين والمشركين، لا في الموحدين من هذه الأمة المسلمة، وفي العصاة منهم، إذ شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تشمل ممن تشمل عُصاةَ المسلمين وأهل الكبائر منهم، كما قال : «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
وقد رد جابر بن عبدالله رضي الله عنه على مثل هؤلاء، الذين يوردون النصوص غير مواردها ويحملونها على غير معناها المراد، كما ورد في الحديث الآتي برقم ٥٦ ، وفيه أن طلق بن حبيب قال: كنت أشد الناس تكذيباً بالشفاعة حتى لقيتُ جابر بن عبدالله فقرأت عليه كل آية أقدِرُ عليها، فيها ذكرُ خلودِ النارِ، فقال لي : أتراك أقرأ لكتاب الله وأعلم بالسنة مني؟ قلت: لا. قال: فإن الذي قرأتَ هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوباً، فعُذبوا ثم أخرجوا من النار. وأوما بيده إلى أذنيه، فقال: صُمتا إذا لم أكن سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ الذي تقرأه.
وهذه مسألة في غاية الأهمية، وهي أنه لا يجوز استخدام نصوص الشرع في غير ما وضعت له فما كان منها خاصاً بالمؤمنين طبقناه على المؤمنين، وما نزل في المشركين أو أهل الكتاب استخدمناه في الحكم عليهم لا على المؤمنين. وقد نبهت على هذه المسألة عرَضاً عند الحديث ٥٦
المشار إليه آنفاً.
ويحسن بنا هنا إيراد رد الإمام الآجري في كتاب الشريعة ص ٣٣٤-٣٣٥ على هذه الفئة، حيث قال : إن المكذب بالشفاعة أخطأ في تأويله خطأ فاحشاً، خرج عن تأويل الكتاب والسنة ؛ وذلك أنه عمد إلى آيات من القرآن نزلت في