220 · ص238 · ج1
أولاً: إجماع المفسرين على أن المراد بالنَّفْس في قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً...} هي النفس الكافرة، لا كلُّ نفسٍ، فهي من العامّ الذي أُرِيدَ به الخاصُّ.
يقول القرطبي:
"أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ...} الآية: النفس الكافرة، لا كل نفس". ١
ويقول الطبري:
"قوله تعالى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ...} الآية إنما هي لمن مات على كفره غيرَ تائب إلى الله -عز وجل-؛ فعلى هذا يكونُ من العامِّ الذي أُرِيدَ به الخاصُّ". ٢
ثانياً:
أن السِّباق والسِّياق واللحاق من المقيِّدات والمرجِّحات، فالآية التي قبلَها، والآية التي بعدها إنما يوجَّه فيهما الخطاب إلى بني اسرائيل: فقد قال -تعالى- قبلها: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ...}، وقال بعدها: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ...}؛ فتعَّينَ بذلك أنهم هم المَعْنِيُّونَ بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ...}.
ثالثاً:
أن الآية ليست دليلاً لمُنكِرِي الشفاعة؛ لأنّ قوله تعالى: "يوماً" أخرجَه مُنكَّراً، ولا شكَّ أنّ في القيامة مَواطنَ، ويَومُها معدودٌ بخمسينَ ألفَ سَنةٍ، فبعض أوقاتها ليس زماناً للشفاعة، وبعضها هو الوقت الموعود، وفيه المقام المحمود لسيِّد البشر -عليه أفضل الصلاة والسلام-.
قد وردت آيٌ كثيرةٌ تُرشد إلى تعدُّد أيامها واختلاف أوقاتها، منها: قوله تعالى: {فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ} [المؤمنون: ١٠١] مع قوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ} [الصافات: ٢٧]؛ فيتعيَّن حملُ الآيتين على يومين مختلفين متغايِرَيْنِ: أحدهما محلٌّ للتساؤل، والآخرُ ليس محلّاً له؛ وكذلك الشفاعة". ٣
١ الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٧٩)
٢ جامع البيان في تأويل القرآن (١/ ٢٣).
٣ الانتصاف فيما تضمَّنه الكشّاف (١/ ١٣٧).