120 · ص132 · ج1
يقع في فعل الله تعالى، ويقع في فعل العبد، ولكنَّ الفرق كبير.
كما في قول زهير بن أبي سلمى:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ... وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي.
والمعنى: أنت تنفذ ما خلقت أي: قدرت بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع كل ما يريد، فالخلق التقدير، والفري التنفيذ.
وكذلك يقع معنى "الخلق " على المعنى الثاني في فعل العبد، كما في قول إبراهيم -عليه السلام- لقومه: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً...} [العنكبوت: ١٧]، أَي تقدرونه وتهيئونه، فسمّى نَحْتَهم للأصنام "خَلقاً".
كذلك ما قد وردَ من فعل عيسي عليه السلام: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ...} [آل عمران: ٤٩]
فسمَّى فعله حين حوَّل الطين إلى هيئة الطير سمَّاه خلقاً.
* ومن السنة:
ما ورد في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِيَوْمَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ». ١
ومعلوم أنَّ المصوِّر لم يوجِد شيئاً من العدم، إنما حوَّلَ الطينَ أو الحَجَرَ إلى صورة إنسان أو طير.
وعلى هذا المعنى الثاني يُحمل قوله تعالى {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}، فيكون المعنى المراد: " تبارك الله أحسن المقدِّرين ".
ومما يؤيد ذلك:
أن الله تعالى إنما ذكر قوله عزوجل (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)) (المؤمنون: ١٤)، وقوله عزوجل (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)) (المرسلات: ٢٣)، بعد ذكره لمراحل خلق الإنسان في الموضعين، فتامل.
قال مجاهد في قوله تعالى {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: ١٤] قال:
" يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين ". ٢
قال القرطبي:
"يقال لمن صنعَ شيئاً: خَلَقَهُ، ولا تُنفى اللفظة عَنِ البَشَرِ في معنى
١ متفق عليه.
٢ جامع البيان عن تأويل آي القرآن (١٧/ ٢٥)