334 · ص334
في قوله تعالى {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} في أكثر قول المفسرين هو للتعجب ١، ومحل العجب هو قوله: {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أي من العجيب أنهم يتركون كتابهم بعد علمهم بما في التوراة من حدّ الزاني، ويحكمونك وهم غير مؤمنين بك، ثم يتولون بعد حُكمك إذا لم يرضهم! ٢ فعدلوا عما يعتقدونه حُكماً حقاً إلى ما يعتقدونه باطلاً طلباً للرخصة.
قال الرازي: (فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه:
أحدها: عدولهم عن حكم كتابهم، والثاني: رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل، والثالث: إعراضهم عن حكمه بعد أن حكّموه). ٣
وقال ابن عاشور: (جمعوا عدم الرضى بشرعهم وبحكمك! وهذه غاية التعنت المستوجبة للعجب في كلتا الحالتين، كما وصف الله حال المنافقين في قوله: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [النور: ٤٨: ٤٩]. ويحتمل أن يكون الاستفهام إنكاري ٤، أي: هم لا يحكمونك حقاً. ومحل الإنكار هو أصل ما يدل عليه الفعل من كون فاعله جاداً، أي: لا يكون تحكيمهم صادقاً، بل هو تحكيم صوري يبتغون به ما يوافق أهواءهم، لأن لديهم التوراة فيها حكم ما حكموك فيه من الرجم، وهو حكم الله،
١ ينظر: معالم التنزيل ٢/ ٥٤، والتفسير الكبير ١١/ ٣٦٢، وأنوار التنزيل ٢/ ١٢٧، ومدارك التنزيل ١/ ٤٤٨، والبحر المحيط ٤/ ٢٦٥، وإرشاد العقل ٣/ ٤٠، والتحرير والتنوير (٦/ ٢٠٦).
٢ التحرير والتنوير (٦/ ٢٠٦).
٣ التفسير الكبير ١١/ ٣٦٢.
٤ ينظر: التسهيل لابن جزي (١/ ٢٣٢)