المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثاني
( ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خَطَبَ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ، وَعَنْهُ : خُطْبَتَيْنِ كَالْعِيدِ ; وَهِيَ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَصَحِّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : 205 وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثُمَّ خَطَبَنَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَكَالْعِيدِ ، وَعَنْهُ : قَبْلَهَا ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ كَالْجُمُعَةِ ، وَعَنْهُ : يُخَيَّرُ ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ ، وَعَنْهُ : لَا خُطْبَةَ لَهَا ، صَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ ، وَنَصَرَهَا فِي " الْخِلَافِ " فَعَلَيْهَا يَدْعُو بَعْدَهَا ، وَعَلَى الْأَوَّلِ : يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرٍ ، وَيَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ ، ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ كَالْعِيدِ فِي الْأَحْكَامِ ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ ( يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدِ ، وَعَنْهُ : يَفْتَتِحُهَا بِالْحَمْدِ كَالْجُمُعَةِ ، وَقِيلَ : بِالِاسْتِغْفَارِ ; لِأَنَّهُ مُنَاسِبٌ . قَالَ : فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " : وَيَكْثُرُ فِيهَا الدُّعَاءُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَعُونَةٌ عَلَى الْإِجَابَةِ ، وَعَنْ عُمَرَ قَالَ : الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ( وَيُكْثِرُ فِيهَا الِاسْتِغْفَارَ ) لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِنُزُولِ الْغَيْثِ ، رَوَى سَعِيدٌ : أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ فَقَالُوا : مَا رَأَيْنَاكَ اسْتَسْقَيْتَ فَقَالَ : لَقَدْ طَلَبْتُ الْغَيْثَ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ الْمَطَرُ ، ثُمَّ قَرَأَ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [ نُوحٍ : 10 - 11 ] وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ ( وَقِرَاءَةُ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [ هُودٍ : 3 ] ( وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ) فِي الدُّعَاءِ ; وَهُوَ سُنَّةٌ لِقَوْلِ أَنَسٍ : كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ ، وَكَانَ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . قَالَ جَمَاعَةٌ : وَظُهُورُهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ ، لِحَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( فَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا ، مَرِيئًا مَرِيعًا ، طَبَقًا غَدَقًا عَاجِلًا 206 غَيْرَ رَائِثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ . قَوْلُهُ : " غَيْرَ رَائِثٍ " أَيْ : غَيْرَ بَطِيءٍ وَلَا مُتَأَخِّرٍ ، وَظَاهِرُهُ : أَنَّ الدُّعَاءَ مُخْتَصٌّ بِهِ ، وَأَنَّ النَّاسَ يُؤْمِنُونَ ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ : بَلْ يَدْعُونَ ( اللَّهُمَّ ) أَيْ : يَا اللَّهُ ( اسْقِنَا ) بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَقَطْعِهَا ( غَيْثًا ) هُوَ مَصْدَرٌ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَطَرُ ، وَيُسَمَّى الْكَلَأُ غَيْثًا ( مُغِيثًا ) هُوَ الْمُنْقِذُ مِنَ الشِّدَّةِ يُقَالُ : غَاثَهُ وَأَغَاثَهُ ، وَغِيثَتِ الْأَرْضُ فَهِيَ مَغِيثَةٌ وَمَغْيُوثَةٌ ( هَنِيئًا ) هُوَ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ ; وَهُوَ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ ( مَرِيئًا ) السَّهْلُ النَّافِعُ ; وَهُوَ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ : الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ ( غَدَقًا ) بِفَتْحِ الدَّالِّ وَكَسْرِهَا ، وَالْمُغْدِقُ الْكَثِيرُ الْمَاءِ وَالْخَيْرِ ( مُجَلِّلًا ) السَّحَابُ الَّذِي يَعُمُّ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ نَفْعُهُ ( سَحًّا ) الصَّبُّ يُقَالُ : سَحَّ الْمَاءُ يَسِحُّ إِذَا سَالَ مِنْ فَوْقٍ إِلَى أَسْفَلَ ، وَسَاحَ يَسِيحُ : إِذَا جَرَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ( عَامًّا ) شَامِلًا ( طَبَقًا ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْبَاءِ : الَّذِي طَبَّقَ الْبِلَادَ مَطَرُهُ ( دَائِمًا ) أَيْ : مُتَّصِلًا إِلَى أَنْ يَحْصُلَ الْخِصْبُ ( اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ ) الْقَانِطُ : الْيَائِسُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أَيْ : لَا تَيْئَسُوا ( اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ وَلَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا بَلَاءٍ وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْبِلَادِ وَالْعِبَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ ) أَيِ : الشِّدَّةِ ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : شِدَّةُ الْمَجَاعَةِ ( وَالْجَهْدِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ : الْمَشَقَّةُ ، وَبِضَمِّهَا : الطَّاقَةُ ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ مَنْجَا : هُمَا الْمَشَقَّةُ وَرَدَّ بِمَا سَبَقَ ( وَالضَّنْكِ ) الضِّيقِ ( مَا لَا نَشْكُوهُ إِلَّا إِلَيْكَ ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الضَّرْعُ لِكُلِّ ذَاتِ ظِلْفٍ أَوْ خُفٍّ ( وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ 207 وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجُوعَ وَالْجَهْدَ وَالْعُرْيَ ، وَاكْشِفْ لَنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا ، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا ) الْمِدْرَارُ : الدَّائِمُ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ ، هَذَا الدُّعَاءُ بِكَمَالِهِ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ : اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ وَلَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا بَلَاءٍ وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ ; وَهُوَ مُرْسَلٌ ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ .
( وَ ) يُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ ( يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ ) لِأَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو ، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : يَسْتَقْبِلُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِقْبَالِهَا لِلدُّعَاءِ ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ وَالْقِرَاءَةُ وَسَائِرُ الطَّاعَاتِ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ ( وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ ) بَعْدَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( فَيَجْعَلُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خَطَبَ ، وَدَعَا اللَّهَ ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِهَذَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ اسْتَسْقَى ، وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ أَسْفَلَهَا أَعْلَاهَا فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ ، فَقَلَبَهَا الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو 208 دَاوُدَ ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَهِيَ ظَنٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَقَدْ نَقَلَ التَّحْوِيلَ جَمَاعَةٌ ، لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ ، وَيَبْعُدُ أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ تَرَكَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ لِثِقَلِ الرِّدَاءِ ( وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ ; لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ ، كَيْفَ وَقَدْ عُقِلَ الْمَعْنَى ; وَهُوَ التَّفَاؤُلُ بِقَلْبِ الرِّدَاءِ لِيُقْلَبَ مَا بِهِمْ مِنَ الْجَدْبِ إِلَى الْخِصْبِ ، مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ( وَيَتْرُكُونَهُ حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ ) لِعَدَمِ نَقْلِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي " ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا تَحْوِيلَ فِي كُسُوفٍ ، وَلَا حَالَةَ الْأَمْطَارِ وَالزَّلْزَلَةِ ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ ( وَيَدْعُو سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِخْلَاصِ ، وَأَبْلَغُ فِي الْخُشُوعِ ; لِقَوْلِهِ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [ الْأَعْرَافِ : 55 ] وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِبَعْضِهِ حَتَّى يَحْصُلَ التَّأْمِينُ ( فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ ، وَوَعَدْتَنَا إِجَابَتَكَ ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا ، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِنْجَازًا لِمَا وَعَدَ مِنْ فَضْلِهِ حَيْثُ قَالَ : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [ الْبَقَرَةِ : 186 ] فَإِنْ دَعَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ اسْتَقْبَلَهُمْ بِوَجْهِهِ ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْبِرِّ ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْمُؤْمِنَاتِ ، وَيَقْرَأُ آيَةً ، وَيَقُولُ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْهَا ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ ( فَإِنْ سُقُوا ) فَذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ ( وَإِلَّا عَادُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّضَرُّعِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ 209 إِلَى ذَلِكَ ، فَاسْتُحِبَّ كَالْأَوَّلِ ، وَقَالَ أَصْبَغُ : اسْتُسْقِيَ لِلنِّيلِ بِمِصْرَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ مَرَّةً مُتَوَالِيَةً ، وَحَضَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمْعٌ .
( وَإِنْ ) تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ وَ ( سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ شَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى ، وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ ) لِأَنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ زَادَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إِبْرَاهِيمَ : 7 ] وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ ، لِأَنَّهَا تُرَادُ لِنُزُولِ الْغَيْثِ ، وَقَدْ وُجِدَ ، وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْجَدُّ فِي " فُرُوعِهِ " وَجَمْعٌ : إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ خُرُوجُهُمْ بَعْدَ التَّأَهُّبِ ، وَيُصَلُّونَ شُكْرًا لِلَّهِ ، وَيَسْأَلُونَ الْمَزِيدَ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ شُرِعَتْ لِإِزَالَةِ الْعَارِضِ مِنَ الْجَدْبِ ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ النُّزُولِ ، وَقِيلَ : يَخْرُجُونَ ، وَلَا يُصَلُّونَ ، وَقِيلَ : عَكْسُهُ ، وَذَكَرَ ابْنُ مَنْجَا أَنَّ التَّشَاغُلَ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ بِالدُّعَاءِ مُسْتَحَبٌّ ; لِقَوْلِهِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ يُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ عِنْدَ ثَلَاثٍ : الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ ، وَنُزُولِ الْغَيْثِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ : اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ . فَلَوْ سُقُوا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ صَلَّوْا ، وَجْهًا وَاحِدًا ، فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا ، وَفِي الْخُطْبَةِ رِوَايَتَانِ .
مَسْأَلَةٌ : ذَكَرَ الْقَاضِي وَجَمْعٌ أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا : مَا وَصَفْنَا ; وَهُوَ أَكْمَلُهَا ، الثَّانِي : اسْتِسْقَاءُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي خُطْبَتِهَا كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
210 مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَالثَّالِثُ : يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ ، وَفِي خَلَوَاتِهِمْ .
( وَيُنَادَى لَهَا : الصَّلَاةَ جَامِعَةً ) كَالْكُسُوفِ ( وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الْإِمَامِ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) إِحْدَاهُمَا : لَا يُشْتَرَطُ ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَابْنُ حَامِدٍ ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " ; وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ ، لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ أَشْبَهَتِ النَّوَافِلَ ، فَعَلَيْهَا يَفْعَلُهَا الْمُسَافِرُ ، وَأَهْلُ الْقُرَى ، وَيَخْطُبُ بِهِمْ أَحَدُهُمْ ، وَالثَّانِيَةُ : يُشْتَرَطُ ، لِفِعْلِهِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ بِأَصْحَابِهِ ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ ، وَكَالْعِيدِ ، فَعَلَيْهَا إِنْ خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنِهِ دَعُوا وَانْصَرَفُوا بِلَا صَلَاةٍ ، وَفِي ثَالِثَةٍ : يُعْتَبَرُ إِذْنُهُ لِلصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ دُونَ الْخُرُوجِ لَهَا وَالدُّعَاءِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنْ خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنٍ صَلَّوْا وَدَعَوْا مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ .
( وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ ) هُوَ مَسْكَنُ الرَّجُلِ ، وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنَ الْأَثَاثِ ( وَثِيَابَهُ لِيُصِيبَهَا ) لِقَوْلِ أَنَسٍ : أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَطَرٌ ، فَحَسَرَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ ، فَقُلْنَا : لِمَ صَنَعْتَ هَذَا ؛ قَالَ : لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَرُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَنْزِعُ ثِيَابَهُ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ إِلَّا الْإِزَارَ يَتَّزِرُ بِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ اسْتِحْبَابَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنْهُ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ ، وَاقْتَصَرَ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى الْوُضُوءِ فَقَطْ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ كَانَ يَقُولُ إِذَا سَالَ الْوَادِي : اخْرُجُوا بِنَا إِلَى الَّذِي جَعَلَهُ طُهْرًا فَنَتَطَهَّرُ بِهِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي : وَيَقْرَأُ عِنْدَ فَرَاغِهِ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا تَفَاؤُلًا بِالْإِجَابَةِ .
211 فَائِدَةٌ : إِذَا سَمِعَ الْبَرْقَ سَبَّحَ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ، وَلَا يَتْبَعُ الْبَصَرُ الْبَرْقَ ; لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
( وَإِنْ زَادَتِ الْمِيَاهُ فَخِيفَ مِنْهَا اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ، وَلَا عَلَيْنَا ) إِلَى آخِرِهِ ، وَاقْتَصَرَ فِي " الْمُذْهَبِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " عَلَى ذَلِكَ لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ مَا عَدَا الْآيَةَ ; وَهِيَ اللَّائِقَةُ بِالْحَالِ ، فَاسْتُحِبَّ قَوْلُهَا كَسَائِرِ الْأَقْوَالِ اللَّائِقَةِ بِمَحَالِّهَا . وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ عُيُونَ الْمَاءِ إِذَا زَادَتْ كَذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَا يُصَلِّي بَلْ يَدْعُو ، لِأَنَّهُ أَحَدُ الضَّرَرَيْنِ ، فَاسْتُحِبَّ الدُّعَاءُ لِانْقِطَاعِهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَلَا يُشْرَعُ لَهُ الِاجْتِمَاعُ فِي الصَّحْرَاءِ ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْآمِدِيَّ قَالَ : يُصَلَّى لِكَثْرَةِ الْمَطَرِ .
قَوْلُهُ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا أَيْ : أَنْزِلْهُ حَوَالَيِ الْمَدِينَةِ مَوَاضِعَ النَّبَاتِ ، وَلَا عَلَيْنَا فِي الْمَدِينَةِ ، وَلَا فِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَبَانِي ( اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ ) جَمْعُ ظَرِبٍ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ : وَاحِدُ الظُّرَبِ ; وَهِيَ الرَّوَابِي الصِّغَارُ ( وَالْآكَامُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ يَلِيهَا مَدَّةٌ عَلَى وَزْنِ آصَالٍ ، وَتُكْسَرُ الْهَمْزَةُ بِغَيْرِ مَدٍّ عَلَى وَزْنِ جِبَالٍ ، فَالْأَوَّلُ جَمْعُ أُكُمٍ كَكُتُبٍ ، وَأُكُمٌ جَمْعُ إِكَامٍ كَجِبَالٍ ، وَأُكُمٌ وَاحِدُهُ أَكَمَةٌ ، فَهُوَ مُفْرَدٌ جُمِعَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، قَالَ عِيَاضٌ : هُوَ مَا غَلُظَ مِنَ الْأَرْضِ ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ جَبَلًا ، وَكَانَ أَكْثَرَ ارْتِفَاعًا مِمَّا حَوْلَهُ كَالتِّلُولِ وَنَحْوِهَا ، وَقَالَ مَالِكٌ : هِيَ الْجِبَالُ الصِّغَارُ قَالَ الْخَلِيلُ : هِيَ حَجَرٌ وَاحِدٌ ( وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ ) 212 هِيَ الْأَمْكِنَةُ الْمُنْخَفِضَةُ ( وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ ) أَيْ أُصُولِهَا ; لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لَهَا ( رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) أَيْ : لَا تُكَلِّفُنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ ، وَقِيلَ : هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ وَالْوَسْوَسَةِ ، وَعَنْ مَكْحُولٍ : هُوَ الْغُلْمَةُ ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ : هِيَ الْحُبُّ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ : هُوَ الْعِشْقُ ، وَقِيلَ : هُوَ شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ ، وَقِيلَ : هُوَ الْفُرْقَةُ وَالْقَطِيعَةُ ، نُعَوُذُ بِاللَّهِ مِنْهَا ( أَيْ : تَجَاوَزْ وَامْحُ عَنَّا ذُنُوبَنَا ( وَاغْفِرْ لَنَا ) أَيِ : اسْتُرْ عَلَيْنَا ذُنُوبَنَا ، وَلَا تَفْضَحْنَا ( وَارْحَمْنَا ) فَإِنَّا لَا نَنَالُ الْعَمَلَ بِطَاعَتِكَ ، وَلَا تَرْكَ مَعَاصِيكَ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ ( أَنْتَ مَوْلَانَا ) نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا ( فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) .
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، وَيَحْرُمُ بِنَوْءِ كَذَا ، لِخَبَرِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ; وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَإِضَافَةُ الْمَطَرِ إِلَى النَّوْءِ دُونَ اللَّهِ كُفْرٌ إِجْمَاعًا ، وَلَا يُكْرَهُ فِي نَوْءِ كَذَا ، خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى .
( وَ ) يُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ ( يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ ) لِأَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو ، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : يَسْتَقْبِلُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِقْبَالِهَا لِلدُّعَاءِ ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ وَالْقِرَاءَةُ وَسَائِرُ الطَّاعَاتِ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ ( وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ ) بَعْدَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( فَيَجْعَلُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خَطَبَ ، وَدَعَا اللَّهَ ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِهَذَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ اسْتَسْقَى ، وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ أَسْفَلَهَا أَعْلَاهَا فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ ، فَقَلَبَهَا الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو 208 دَاوُدَ ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَهِيَ ظَنٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَقَدْ نَقَلَ التَّحْوِيلَ جَمَاعَةٌ ، لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ ، وَيَبْعُدُ أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ تَرَكَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ لِثِقَلِ الرِّدَاءِ ( وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ ; لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ ، كَيْفَ وَقَدْ عُقِلَ الْمَعْنَى ; وَهُوَ التَّفَاؤُلُ بِقَلْبِ الرِّدَاءِ لِيُقْلَبَ مَا بِهِمْ مِنَ الْجَدْبِ إِلَى الْخِصْبِ ، مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ( وَيَتْرُكُونَهُ حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ ) لِعَدَمِ نَقْلِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي " ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا تَحْوِيلَ فِي كُسُوفٍ ، وَلَا حَالَةَ الْأَمْطَارِ وَالزَّلْزَلَةِ ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ ( وَيَدْعُو سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِخْلَاصِ ، وَأَبْلَغُ فِي الْخُشُوعِ ; لِقَوْلِهِ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [ الْأَعْرَافِ : 55 ] وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِبَعْضِهِ حَتَّى يَحْصُلَ التَّأْمِينُ ( فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ ، وَوَعَدْتَنَا إِجَابَتَكَ ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا ، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِنْجَازًا لِمَا وَعَدَ مِنْ فَضْلِهِ حَيْثُ قَالَ : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [ الْبَقَرَةِ : 186 ] فَإِنْ دَعَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ اسْتَقْبَلَهُمْ بِوَجْهِهِ ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْبِرِّ ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْمُؤْمِنَاتِ ، وَيَقْرَأُ آيَةً ، وَيَقُولُ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْهَا ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ ( فَإِنْ سُقُوا ) فَذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ ( وَإِلَّا عَادُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّضَرُّعِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ 209 إِلَى ذَلِكَ ، فَاسْتُحِبَّ كَالْأَوَّلِ ، وَقَالَ أَصْبَغُ : اسْتُسْقِيَ لِلنِّيلِ بِمِصْرَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ مَرَّةً مُتَوَالِيَةً ، وَحَضَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمْعٌ .
( وَإِنْ ) تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ وَ ( سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ شَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى ، وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ ) لِأَنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ زَادَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إِبْرَاهِيمَ : 7 ] وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ ، لِأَنَّهَا تُرَادُ لِنُزُولِ الْغَيْثِ ، وَقَدْ وُجِدَ ، وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْجَدُّ فِي " فُرُوعِهِ " وَجَمْعٌ : إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ خُرُوجُهُمْ بَعْدَ التَّأَهُّبِ ، وَيُصَلُّونَ شُكْرًا لِلَّهِ ، وَيَسْأَلُونَ الْمَزِيدَ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ شُرِعَتْ لِإِزَالَةِ الْعَارِضِ مِنَ الْجَدْبِ ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ النُّزُولِ ، وَقِيلَ : يَخْرُجُونَ ، وَلَا يُصَلُّونَ ، وَقِيلَ : عَكْسُهُ ، وَذَكَرَ ابْنُ مَنْجَا أَنَّ التَّشَاغُلَ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ بِالدُّعَاءِ مُسْتَحَبٌّ ; لِقَوْلِهِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ يُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ عِنْدَ ثَلَاثٍ : الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ ، وَنُزُولِ الْغَيْثِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ : اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ . فَلَوْ سُقُوا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ صَلَّوْا ، وَجْهًا وَاحِدًا ، فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا ، وَفِي الْخُطْبَةِ رِوَايَتَانِ .
مَسْأَلَةٌ : ذَكَرَ الْقَاضِي وَجَمْعٌ أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا : مَا وَصَفْنَا ; وَهُوَ أَكْمَلُهَا ، الثَّانِي : اسْتِسْقَاءُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي خُطْبَتِهَا كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
210 مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَالثَّالِثُ : يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ ، وَفِي خَلَوَاتِهِمْ .
( وَيُنَادَى لَهَا : الصَّلَاةَ جَامِعَةً ) كَالْكُسُوفِ ( وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الْإِمَامِ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) إِحْدَاهُمَا : لَا يُشْتَرَطُ ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَابْنُ حَامِدٍ ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " ; وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ ، لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ أَشْبَهَتِ النَّوَافِلَ ، فَعَلَيْهَا يَفْعَلُهَا الْمُسَافِرُ ، وَأَهْلُ الْقُرَى ، وَيَخْطُبُ بِهِمْ أَحَدُهُمْ ، وَالثَّانِيَةُ : يُشْتَرَطُ ، لِفِعْلِهِ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ بِأَصْحَابِهِ ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ ، وَكَالْعِيدِ ، فَعَلَيْهَا إِنْ خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنِهِ دَعُوا وَانْصَرَفُوا بِلَا صَلَاةٍ ، وَفِي ثَالِثَةٍ : يُعْتَبَرُ إِذْنُهُ لِلصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ دُونَ الْخُرُوجِ لَهَا وَالدُّعَاءِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنْ خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنٍ صَلَّوْا وَدَعَوْا مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ .
( وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ ) هُوَ مَسْكَنُ الرَّجُلِ ، وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنَ الْأَثَاثِ ( وَثِيَابَهُ لِيُصِيبَهَا ) لِقَوْلِ أَنَسٍ : أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَطَرٌ ، فَحَسَرَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ ، فَقُلْنَا : لِمَ صَنَعْتَ هَذَا ؛ قَالَ : لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَرُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَنْزِعُ ثِيَابَهُ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ إِلَّا الْإِزَارَ يَتَّزِرُ بِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ اسْتِحْبَابَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنْهُ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ ، وَاقْتَصَرَ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى الْوُضُوءِ فَقَطْ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ كَانَ يَقُولُ إِذَا سَالَ الْوَادِي : اخْرُجُوا بِنَا إِلَى الَّذِي جَعَلَهُ طُهْرًا فَنَتَطَهَّرُ بِهِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي : وَيَقْرَأُ عِنْدَ فَرَاغِهِ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا تَفَاؤُلًا بِالْإِجَابَةِ .
211 فَائِدَةٌ : إِذَا سَمِعَ الْبَرْقَ سَبَّحَ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ، وَلَا يَتْبَعُ الْبَصَرُ الْبَرْقَ ; لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
( وَإِنْ زَادَتِ الْمِيَاهُ فَخِيفَ مِنْهَا اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ، وَلَا عَلَيْنَا ) إِلَى آخِرِهِ ، وَاقْتَصَرَ فِي " الْمُذْهَبِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " عَلَى ذَلِكَ لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ مَا عَدَا الْآيَةَ ; وَهِيَ اللَّائِقَةُ بِالْحَالِ ، فَاسْتُحِبَّ قَوْلُهَا كَسَائِرِ الْأَقْوَالِ اللَّائِقَةِ بِمَحَالِّهَا . وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ عُيُونَ الْمَاءِ إِذَا زَادَتْ كَذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَا يُصَلِّي بَلْ يَدْعُو ، لِأَنَّهُ أَحَدُ الضَّرَرَيْنِ ، فَاسْتُحِبَّ الدُّعَاءُ لِانْقِطَاعِهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَلَا يُشْرَعُ لَهُ الِاجْتِمَاعُ فِي الصَّحْرَاءِ ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْآمِدِيَّ قَالَ : يُصَلَّى لِكَثْرَةِ الْمَطَرِ .
قَوْلُهُ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا أَيْ : أَنْزِلْهُ حَوَالَيِ الْمَدِينَةِ مَوَاضِعَ النَّبَاتِ ، وَلَا عَلَيْنَا فِي الْمَدِينَةِ ، وَلَا فِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَبَانِي ( اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ ) جَمْعُ ظَرِبٍ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ : وَاحِدُ الظُّرَبِ ; وَهِيَ الرَّوَابِي الصِّغَارُ ( وَالْآكَامُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ يَلِيهَا مَدَّةٌ عَلَى وَزْنِ آصَالٍ ، وَتُكْسَرُ الْهَمْزَةُ بِغَيْرِ مَدٍّ عَلَى وَزْنِ جِبَالٍ ، فَالْأَوَّلُ جَمْعُ أُكُمٍ كَكُتُبٍ ، وَأُكُمٌ جَمْعُ إِكَامٍ كَجِبَالٍ ، وَأُكُمٌ وَاحِدُهُ أَكَمَةٌ ، فَهُوَ مُفْرَدٌ جُمِعَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، قَالَ عِيَاضٌ : هُوَ مَا غَلُظَ مِنَ الْأَرْضِ ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ جَبَلًا ، وَكَانَ أَكْثَرَ ارْتِفَاعًا مِمَّا حَوْلَهُ كَالتِّلُولِ وَنَحْوِهَا ، وَقَالَ مَالِكٌ : هِيَ الْجِبَالُ الصِّغَارُ قَالَ الْخَلِيلُ : هِيَ حَجَرٌ وَاحِدٌ ( وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ ) 212 هِيَ الْأَمْكِنَةُ الْمُنْخَفِضَةُ ( وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ ) أَيْ أُصُولِهَا ; لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لَهَا ( رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) أَيْ : لَا تُكَلِّفُنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ ، وَقِيلَ : هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ وَالْوَسْوَسَةِ ، وَعَنْ مَكْحُولٍ : هُوَ الْغُلْمَةُ ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ : هِيَ الْحُبُّ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ : هُوَ الْعِشْقُ ، وَقِيلَ : هُوَ شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ ، وَقِيلَ : هُوَ الْفُرْقَةُ وَالْقَطِيعَةُ ، نُعَوُذُ بِاللَّهِ مِنْهَا ( أَيْ : تَجَاوَزْ وَامْحُ عَنَّا ذُنُوبَنَا ( وَاغْفِرْ لَنَا ) أَيِ : اسْتُرْ عَلَيْنَا ذُنُوبَنَا ، وَلَا تَفْضَحْنَا ( وَارْحَمْنَا ) فَإِنَّا لَا نَنَالُ الْعَمَلَ بِطَاعَتِكَ ، وَلَا تَرْكَ مَعَاصِيكَ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ ( أَنْتَ مَوْلَانَا ) نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا ( فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) .
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، وَيَحْرُمُ بِنَوْءِ كَذَا ، لِخَبَرِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ; وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَإِضَافَةُ الْمَطَرِ إِلَى النَّوْءِ دُونَ اللَّهِ كُفْرٌ إِجْمَاعًا ، وَلَا يُكْرَهُ فِي نَوْءِ كَذَا ، خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith