المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الأول
page 127 · printed p. 207 · commentary
( لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : الْوَقْتُ ، فَلَا يَجُوزُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ ) فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ ، لِأَنَّ الْقَائِمَ إِلَى الصَّلَاةِ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ; فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ تَيَمَّمَ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَفْعَلَهُ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِهِ إِلَيْهَا ، وَإِعْوَازِهِ الْمَاءَ ، وَالْوُضُوءُ إِنَّمَا جَازَ قَبْلَ الْوَقْتِ لِكَوْنِهِ رَافِعًا لِلْحَدَثِ ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْوَقْتِ ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَعَنْهُ : يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ ، قَالَ الْقَاضِي : الْقِيَاسُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ أَوْ يُحْدِثَ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ قَبْلَهُ كَالْمَاءِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ عُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ فَيَتَسَاوَى بِمُبْدَلِهِ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ ، كَالْإِطْعَامِ مَعَ الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ، وَلَقَدْ أَبْعَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي حِكَايَتِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَنْعِ التَّيَمُّمِ قَبْلَ الْوَقْتِ ( وَلَا لِنَفْلٍ فِي وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهُ ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لَهَا ، فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ وَقْتُ الْمَكْتُوبَةِ دُخُولُ وَقْتِهَا ، وَالْفَائِتَةِ كُلُّ وَقْتٍ ، وَكَذَلِكَ الْمَنْذُورَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ بِفَرَاغِ طُهْرِهِ ، لَكِنْ يُقَالُ : شَخْصٌ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يُيَمِّمَ غَيْرَهُ ، وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ بِهِ إِنْ أُجِيزَا فِي وَقْتِ نَهْيٍ ، وَإِلَّا فَمُقَيَّدٌ بِخُرُوجِهِ ، وَجَمِيعُ التَّطَوُّعَاتِ بِجَوَازِ فِعْلِهَا .
( الثَّانِي : الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ) لِأَنَّ غَيْرَ الْعَاجِزِ يَجِدُ الْمَاءَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّهُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ ، ( لِعَدَمِهِ ) حَضَرًا كَانَ أَوْ سَفَرًا ، قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلًا ، مُبَاحًا أَوْ غَيْرَهُ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [ النِّسَاءِ 43 ، وَالْمَائِدَةِ 6 ] 207 دَلَّ بِمُطْلَقِهِ عَلَى إِبَاحَتِهِ فِي كُلِّ سَفَرٍ ، أَوِ السَّفَرُ الْقَصِيرُ يَكْثُرُ ، فَيَكْثُرُ فِيهِ عَدَمُ الْمَاءِ ، فَلَوْ لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ إِذَنْ لَأَفْضَى إِلَى حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ ، وَهُوَ يُنَافِي مَشْرُوعِيَّةَ التَّيَمُّمِ ، وَلِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِخِلَافِ الرُّخَصِ ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ بَجْدَانَ ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ أَبِي قِلَابَةَ ، وَقَدْ قِيلَ لِأَحْمَدَ : مَعْرُوفٌ ؛ قَالَ : لَا ، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ .
فَلَوْ خَرَجَ مِنَ الْمِصْرِ إِلَى أَرْضٍ مِنْ أَعْمَالِهِ لِحَاجَةٍ كَالْحِرَاثَةِ وَالِاحْتِطَابِ وَنَحْوِهِمَا ، وَلَا يُمْكِنُهُ حَمْلُ الْمَاءِ مَعَهُ ، وَلَا الرُّجُوعُ لِلْوُضُوءِ إِلَّا بِتَفْوِيتِ حَاجَتِهِ ، فَلَهُ التَّيَمُّمُ ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ ، وَقِيلَ : بَلَى ، لِأَنَّهُ كَالْمُقِيمِ ، وَلَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ الَّتِي يَخْرُجُ إِلَيْهَا مِنْ عَمَلِ قَرْيَةٍ أُخْرَى فَلَا إِعَادَةَ ، وَكَذَا إِذَا تَيَمَّمَ ، وَصَلَّى فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ يُعِيدُ ، وَقِيلَ : يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ الْمُبَاحِ الطَّوِيلِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ : لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ أَوْ يُسَافِرَ ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ ، لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي جَوَازَهُ بِحَالَةِ عَدَمِ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقَيُّدِ بِهِ فَائِدَةٌ ، وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ، لِخَبَرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ أَشْبَهَ الْمُسَافِرَ ، وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّفَرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، لِأَنَّهُ مَحْمَلُ الْعَدَمِ غَالِبًا ، فَعَلَى الْأَصَحِّ لَا إِعَادَةَ ، وَلَوْ حَضَرَ ، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ . وَعَنْهُ : يُعِيدُ الْحَاضِرُ ، لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ ، وَفِيهِ وَجْهٌ إِنْ لَمْ يَطُلِ الْعَدَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith