تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 992 · printed p. 7
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْإِسْرَاءِ
رِوَايَةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ :
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - هُوَ ابْنُ بِلَالٍ - عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللِّهِ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ ۝ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ : إِنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ أَوَّلُهُمْ : أَيَهُمُّ هُوَ ؟ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ : هُوَ خَيْرُهُمْ ، فَقَالَ آخِرُهُمْ : خُذُوا خَيْرَهُمْ . فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ ، وَتَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ - وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ - فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ ، فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، بِيَدِهِ حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مَنْ ذَهَبٍ مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً ، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ - يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ - ثُمَّ أَطْبَقَهُ . ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا ، فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مَعِي مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا بِهِ ، يَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ .
وَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : هَذَا أَبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ فَقَالَ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي ، نِعْمَ الِابْنُ أَنْتَ ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهْرَيْنِ يَطَّرِدَانِ فَقَالَ : " مَا هَذَانِ النَّهْرَانِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَذَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا ، ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ ، فَإِذَا هُوَ بِنَهْرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ ، فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ فَقَالَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي خَبَّأَ لَكَ رَبُّكَ .
ثُمَّ عُرِجَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الْأُولَى : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : مَرْحَبًا وَأَهْلًا وَسَهْلًا .
ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ . ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ . ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ . ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ . ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ . كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ ، قَدْ وَعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ ، وَآخَرَ فِي الْخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ . فَقَالَ مُوسَى : " رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ " ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ ، بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى ، وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى ، حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِيمَا 7 يُوحِي خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . ثُمَّ هُبِطَ بِهِ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى فَقَالَ : " يَا مُحَمَّدُ ، مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ ؟ " قَالَ : " عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ " قَالَ : " إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ " . فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ : أَنْ نَعَمْ ، إِنْ شِئْتَ . فَعَلَا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ تَعَالَى ، فَقَالَ وَهُوَ فِي مَكَانِهِ : " يَا رَبِّ ، خَفِّفْ عَنَّا ، فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا " فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ . ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الْخَمْسِ فَقَالَ : " يَا مُحَمَّدُ ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا ، فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ ، فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ " كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ فَقَالَ : " يَا رَبِّ ، إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ فَخَفِّفْ عَنَّا " فَقَالَ : الْجَبَّارُ : " يَا مُحَمَّدُ ، قَالَ : " لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ " قَالَ : إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ، كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ : " كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، فَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَهِيَ خُمْسٌ عَلَيْكَ " ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : " كَيْفَ فَعَلْتَ ؟ " فَقَالَ : " خَفَّفَ عَنَّا ، أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا " قَالَ : مُوسَى : " قَدْ وَاللَّهِ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا " . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا مُوسَى قَدْ - وَاللَّهِ - اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ " قَالَ : " فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ " ، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
.
هَكَذَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " كِتَابِ التَّوْحِيدِ " ، وَرَوَاهُ فِي " صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَخِيهِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ : " فَزَادَ وَنَقَصَ ، وَقَدَّمَ وَأَخَّرَ " .
وَهُوَ كَمَا قَالَهُ مُسْلِمٌ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَإِنَّ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ اضْطَرَبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَسَاءَ حِفْظُهُ وَلَمْ يَضْبُطْهُ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا مَنَامًا تَوْطِئَةً لِمَا وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
[ وَقَالَ ] الْبَيْهَقِيُّ : فِي حَدِيثِ " شَرِيكٍ " زِيَادَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا ، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ ، يَعْنِي قَوْلَهُ : ۝ " ثُمَّ دَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى ، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى " قَالَ : وَقَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَمْلِهِمْ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى رُؤْيَتِهِ جِبْرِيلَ - أَصَحُّ . 8
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، ۝ فَإِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ " . وَفِي رِوَايَةٍ " رَأَيْتُ نُورًا " . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ) [ النَّجْمِ : 8 ] ، إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ بِهَذَا .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ ، فَرَكِبْتُهُ فَسَارَ بِي حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ دَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجْتُ . فَأَتَانِي جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ . قَالَ جِبْرِيلُ : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ " قَالَ : " ثُمَّ عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . فَقِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ [ قَالَ : قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ] . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ .
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . فَقِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . فَقِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ يَحْيَى وَعِيسَى ، فَرَحَّبَا بِي وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ .
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : جِبْرِيلُ . فَقِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ فَقَالَ : مُحَمَّدٌ . فَقِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِ يُوسُفَ ، وَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ .
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : جِبْرِيلُ . فَقِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . فَقِيلَ : قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ الْبَابُ ، فَإِذَا أَنَا بِ إِدْرِيسَ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ . ثُمَّ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ : ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) [ مَرْيَمَ : 57 ] .
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : جِبْرِيلُ . فَقِيلَ : [ وَ ] مَنْ مَعَكَ ؟ فَقَالَ : مُحَمَّدٌ . فَقِيلَ : قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِ هَارُونَ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ .
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . فَقِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِ مُوسَى فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ .
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ 9 مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . فَقِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِ إِبْرَاهِيمَ ، وَإِذَا هُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ .
ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ . فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَهَا تَغَيَّرَتْ ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصِفَهَا مِنْ حُسْنِهَا . قَالَ : " فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى ، وَفَرَضَ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى " . قَالَ : " مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ قَالَ : " قُلْتُ : خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ " . قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، وَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ " . قَالَ : " فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي ، فَقُلْتُ : أَيْ رَبِّ ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي ، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا . فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : مَا فَعَلْتَ ؟ قُلْتُ : قَدْ حَطَّ عَنِّي خَمْسًا " . قَالَ : " إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ " قَالَ : " فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى ، وَيَحُطُّ عَنِّي خَمْسًا خَمْسًا حَتَّى قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هِيَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، بِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ ، فَتِلْكَ خَمْسُونَ صَلَاةً ، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ [ لَهُ ] حَسَنَةً ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَشْرًا . وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ ، فَإِنَّ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً . فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ " . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ "
.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهَذَا السِّيَاقِ ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ سِيَاقِ شَرِيكٍ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَفِي هَذَا السِّيَاقِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُسْرَجًا مُلْجَمًا لِيَرْكَبَهُ ، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا ؟ فَوَاللَّهِ مَا رَكِبَكَ قَطُّ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ . قَالَ : فَارْفَضَّ عَرَقًا .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَقَالَ : غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ ، حَدَّثَنِي رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ 10 لُحُومَ النَّاسِ ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ " .
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، بِهِ . وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ أَنَسٌ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ " .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ طَرْخَانَ التَّيْمِيِّ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ .
قَالَ النَّسَائِيُّ : وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ قَالَ : سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ .
وَقَالَ [ الْحَافِظُ ] أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى مُوسَى وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ .
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا : ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ بِمُوسَى وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ - قَالَ أَنَسٌ : ذُكِرَ أَنَّهُ حُمِلَ عَلَى الْبُرَاقِ - فَأَوْثَقَ الدَّابَّةَ - أَوْ قَالَ : الْفَرَسَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : صِفْهَا لِي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَكَرَ كَلِمَةً فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ رَآهَا .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفِي ، فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا كَوَكْرَيِ الطَّيْرِ ، فَقَعَدَ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدْتُ فِي الْآخَرِ فَسَمَتْ وَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ وَأَنَا أُقَلِّبُ طَرْفِي ، وَلَوْ شِئْتُ أَنَّ أَمَسَّ السَّمَاءَ لَمَسِسْتُ ، فَالْتَفَتُّ إِلَى جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَأَنَّهُ حِلْسٌ لَاطَ فَعَرَفْتُ فَضْلَ عِلْمِهِ بِاللَّهِ عَلَيَّ ، وَفُتِحَ لِي بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ فَرَأَيْتُ النُّورَ الْأَعْظَمَ ، وَإِذَا دُونَ الْحِجَابِ رَفْرَفُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُوحِي " ثُمَّ قَالَ : هَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ إِلَّا أَنَسٌ ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ إِلَّا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَكَانَ رَجُلًا مَشْهُورًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ .
11 وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِلِ " ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَاضِي ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُنَيْنِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، فَذَكَرَ بِسَنَدِهِ مِثْلَهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ غَيْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي آخِرِهِ : ۝ " وَلُطَّ دُونِي - أَوْ قَالَ : دُونَ الْحِجَابِ - رَفْرَفُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ " . ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدٍ : ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي مَلَإٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ، فَنَكَتَ فِي ظَهْرِهِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الشَّجَرَةِ وَفِيهَا مِثْلُ وَكْرَيِ الطَّيْرِ ، فَقَعَدَ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدَ جِبْرِيلُ فِي الْآخَرِ ، فَنَشَأَتْ بِنَا حَتَّى بَلَغَتِ الْأُفُقَ ، فَلَوْ بَسَطْتُ يَدِي إِلَى السَّمَاءِ لَنِلْتُهَا ، فَدُلِّيَ بِسَبَبٍ وَهَبَطَ النُّورُ ، فَوَقَعَ جِبْرِيلُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَأَنَّهُ حِلْسٌ ، فَعَرَفْتُ فَضْلَ خَشْيَتِهِ عَلَى خَشْيَتِي . فَأَوْحَى إِلَيَّ : نَبِيًّا مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا ؟ وَإِلَى الْجَنَّةِ مَا أَنْتَ ؟ فَأَوْمَأَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ : أَنْ تَوَاضَعْ . قَالَ : قُلْتُ : لَا . بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا .
قُلْتُ : وَهَذَا إِنْ صَحَّ يَقْتَضِي أَنَّهَا وَاقِعَةٌ غَيْرُ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَلَا الصُّعُودَ إِلَى السَّمَاءِ ، فَهِيَ كَائِنَةٌ غَيْرَ مَا نَحْنُ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْبَزَّارُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ۝ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، هَذَا غَرِيبٌ .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : ۝ لَمَّا جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبُرَاقِ فَكَأَنَّهَا أَمَرَّتْ ذَنَبَهَا ، فَقَالَ لَهَا جِبْرِيلُ : مَهْ يَا بُرَاقُ ، فَوَاللَّهِ إِنْ رَكِبَكَ مِثْلُهُ . وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ بِعَجُوزٍ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ ، فَقَالَ : " مَا هَذِهِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : سِرْ يَا مُحَمَّدُ . قَالَ : فَسَارَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسِيرَ ، فَإِذَا شَيْءٌ يَدْعُوهُ مُتَنَحِّيًا عَنِ الطَّرِيقِ يَقُولُ : هَلُمَّ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : سِرْ يَا مُحَمَّدُ فَسَارَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسِيرَ ، قَالَ : فَلَقِيَهُ خَلْقٌ مِنَ الْخَلْقِ فَقَالُوا : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَوَّلُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا آخِرُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَاشِرُ ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : ارْدُدِ السَّلَامَ يَا مُحَمَّدُ . فَرَدَّ السَّلَامَ ، ثُمَّ لَقِيَهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ كَذَلِكَ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ . فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَالْخَمْرَ وَاللَّبَنَ ، فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّبَنَ ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ ، وَلَوْ شَرِبْتَ الْمَاءَ لَغَرِقْتَ وَغَرِقَتْ أُمَّتُكَ ، وَلَوْ شَرِبْتَ الْخَمْرَ لَغَوَيْتَ وَلَغَوَتْ أُمَّتُكَ . ثُمَّ بُعِثَ لَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، فَأَمَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ . ثُمَّ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : أَمَّا الْعَجُوزُ الَّتِي رَأَيْتَ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِ تِلْكَ الْعَجُوزِ ، وَأَمَّا الَّذِي أَرَادَ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ ، فَذَاكَ عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ أَرَادَ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ ، وَأَمَّا الَّذِينَ سَلَّمُوا عَلَيْكَ فَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ نَكَارَةٌ 12 وَغَرَابَةٌ .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ :
وَفِيهَا غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ جَدًّا ، وَهِيَ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ الْمُجْتَبَى ، وَلَمْ أَرَهَا فِي " الْكَبِيرِ " قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ - هُوَ ابْنُ الْحُسَيْنِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أُتِيتُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ ، خَطْوُهَا عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهَا ، فَرَكِبْتُ وَمَعِيَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسِرْتُ فَقَالَ : انْزِلْ فَصَلِّ . فَصَلَّيْتُ ، فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ ؟ [ صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ وَإِلَيْهَا الْمُهَاجَرُ ، ثُمَّ قَالَ : انْزِلْ فَصَلِّ . فَصَلَّيْتُ ، فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ ؟ ] صَلَّيْتَ بِطُورِ سَيْنَاءَ ، حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ، ثُمَّ قَالَ : انْزِلْ فَصَلِّ . فَصَلَّيْتُ ، فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ . صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ ، حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ لِيَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ [ ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ، فَإِذَا فِيهَا ابْنَا الْخَالَةِ : عِيسَى وَيَحْيَى ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَإِذَا فِيهَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، فَإِذَا فِيهَا هَارُونُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، فَإِذَا فِيهَا إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، فَإِذَا فِيهَا مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَإِذَا فِيهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ صَعِدَ بِي فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ وَأَتَيْتُ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى ، فَغَشِيَتْنِي ضَبَابَةٌ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا فَقِيلَ لِي : إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ [ فَرَجَعْتُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَسْأَلْنِي ، عَنْ شَيْءٍ . ثُمَّ أَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ : كَمْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ ؟ ] قُلْتُ : خَمْسِينَ صَلَاةً . قَالَ : فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِهَا ، لَا أَنْتَ وَلَا أُمَّتُكَ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا . ثُمَّ أَتَيْتُ مُوسَى فَأَمَرَنِي بِالرُّجُوعِ ، فَرَجَعْتُ فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا ، ثُمَّ رُدَّتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ ، قَالَ : فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّهُ فَرَضَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ صَلَاتَيْنِ ، فَمَا قَامُوا بِهِمَا . فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - فَسَأَلْتُهُ التَّخْفِيفَ ، فَقَالَ : إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَخَمْسٌ بِخَمْسِينَ ، فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ . فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صِرَّى فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : ارْجِعْ ، فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ صِرَّى - يَقُولُ : أَيْ حَتْمٌ - فَلَمْ أَرْجِعْ " .
طَرِيقٌ أُخْرَى :
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : ۝ لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ ، حَمَلَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهَا ، يَنْتَهِي خُفُّهَا حَيْثُ يَنْتَهِي 13 طَرْفُهَا . فَلَمَّا بَلَغَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَبَلَغَ الْمَكَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : " بَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَتَى إِلَى الْحَجَرِ الَّذِي ثَمَّةَ ، فَغَمَزَهُ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ فَثَقَبَهُ ، ثُمَّ رَبَطَهَا . ثُمَّ صَعِدَ فَلَمَّا اسْتَوَيَا فِي صَرْحَةِ الْمَسْجِدِ ، قَالَ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ سَأَلْتَ رَبَّكَ أَنْ يُرِيَكَ الْحُورَ الْعِينَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : فَانْطَلِقْ إِلَى أُولَئِكَ النِّسْوَةِ ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِنَّ وَهُنَّ جُلُوسٌ عَنْ يَسَارِ الصَّخْرَةِ ، قَالَ : فَأَتَيْتُهُنَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِنَّ ، فَرَدَدْنَ عَلَيَّ السَّلَامَ ، فَقُلْتُ : مَنْ أَنْتَنَّ ؟ فَقُلْنَ : نَحْنُ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ، نِسَاءُ قَوْمٍ أَبْرَارٍ ، نُقُّوا فَلَمْ يَدْرَنُوا ، وَأَقَامُوا فَلَمْ يَظْعَنُوا ، وَخُلِّدُوا فَلَمْ يَمُوتُوا " . قَالَ : " ثُمَّ انْصَرَفْتُ ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى اجْتَمَعَ نَاسٌ كَثِيرٌ ، ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ " . قَالَ : " فَقُمْنَا صُفُوفًا نَنْتَظِرُ مَنْ يَؤُمُّنَا ، فَأَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتُ بِهِمْ . فَلَمَّا انْصَرَفْتُ قَالَ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ ، أَتَدْرِي مَنْ صَلَّى خَلْفَكَ ؟ " قَالَ : " قُلْتُ : لَا . قَالَ : صَلَّى خَلْفَكَ كُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " .
قَالَ : " ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيلُ فَصَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَابِ اسْتَفْتَحَ فَقَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا جِبْرِيلُ ، قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ " . قَالَ : " فَفَتَحُوا لَهُ وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ " . قَالَ : " فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا إِذَا فِيهَا آدَمُ ، فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ ، أَلَا تُسَلِّمُ عَلَى أَبِيكَ آدَمَ ؟ " قَالَ : " قُلْتُ : بَلَى . فَأَتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ عَلَيَّ وَقَالَ : مَرْحَبًا بِابْنِي وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ " . قَالَ : " ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ " : " فَفَتَحُوا لَهُ وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ، فَإِذَا فِيهَا عِيسَى وَابْنُ خَالَتِهِ يَحْيَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ . قَالَ : " ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ " . فَفَتَحُوا وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ، فَإِذَا فِيهَا يُوسُفُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ ؟ قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَفَتَحُوا وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ . فَإِذَا فِيهَا إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " . قَالَ : " فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ ، قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَفَتَحُوا وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ فَإِذَا فِيهَا هَارُونُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ " . قَالَ : " ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَفَتَحُوا وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ، فَإِذَا فِيهَا مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقَالُوا مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَفَتَحُوا لَهُ وَقَالُوا : مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ، فَإِذَا فِيهَا إِبْرَاهِيمُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَقَالَ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ ، أَلَا تُسَلِّمُ عَلَى أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : بَلَى . فَأَتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ وَقَالَ : مَرْحَبًا بِكَ بِابْنِي وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ .
ثُمَّ انْطَلَقَ بِي عَلَى ظَهْرِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى نَهْرٍ عَلَيْهِ خِيَامُ الْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالزَّبَرْجَدِ وَعَلَيْهِ طَيْرٌ خُضْرٌ أَنْعَمُ طَيْرٍ رَأَيْتُ . فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، إِنَّ هَذَا الطَّيْرَ لَنَاعِمٌ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، آكِلُهُ أَنْعَمُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَتَدْرِي : أَيُّ نَهْرٍ هَذَا ؟ قَالَ : " قُلْتُ : لَا . قَالَ : هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ 14 اللَّهُ إِيَّاهُ . فَإِذَا فِيهِ آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، يَجْرِي عَلَى رَصْرَاضٍ مِنَ الْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ " قَالَ : " فَأَخَذْتُ مِنْهُ آنِيَةً مِنَ الذَّهَبِ ، فَاغْتَرَفْتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فَشَرِبْتُ ، فَإِذَا هُوَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، وَأَشَدُّ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ . ثُمَّ انْطُلِقَ بِي حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الشَّجَرَةِ ، فَغَشِيَتْنِي سَحَابَةٌ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ ، فَرَفَضَنِي جِبْرِيلُ ، وَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقَالَ اللَّهُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ " . قَالَ : " ثُمَّ انْجَلَتْ عَنِّي السَّحَابَةُ وَأَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيلُ ، فَانْصَرَفْتُ سَرِيعًا فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَقُلْ لِي شَيْئًا ، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ : مَا صَنَعْتَ يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقُلْتُ : فَرَضَ رَبِّي عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً . قَالَ : فَلَنْ تَسْتَطِيعَهَا أَنْتَ وَلَا أُمَّتُكَ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ . فَرَجَعْتُ سَرِيعًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الشَّجَرَةِ ، فَغَشِيَتْنِي السَّحَابَةُ ، وَرَفَضَنِي جِبْرِيلُ وَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَقُلْتُ : رَبِّ ، إِنَّكَ فَرَضْتَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً ، وَلَنْ أَسْتَطِيعَهَا أَنَا وَلَا أُمَّتِي ، فَخَفِّفْ عَنَّا . قَالَ : قَدْ وَضَعْتُ عَنْكُمْ عَشْرًا . قَالَ : ثُمَّ انْجَلَتْ عَنِّي السَّحَابَةُ ، وَأَخَذَ بِيَدِي جِبْرِيلُ وَانْصَرَفْتُ سَرِيعًا حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَقُلْ لِي شَيْئًا ، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ، فَقَالَ لِي : مَا صَنَعْتَ يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقُلْتُ : وَضَعَ رَبِّي عَنِّي عَشْرًا فَقَالَ : أَرْبَعُونَ صَلَاةً ! لَنْ تَسْتَطِيعَهَا أَنْتَ وَلَا أُمَّتُكَ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَذَلِكَ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ ، وَخَمْسٍ بِخَمْسِينَ ثُمَّ أَمَرَهُ مُوسَى أَنْ يَرْجِعَ فَيَسْأَلَ التَّخْفِيفَ ، فَقُلْتُ : " إِنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ تَعَالَى " .
قَالَ : ثُمَّ انْحَدَرَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ : " مَا لِي لَمْ آتِ عَلَى سَمَاءٍ إِلَّا رَحَّبُوا بِي وَضَحِكُوا إِلَيَّ ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَرَحَّبَ بِي وَلَمْ يَضْحَكْ إِلَيَّ . قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، ذَاكَ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ لَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ خُلِقَ وَلَوْ ضَحِكَ إِلَى أَحَدٍ لَضَحِكِ إِلَيْكَ " .
قَالَ : ثُمَّ رَكِبَ مُنْصَرِفًا ، فَبَيْنَا هُوَ فِي بَعْضِ طَرِيقِهِ مَرَّ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ طَعَامًا ، مِنْهَا جَمَلٌ عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ : غِرَارَةٌ سَوْدَاءُ ، وَغِرَارَةٌ بَيْضَاءُ ، فَلَمَّا حَاذَى بِالْعِيرِ نَفَرَتْ مِنْهُ وَاسْتَدَارَتْ ، وَصُرِعَ ذَلِكَ الْبَعِيرُ وَانْكَسَرَ .
ثُمَّ إِنَّهُ مَضَى فَأَصْبَحَ ، فَأَخْبَرَ عَمَّا كَانَ ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ قَوْلَهُ أَتَوْا أَبَا بَكْرٍ فَقَالُوا : يَا أَبَا بَكْرٍ ، هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ ؟ يُخْبِرُ أَنَّهُ أَتَى فِي لَيْلَتِهِ هَذِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، ثُمَّ رَجَعَ فِي لَيْلَتِهِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنْ كَانَ قَالَهُ فَقَدْ صَدَقَ ، وَإِنَّا لِنُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا ، نُصَدِّقُهُ عَلَى خَبَرِ السَّمَاءِ .
فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا عَلَامَةُ مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : " مَرَرْتُ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ ، وَهِيَ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا ، فَنَفَرَتِ الْعِيرُ مِنَّا وَاسْتَدَارَتْ ، [ وَفِيهَا بَعِيرٌ عَلَيْهِ ] غِرَارَتَانِ : غِرَارَةٌ سَوْدَاءُ ، وَغِرَارَةٌ بَيْضَاءُ ، فَصُرِعَ فَانْكَسَرَ " .
فَلَمَّا قَدِمَتِ الْعِيرُ سَأَلُوهُمْ ، فَأَخْبَرُوهُمُ الْخَبَرَ عَلَى مِثْلِ مَا حَدَّثَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ ذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ . 15
وَسَأَلُوهُ وَقَالُوا : هَلْ كَانَ مَعَكَ فِيمَنْ حَضَرَ مُوسَى وَعِيسَى ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالُوا : فَصِفْهُمْ . قَالَ : " نَعَمْ " ؛ أَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ أَزْدِ عَمَّانَ ، وَأَمَّا عِيسَى فَرَجَلٌ رَبْعَةٌ ، سَبْطٌ ، تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ كَأَنَّمَا يَتَحَادَرُ مِنْ شَعْرِهِ الْجُمَانُ "
.
هَذَا سِيَاقٌ فِيهِ غَرَائِبُ عَجِيبَةٌ .
رِوَايَةُ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ حَدَّثَهُ : ۝ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ ، قَالَ : " بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ قَتَادَةُ : فِي الْحِجْرِ - مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ " فَجَعَلَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ الْأَوْسَطِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ ، قَالَ : " فَأَتَانِي فَقَدَّ - وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ : فَشَقَّ - مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ " . وَقَالَ قَتَادَةُ : فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي : مَا يَعْنِي ؟ قَالَ : مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : مِنْ قَصَّتِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ قَالَ : " فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي " قَالَ : " فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًا وَحِكْمَةٍ فَغُسِلَ قَلْبِي ثُمَّ حُشِيَ ، ثُمَّ أُعِيدَ . ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ " قَالَ : فَقَالَ الْجَارُودُ : وَهُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ . قَالَ : " فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حَتَّى أَتَى بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ " قَالَ : " فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ ، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : هَذَا أَبُوكَ آدَمُ ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ السَّلَامَ ، ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ .
ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ ، فَاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ " ، قَالَ : " فَفُتِحَ ، فَلَمَّا خَلَصْتُ ، فَإِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ . قَالَ : هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا . قَالَ : فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا السَّلَامَ ثُمَّ قَالَا مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ .
ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ " . قَالَ : فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ ، فَإِذَا يُوسُفُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : هَذَا يُوسُفُ قَالَ : " فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ .
ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ ، فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ 16 قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ " قَالَ : " فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِدْرِيسُ ، قَالَ : هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ " . قَالَ : " فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ . فَرَدَّ السَّلَامَ ، ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ " .
قَالَ : " ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ " . قَالَ : " فَفُتِحَ ، فَلَمَّا خَلَصْتُ ، فَإِذَا هَارُونُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ . قَالَ : فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ ، ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالْأَخِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ " .
قَالَ : " ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . فَفُتِحَ ، فَلَمَّا خَلَصْتُ ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ، قَالَ : هَذَا مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ " . قَالَ : " فَلَمَّا تَجَاوَزْتُهُ بَكَى . قِيلَ لَهُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : أَبْكِي ؛ لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي ، يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي " .
قَالَ : " ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ " . قَالَ : " فَفُتِحَ ، فَلَمَّا خَلَصْتُ ، فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَقَالَ : هَذَا إِبْرَاهِيمُ ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ " . قَالَ : " فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ السَّلَامَ ، ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ " .
قَالَ : ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَيَّ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ ، فَقَالَ : هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى " . قَالَ : " وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ : نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ ، فَقُلْتُ : مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ " .
قَالَ : ثُمَّ رُفِعَ إِلَيَّ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ
.
قَالَ قَتَادَةُ : وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ۝ أَنَّهُ رَأَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ .
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ [ قَالَ : ۝ " ثُمَّ ] أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ " . ۝ قَالَ : " فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ ، قَالَ : هَذِهِ الْفِطْرَةُ وَأَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ " .
قَالَ : " ثُمَّ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ " . قَالَ : " فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ، قَالَ مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ " قَالَ : " قُلْتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ . قَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى 17 رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، عَنْ أُمَّتِكَ " . قَالَ : " فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا ، قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتَ ؟ قُلْتُ : بِأَرْبَعِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ . قَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَرْبَعِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ . قَالَ : فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا أُخَرَ . فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتَ ؟ فَقُلْتُ : أُمِرْتُ بِثَلَاثِينَ صَلَاةً . قَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ثَلَاثِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ " . قَالَ : " فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا أُخَرَ ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتَ ؟ قُلْتُ : بِعِشْرِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ . فَقَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ لِعِشْرِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ " . قَالَ : " فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا أُخَرَ ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتَ ؟ فَقُلْتُ : أُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ . فَقَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ لِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ ، وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ " . قَالَ : " فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتَ ؟ فَقُلْتُ : أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ . فَقَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ لِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي قَدْ خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ " . قَالَ : " قُلْتُ : لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي [ عَزَّ وَجَلَّ ] حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ ، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ . فَنَفَذْتُ ، فَنَادَانِي مُنَادٍ : قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي "
.
وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ، بِنَحْوِهِ .
" رِوَايَةُ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ :
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ أَبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ۝ قَالَ : " فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَّجَ [ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، فَأَفْرَغَهُ ] فِي صَدْرِي ، ثُمَّ أَطْبَقَهُ . ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ ، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ [ الدُّنْيَا ] قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ : افْتَحْ . قَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالَ : هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَعِي مُحَمَّدٌ . قَالَ : أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا وَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى . فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : لِجِبْرِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا آدَمُ . وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ . فَإِذَا نَظَرَ ، عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ ، عَنْ شِمَالِهِ بَكَى .
" ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازِنِهَا : افْتَحْ . فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ الْأَوَّلُ ، 18 فَفَتَحَ " . قَالَ أَنَسٌ : فَذُكِرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ ، وَإِدْرِيسَ ، وَمُوسَى ، وَعِيسَى ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ . قَالَ أَنَسٌ : فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيسَ قَالَ : " مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ . فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : هَذَا إِدْرِيسُ . ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : مُوسَى ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ . ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا إِبْرَاهِيمُ "
. قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ " . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى ، فَقَالَ : مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ قُلْتُ : فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً . قَالَ : فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، فَرَجَعْتُ [ فَوَضَعَ شَطْرَهَا ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، قُلْتُ : وَضَعَ شَطْرَهَا . فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ . فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا . فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ . فَرَاجَعْتُهُ ] فَقَالَ : هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ . فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ . قُلْتُ : قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي . ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ " .
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي " كِتَابِ الصَّلَاةِ " وَرَوَاهُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَفِي الْحَجِّ وَفِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ ، عَنْ يُونُسَ بِهِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي " كِتَابِ الْإِيمَانِ " مِنْهُ ، عَنْ حَرْمَلَةَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بِهِ نَحْوَهُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ : لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسَأَلْتُهُ . قَالَ : وَمَا كُنْتَ تَسْأَلُهُ ؟ قَالَ : كُنْتُ أَسْأَلُهُ : هَلْ رَأَى رَبَّهُ ؟ فَقَالَ : إِنِّي قَدْ سَأَلْتُهُ فَقَالَ : ۝ " إِنِّي قَدْ رَأَيْتُهُ نُورًا أَنَّى أَرَاهُ " .
هَكَذَا قَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، [ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : ۝ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : " نُورٌ أَنِّي أَرَاهُ " .
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ] قَالَ : ۝ قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ : لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسَأَلْتُهُ . فَقَالَ : عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ ؟ قَالَ : 19 كُنْتُ أَسْأَلُهُ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ : قَدْ سَأَلْتُ فَقَالَ : " رَأَيْتُ نُورًا " .
رِوَايَةُ أَنَسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسَيَّبِيِّ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُحَدِّثُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي ، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مَنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ . فَلَمَّا جَاءَ السَّمَاءَ [ فَافْتَتَحَ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالَ : هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَعِي مُحَمَّدٌ . قَالَ : أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَافْتَحْ . فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا ] إِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ ‌أَسْوِدَةٌ ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى قَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ " . قَالَ : " قُلْتُ لِجِبْرِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا آدَمُ وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ هُمْ أَهْلُ النَّارِ . فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى " قَالَ : " ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا : افْتَحْ . فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَفُتِحَ لَهُ " . قَالَ أَنَسٌ : فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ : آدَمَ ، وَإِدْرِيسَ ، وَمُوسَى ، وَعِيسَى ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِي كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ ؟ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ . قَالَ أَنَسٌ : فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيسَ قَالَ : " مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ " . قَالَ : " قُلْتُ : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا إِدْرِيسُ " ، قَالَ : " ثُمَّ مَرَرْتُ بِ مُوسَى ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ . فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا مُوسَى ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِ عِيسَى فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ . قَالَ : هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ " قَالَ : " ثُمَّ مَرَرْتُ بِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا إِبْرَاهِيمُ " . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ " قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً " قَالَ : " فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى مُوسَى ، فَقَالَ مُوسَى : مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ قُلْتُ : فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً . فَقَالَ لِي مُوسَى : رَاجِعْ رَبَّكَ ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ " قَالَ : " فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ : هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ " . قَالَ : " فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : رَاجِعْ رَبَّكَ . فَقُلْتُ قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي " قَالَ : " ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى . قَالَ : " فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ مَا أَدْرِي مَا هِيَ ؟ " قَالَ : " ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ " .
هَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ [ الْإِمَامِ ] أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ . وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ 20 السِّتَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، مِثْلَ هَذَا السِّيَاقِ سَوَاءٌ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
رِوَايَةُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ :
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو نُمَيْلَةَ ، أَخْبَرَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ جُنَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِهِ قَالَ : فَأَتَى جِبْرِيلُ الصَّخْرَةَ الَّتِي بِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَوَضَعَ إِصْبَعَهُ فِيهَا فَخَرَقَهَا فَشَدَّ بِهَا الْبُرَاقَ " .
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ جُنَادَةَ إِلَّا أَبُو نُمَيْلَةَ ، وَلَا نَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ [ يُرْوَى ] إِلَّا عَنْ بُرَيْدَةَ . وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ جَامِعِهِ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ بِهِ وَقَالَ : غَرِيبٌ .
رِوَايَةُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ " .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ۝ حِينَ انْتَهَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، لَقِيَ فِيهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ، وَإِنَّهُ أُتِيَ بِقَدَحَيْنِ : قَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ وَقَدَحِ خَمْرٍ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا ، ثُمَّ أَخَذَ قَدَحَ اللَّبَنِ . فَقَالَ جِبْرِيلُ : أَصَبْتَ ، هُدِيتَ لِلْفِطْرَةِ ، لَوِ اخْتَرْتَ الْخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ . ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ ، فَافْتُتِنَ نَاسٌ كَثِيرٌ كَانُوا قَدْ صَلَّوْا مَعَهُ .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : فَتَجَهَّزَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا : هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَوَ قَالَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَأَشْهَدُ لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ . قَالُوا : فَتُصَدِّقُهُ بِأَنْ يَأْتِيَ الشَّامَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنِّي أُصَدِّقُهُ بِأَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَبِهَا سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ : الصِّدِّيقَ . 21
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَسَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " ‌‌لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، قُمْتُ فِي الْحِجْرِ ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ " .
رِوَايَةُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : ثَنَا أَبُو النَّضْرِ ، ثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ ‌عَاصِمٍ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، قَالَ : أَتَيْتُ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَهُوَ يُحَدِّثُ ، عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَقُولُ : ۝ " فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ " . فَلَمْ يَدْخُلَاهُ . قَالَ : قُلْتُ : بَلْ دَخَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَتَئِذٍ وَصَلَّى فِيهِ . قَالَ : مَا اسْمُكَ يَا أَصْلَعُ ؟ فَإِنِّي أَعْرِفُ وَجْهَكَ وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ . قَالَ : فَمَا عِلْمُكَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِيهِ لَيْلَتَئِذٍ ؟ قَالَ : قُلْتُ : الْقُرْآنُ يُخْبِرُنِي بِذَلِكَ . قَالَ : مَنْ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فَلَجَ ، اقْرَأْ . قَالَ : فَقُلْتُ : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) قَالَ : يَا أَصْلَعُ ، هَلْ تَجِدُ " صَلَّى فِيهِ " ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : وَاللَّهِ مَا صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَتَئِذٍ ، وَلَوْ صَلَّى فِيهِ لَكُتِبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةٌ فِيهِ ، كَمَا كُتِبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةٌ فِي الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ، وَاللَّهِ مَا زَايَلَا الْبُرَاقَ حَتَّى فُتِحَتْ لَهُمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، فَرَأَيَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَوَعْدَ الْآخِرَةِ أَجْمَعَ ، ثُمَّ عَادَا عَوْدَهُمَا عَلَى بَدْئِهِمَا . قَالَ : ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ . قَالَ : وَتَحَدَّثُوا أَنَّهُ رَبَطَهُ ، لَا يَفِرُّ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا سَخَّرَهُ لَهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ . قُلْتُ : أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : أَيُّ دَابَّةٍ الْبُرَاقُ ؟ قَالَ : دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ هَكَذَا ، خَطْوُهُ مَدَّ الْبَصَرِ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، بِهِ . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي النَّجُودِ - بِهِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حُذَيْفَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَفْيٌ ، وَمَا أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَبْطِ الدَّابَّةِ بِالْحَلْقَةِ وَمِنَ الصَّلَاةِ بِ الْبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، مِمَّا سَبَقَ وَمَا سَيَأْتِي مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
رِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ - سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ :
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " :
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ رَاشِدٌ الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنَا عَنْ لَيْلَةٍ أُسْرِيَ بِكَ فِيهَا ، قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) 22 قَالَ : فَأَخْبَرَهُمْ فَقَالَ : ۝ " فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ عِشَاءً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، إِذْ أَتَانِي آتٍ فَأَيْقَظَنِي ، فَاسْتَيْقَظْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا ، وَإِذَا أَنَا بِكَهَيْئَةِ خَيَالٍ ، فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ فَإِذَا أَنَا بِدَابَّةٍ أَدْنَى فِي شَبَهِهِ بِدَوَابِّكُمْ هَذِهِ ، بِغَالِكُمْ هَذِهِ ، مُضْطَرِبِ الْأُذُنَيْنِ يُقَالُ لَهُ : الْبُرَاقُ . وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَرْكَبُهُ قَبْلِي ، يَقَعُ حَافِرُهُ عِنْدَ مَدِّ بَصَرِهِ ، فَرَكِبْتُهُ ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ عَلَيْهِ ، إِذْ دَعَانِي دَاعٍ ، عَنْ يَمِينِي : يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ ، فَلَمْ أُجِبْهُ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ ، [ فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ عَلَيْهِ ، إِذْ دَعَانِي دَاعٍ ، عَنْ يَسَارِي : يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ ، فَلَمْ أُجِبْهُ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ ] ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ ، إِذْ أَنَا بِامْرَأَةٍ حَاسِرَةٍ عَنْ ذِرَاعَيْهَا ، وَعَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ ، فَقَالَتْ : يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ . فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهَا وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهَا . حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَأَوْثَقْتُ دَابَّتِي بِالْحَلْقَةِ الَّتِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تُوثِقُهَا بِهَا . فَأَتَانِي جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ بِإِنَاءَيْنِ : أَحَدُهُمَا خَمْرٌ ، وَالْآخَرُ لَبَنٌ ، فَشَرِبْتُ اللَّبَنَ ، وَتَرَكْتُ الْخَمْرَ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ فَقُلْتُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ . فَقَالَ : جِبْرِيلُ : مَا رَأَيْتَ فِي وَجْهِكَ هَذَا ؟ " قَالَ : " فَقُلْتُ : بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ ، إِذْ دَعَانِي دَاعٍ ، عَنْ يَمِينِي : يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ . فَلَمْ أُجِبْهُ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ . قَالَ : ذَاكَ دَاعِي الْيَهُودِ ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَجَبْتَهُ - أَوْ : وَقَفْتَ عَلَيْهِ - لَتَهَوَّدَتْ أُمَّتُكَ " . قَالَ : : فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ ، إِذْ دَعَانِي دَاعٍ عَنْ يَسَارِي قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ . فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ . قَالَ : ذَاكَ دَاعِي النَّصَارَى ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَجَبْتَهُ لَتَنَصَّرَتْ أُمَّتُكَ " . قَالَ : " فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ حَاسِرَةٍ عَنْ ذِرَاعَيْهَا عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ تَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْنِي أَسْأَلْكَ . فَلَمْ أُجِبْهَا وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهَا " . قَالَ : تِلْكَ الدُّنْيَا ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَجَبْتَهَا أَوْ أَقَمْتَ عَلَيْهَا ، لَاخْتَارَتْ أُمَّتُكَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ " .
قَالَ : " ثُمَّ دَخَلْتُ أَنَا وَجِبْرِيلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا رَكْعَتَيْنِ .
ثُمَّ أُتِيتُ بِالْمِعْرَاجِ الَّذِي تَعْرُجُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ ، فَلَمْ يَرَ الْخَلَائِقُ أَحْسَنَ مِنَ الْمِعْرَاجِ ، أَمَا رَأَيْتَ الْمَيِّتَ حِينَ يَشُقُّ بَصَرَهُ طَامِحًا إِلَى السَّمَاءِ ، فَإِنَّمَا يَشُقُّ بَصَرَهُ طَامِحًا إِلَى السَّمَاءِ عَجَبُهُ بِالْمِعْرَاجِ " . قَالَ : " فَصَعِدْتُ أَنَا وَجِبْرِيلُ ، فَإِذَا أَنَا بِمَلَكٍ يُقَالُ : لَهُ : إِسْمَاعِيلُ . وَهُوَ صَاحِبُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ يَدَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، مَعَ كُلِّ مَلَكٍ جُنْدُهُ مِائَةُ أَلْفِ مَلَكٍ " . قَالَ : " وَقَالَ : اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) [ الْمُدَّثِّرِ : 31 ] فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ بَابَ السَّمَاءِ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : أَوَ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَإِذَا أَنَا بِ آدَمَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَهُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ عَلَى صُورَتِهِ ، هُوَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَيَقُولُ : رُوحٌ طَيِّبَةٌ ، وَنَفْسٌ طَيِّبَةٌ ، اجْعَلُوهَا فِي عِلِّيِّينَ ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ الْفُجَّارِ فَيَقُولُ : رُوحٌ خَبِيثَةٌ ، وَنَفْسٌ خَبِيثَةٌ ، اجْعَلُوهَا فِي سِجِّينٍ . 23
ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً ، فَإِذَا أَنَا بِأَخْوِنَةٍ عَلَيْهَا لَحْمٌ مُشَرَّحٌ لَيْسَ يَقْرَبُهَا أَحَدٌ ، وَإِذَا أَنَا بِأَخْوِنَةٍ أُخْرَى عَلَيْهَا لَحْمٌ قَدْ أَرْوَحَ وَأَنْتَنَ ، عِنْدَهَا أُنَاسٌ يَأْكُلُونَ مِنْهَا ، قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ مِنْ أَمَّتِكَ يَتْرُكُونَ الْحَلَالَ وَيَأْتُونَ الْحَرَامَ . "
قَالَ : " ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً ، فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ بُطُونُهُمْ أَمْثَالُ الْبُيُوتِ ، كُلَّمَا نَهَضَ أَحَدُهُمْ خَرَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ ، لَا تُقِمِ السَّاعَةَ " ، قَالَ : " وَهُمْ عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ " . قَالَ : " فَتَجِيءُ السَّابِلَةُ فَتَطَؤُهُمْ " . قَالَ : " فَسَمِعْتُهُمْ يَضِجُّونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " . قَالَ : " قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) [ الْبَقَرَةِ : 275 ] .
قَالَ : " ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً ، فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ مَشَافِرُهُمْ كَمَشَافِرَ الْإِبِلِ " . قَالَ : " فَتُفْتَحُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَيُلْقَمُونَ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْرِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ . فَسَمِعْتُهُمْ يَضِجُّونَ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقُلْتُ : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) [ النِّسَاءِ : 10 ] .
قَالَ : " ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً ، فَإِذَا أَنَا بِنِسَاءٍ يُعَلَّقْنَ بِثَدْيِهِنَّ فَسَمِعَتْهُنَّ يَضْجِجْنَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ النِّسَاءُ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الزُّنَاةُ مِنْ أُمَّتِكَ " .
قَالَ : " ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ يُقْطَعُ مِنْ جُنُوبِهِمُ اللَّحْمُ ، فَيُلْقِمُونَهُ ، فَيُقَالُ لَهُ : كُلْ كَمَا كُنْتَ تَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ أَخِيكَ . قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْهَمَّازُونَ مِنْ أُمَّتِكَ اللَّمَّازُونَ " .
قَالَ : " ثُمَّ صَعِدْنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ، فَإِذَا أَنَا بَرَجُلٍ أَحْسَنِ مَا خَلَقَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ فَضَلَ النَّاسَ فِي الْحُسْنِ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ وَمَعَهُ نَفَرٌ مَنْ قَوْمِهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ .
ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَإِذَا أَنَا بِ يَحْيَى وَعِيسَى ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، وَمَعَهُمَا نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِمَا ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَا عَلَيَّ .
ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، فَإِذَا أَنَا بِ إِدْرِيسَ قَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ " .
قَالَ : " ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، فَإِذَا [ أَنَا ] بِ هَارُونَ وَنِصْفُ لِحْيَتِهِ بَيْضَاءُ وَنِصْفُهَا سَوْدَاءُ ، تَكَادُ لِحْيَتُهُ تُصِيبُ سُرَّتَهُ مِنْ طُولِهَا ، قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا الْمُحَبَّبُ فِي قَوْمِهِ ، هَذَا هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مَنْ قَوْمِهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ .
ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ، رَجُلٌ آدَمُ كَثِيرُ الشَّعْرِ ، لَوْ كَانَ 24 عَلَيْهِ قَمِيصَانِ لَنَفَذَ شَعْرُهُ دُونَ الْقَمِيصِ ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ : يَزْعُمُ النَّاسُ أَنِّي أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا ، بَلْ هَذَا أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنِّي " . قَالَ : " قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ .
ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَإِذَا أَنَا بِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ سَانِدٍ ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ كَأَحْسَنِ الرِّجَالِ ، قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا أَبُوكَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ، وَإِذَا [ أَنَا ] بِأُمَّتِي شَطْرَيْنِ : شَطْرٌ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ كَأَنَّهَا الْقَرَاطِيسُ . وَشَطْرٌ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ رُمْدٌ " . قَالَ : " فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ وَدَخَلَ مَعِي الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الثِّيَابُ الْبِيضُ ، وَحُجِبَ الْآخَرُونَ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ رُمْدٌ ، وَهُمْ عَلَى خَيْرٍ . فَصَلَّيْتُ أَنَا وَمَنْ مَعِي فِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، ثُمَّ خَرَجْتُ أَنَا وَمَنْ مَعِي " . قَالَ : " وَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلَّى فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، لَا يَعُودُونَ فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " .
قَالَ : " ثُمَّ دُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى ، فَإِذَا كَلُّ وَرَقَةٍ مِنْهَا تَكَادُ أَنْ تُغَطِّيَ هَذِهِ الْأُمَّةَ ، وَإِذَا فِيهَا عَيْنٌ تَجْرِي يُقَالُ لَهَا : سَلْسَبِيلٌ ، فَيَنْشَقُّ مِنْهَا نَهْرَانِ ، أَحَدُهُمَا : الْكَوْثَرُ ، وَالْآخَرُ : يُقَالُ لَهُ : نَهْرُ الرَّحْمَةِ . فَاغْتَسَلْتُ فِيهِ ، فَغُفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ .
ثُمَّ إِنِّي دُفِعْتُ إِلَيَّ الْجَنَّةِ ، فَاسْتَقْبَلَتْنِي جَارِيَةٌ ، فَقُلْتُ : لِمَنْ أَنْتِ يَا جَارِيَةُ ؟ فَقَالَتْ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَإِذَا [ أَنَا ] بِأَنْهَارٍ مِنْ [ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ، وَأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ، وَأَنْهَارٍ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٍ مِنْ ] عَسَلٍ مُصَفًّى ، وَإِذَا رُمَّانُهَا كَأَنَّهُ الدِّلَاءُ عِظَمًا ، وَإِذَا أَنَا بِطَيْرِهَا كَأَنَّهَا بُخْتِيُّكُمْ هَذِهِ " . فَقَالَ عِنْدَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعَدَّ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ " .
قَالَ : " ثُمَّ عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ ، فَإِذَا فِيهَا غَضَبُ اللَّهِ وَزَجْرُهُ وَنِقْمَتُهُ ، لَوْ طُرِحَ فِيهَا الْحِجَارَةُ وَالْحَدِيدُ لَأَكَلَتْهَا ، ثُمَّ أُغْلِقَتْ دُونِي .
ثُمَّ إِنِّي دُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، فَتَغَشَّانِي فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَابُ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى " . قَالَ : " وَنَزَلَ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ " . قَالَ : " وَفُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ وَقَالَ : لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرٌ ، إِذَا هَمَمْتَ بِالْحَسَنَةِ فَلَمْ تَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَكَ حَسَنَةً ، فَإِذَا عَمِلَتْهَا كُتِبَتْ لَكَ عَشْرًا ، وَإِذَا هَمَمْتَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ تَعْمَلْهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكَ شَيْءٌ ، فَإِنْ عَمِلْتَهَا كُتِبَتْ عَلَيْكَ سَيِّئَةً وَاحِدَةً .
ثُمَّ دُفِعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَا أَمَرَكَ رَبُّكَ ؟ قُلْتُ : بِخَمْسِينَ صَلَاةً . قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ ، وَمَتَى لَا [ تُطِيقُهُ ] تَكْفُرُ فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَقُلْتُ : يَا رَبِّ ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي ، فَإِنَّهَا أَضْعَفُ الْأُمَمِ . فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا ، وَجَعَلَهَا 25 أَرْبَعِينَ . فَمَا زِلْتُ أَخْتَلِفُ بَيْنَ مُوسَى وَرَبِّي كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَيْهِ قَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ ، حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِي : بِمَ أُمِرْتَ ؟ فَقُلْتُ : أُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ . قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ . فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي [ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ] فَقُلْتُ : أَيْ رَبِّ ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي ، فَإِنَّهَا أَضْعَفُ الْأُمَمِ . فَوَضَعَ عَنِّي خَمْسًا ، وَجَعَلَهَا خَمْسًا . فَنَادَانِي مَلَكٌ عِنْدَهَا : تَمَّمْتُ فَرِيضَتِي ، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي ، وَأَعْطَيْتُهُمْ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا .
ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتَ ؟ فَقُلْتُ : بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ . قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّهُ لَا يَئُودُهُ شَيْءٌ ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ " . " فَقُلْتُ : رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُهُ " ثُمَّ أَصْبَحَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِالْأَعَاجِيبِ : " إِنِّي أَتَيْتُ الْبَارِحَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَعُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ ، وَرَأَيْتُ كَذَا وَكَذَا " . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ - يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ - : أَلَا تَعْجَبُونَ مِمَّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَتَى الْبَارِحَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، ثُمَّ أَصْبَحَ فِينَا . وَأَحَدُنَا يَضْرِبُ مَطِيَّتَهُ مُصْعَدَةً شَهْرًا ، وَمُقْفَلَةً شَهْرًا ، فَهَذَا مَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ! قَالَ : فَأَخْبَرَهُمْ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ : " لَمَّا كُنْتُ فِي مَصْعَدِي رَأَيْتُهَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا ، وَأَنَّهَا نَفَرَتْ ، فَلَمَّا رَجَعْتُ رَأَيْتُهَا عِنْدَ الْعَقَبَةِ " . وَأَخْبَرَهُمْ بِكُلِّ رَجُلٍ وَبَعِيرِهِ كَذَا وَكَذَا ، وَمَتَاعِهِ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : يُخْبِرُنَا بِأَشْيَاءَ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَكَيْفَ بِنَاؤُهُ ؟ وَكَيْفَ هَيْئَتُهُ ؟ وَكَيْفَ قُرْبُهُ مِنَ الْجَبَلِ ؟ [ فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ صَادِقًا فَسَأُخْبِرُكُمْ ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَسَأُخْبِرُكُمْ . فَجَاءَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ بِنَاؤُهُ ؟ وَكَيْفَ هَيْئَتُهُ ؟ وَكَيْفَ قُرْبُهُ مِنَ الْجَبَلِ ] . قَالَ : فَرُفِعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنْ مَقْعَدِهِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ كَنَظَرِ أَحَدِنَا إِلَى بَيْتِهِ : بِنَاؤُهُ كَذَا وَكَذَا ، وَهَيْئَتُهُ كَذَا وَكَذَا ، وَقُرْبُهُ مِنَ الْجَبَلِ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ الْآخَرُ : صَدَقْتَ . فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : صَدَقَ مُحَمَّدٌ فِيمَا قَالَ أَوْ نَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ
.
وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ بِطُولِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ ، وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ بِهِ . وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي هَارُونَ بِهِ نَحْوَ سِيَاقِهِ الْمُتَقَدِّمِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَذَكَرَهُ بِسِيَاقٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ أَنِيقٍ ، أَجْوَدَ مِمَّا سَاقَهُ غَيْرُهُ ، عَلَى غَرَابَتِهِ وَمَا فِيهِ مِنَ النَّكَارَةِ .
26 ثُمَّ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، أَيْضًا ، مِنْ رِوَايَةِ نُوحِ بْنِ قَيْسٍ الْحُدَّانِيِّ وَهُشَيْمٍ وَمَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ - وَاسْمُهُ عُمَارَةُ بْنُ جُوَيْنٍ وَهُوَ مُضَعَّفٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ .
وَإِنَّمَا سُقْنَا حَدِيثَهُ هَاهُنَا ؛ لِمَا فِي حَدِيثِهِ مِنَ الشَّوَاهِدِ لِغَيْرِهِ ؛ وَلِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ :
أَخْبَرَنَا [ الْإِمَامُ ] أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ بِلَالٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ : رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِكَ يُقَالُ لَهُ : " سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ " لَا بَأْسَ بِهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا بَأْسَ بِهِ " ، حَدَّثَنَا عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْكَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِكَ ، قُلْتَ " رَأَيْتَ فِي السَّمَاءِ " فَحَدَّثَهُ بِالْحَدِيثِ ؟ فَقَالَ لِي : " نَعَمْ " . فَقُلْتُ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ نَاسًا مَنْ أُمَّتِكَ يُحَدِّثُونَ عَنْكَ فِي السُّرَى بِعَجَائِبَ ؟ فَقَالَ لِي : " ذَلِكَ حَدِيثُ الْقُصَّاصِ " .
رِوَايَةُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ :
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ الضَّحَّاكِ الزُّبَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ الْأَشْعَرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَامِرٍ الزُّبَيْدِيِّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ : حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ قَالَ : ۝ قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أُسْرِيَ بِكَ ؟ قَالَ : " صَلَّيْتُ لِأَصْحَابِي صَلَاةَ الْعَتَمَةِ بِمَكَّةَ مُعْتِمًا " . قَالَ : " فَأَتَانِي جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ - أَوْ قَالَ : بَيْضَاءَ - فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ ، فَقَالَ : ارْكَبْ . فَاسْتُصْعِبَتْ عَلَيَّ ، فَرَازَهَا بِأُذُنِهَا ، ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهَا . فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا ، حَتَّى بَلَغْنَا أَرْضًا ذَاتَ نَخْلٍ فَأَنْزَلَنِي فَقَالَ : صَلِّ . فَصَلَّيْتُ ، ثُمَّ رَكِبْنَا فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ : صَلَّيْتَ بِيَثْرِبَ صَلَّيْتَ بِطِيبَةَ . فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا . ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا فَقَالَ : انْزِلْ . [ فَنَزَلْتُ ] ثُمَّ قَالَ : صَلِّ . فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَكِبْنَا ، فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ : صَلَّيْتَ بِمَدْيَنَ ، صَلَّيْتَ عِنْدَ شَجَرَةِ مُوسَى . ثُمَّ انْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا ، ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا ، بَدَتْ لَنَا قُصُورٌ ، فَقَالَ : انْزِلْ . فَنَزَلْتُ ، فَقَالَ صَلِّ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَكِبْنَا فَقَالَ : أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ : صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ مِنْ بَابِهَا الْيَمَانِي ، فَأَتَى قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ ، فَرَبَطَ فِيهِ دَابَّتَهُ وَدَخْلَنَا الْمَسْجِدَ مِنْ بَابٍ فِيهِ تَمِيلُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ، فَصَلَّيْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ، وَأَخَذَنِي مِنَ الْعَطَشِ أَشَدُّ مَا أَخَذَنِي ، فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ ، فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ 27 عَسَلٌ ، أُرْسِلَ إِلَيَّ بِهِمَا جَمِيعًا ، فَعَدَلْتُ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ هَدَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُ حَتَّى قَرَعْتُ بِهِ جَبِينِي ، وَبَيْنَ يَدَيَّ شَيْخٌ مُتَّكِئٌ عَلَى مَثْوَاةٍ لَهُ ، فَقَالَ : أَخَذَ صَاحِبُكَ الْفِطْرَةَ ، إِنَّهُ لَيُهْدَى . ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَيْنَا الْوَادِيَ الَّذِي فِيهِ الْمَدِينَةُ ، فَإِذَا جَهَنَّمُ [ تَنْكَشِفُ ] عَنْ مِثْلِ الزَّرَابِيِّ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ وَجَدْتَهَا ؟ قَالَ : مِثْلَ الْحُمَةِ السُّخْنَةِ . ثُمَّ انْصَرَفَ بِي فَمَرَرْنَا بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا ، قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ ، قَدْ جَمَعَهُ فُلَانٌ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا صَوْتُ مُحَمَّدٍ . ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ الصُّبْحِ بِمَكَّةَ " ، فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ كُنْتَ اللَّيْلَةَ ؟ فَقَدِ الْتَمَسْتُكَ فِي مَظَانِّكَ . فَقَالَ : " عَلِمْتُ أَنِّي أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ اللَّيْلَةَ ؟ " . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ ، فَصِفْهُ لِي . قَالَ : " فَفُتِحَ لِي صِرَاطٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُ عَنْهُ " . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ . فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : انْظُرُوا إِلَى ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ اللَّيْلَةَ! . قَالَ : فَقَالَ : " إِنَّ مِنْ آيَةِ مَا أَقُولُ لَكُمْ أَنِّي مَرَرْتُ بِعِيرٍ لَكُمْ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا ، قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ ، فَجَمَعَهُ فُلَانٌ ، وَإِنَّ مَسِيرَهُمْ يَنْزِلُونَ بِكَذَا ثُمَّ بِكَذَا ، وَيَأْتُونَكُمْ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ، يَقْدُمُهُمْ جَمَلٌ آدَمُ ، عَلَيْهِ مَسْحٌ أَسْوَدُ وَغِرَارَتَانِ سَوْدَاوَانِ " . فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَشْرَفَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ حَتَّى كَانَ قَرِيبَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ حَتَّى أَقْبَلَتِ الْعِيرُ يَقْدُمُهُمْ ذَلِكَ الْجَمَلُ الَّذِي وَصَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
هَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيِّ بِهِ . ثُمَّ قَالَ بَعْدَ تَمَامِهِ : " هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَى ذَلِكَ مُفَرَّقًا فِي أَحَادِيثَ غَيْرِهِ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا حَضَرَنَا " . ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فِي الْإِسْرَاءِ كَالشَّاهِدِ لِهَذَا الْحَدِيثِ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ بِطُولِهِ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ الزُّبَيْدِيِّ بِهِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ - أَعْنِي الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - مُشْتَمِلٌ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُنْكَرٌ ، كَالصَّلَاةِ فِي بَيْتِ لَحْمٍ ، وَسُؤَالِ الصِّدِّيقِ عَنْ نَعْتِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ ۝ قَالَ : لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، فَسَمِعَ فِي جَانِبِهَا وَجْسًا فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ ، مَا هَذَا ؟ " قَالَ : " هَذَا بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ " . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَاءَ إِلَى النَّاسِ : " قَدْ أَفْلَحَ بِلَالٌ ، قَدْ رَأَيْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا " . قَالَ : فَلَقِيَهُ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَرَحَّبَ بِهِ ، وَقَالَ : " مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ " ، قَالَ : " وَهُوَ رَجُلٌ آدَمُ طَوِيلٌ ، سَبْطٌ شَعْرُهُ مَعَ أُذُنَيْهِ أَوْ فَوْقَهُمَا " ، فَقَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : " هَذَا مُوسَى . [ قَالَ : فَمَضَى ، فَلَقِيَهُ عِيسَى فَرَحَّبَ بِهِ ، وَقَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : " هَذَا عِيسَى " . قَالَ ] فَمَضَى فَلَقِيَهُ شَيْخٌ جَلِيلٌ مُتَهَيِّبٌ فَرَحَّبَ بِهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَكُلُّهُمْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، قَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : " هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ " ، قَالَ : وَنَظَرَ فِي النَّارِ ، فَإِذَا قَوْمٌ يَأْكُلُونَ الْجِيَفَ ، قَالَ : " مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : " هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لَحْمَ النَّاسِ " ، وَرَأَى رَجُلًا أَحْمَرَ أَزْرَقَ جِدًّا ، قَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " 28 قَالَ : " هَذَا عَاقِرُ النَّاقَةِ " ، قَالَ : فَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي ، [ فَالْتَفَتَ ثُمَّ الْتَفَتَ ] فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ . فَلَمَّا انْصَرَفَ جِيءَ بِقَدَحَيْنِ ، أَحَدِهِمَا عَنِ الْيَمِينِ وَالْآخَرِ عَنِ الشِّمَالِ ، فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ عَسَلٌ ، فَأَخَذَ اللَّبَنَ فَشَرِبَ مِنْهُ ، فَقَالَ الَّذِي كَانَ مَعَهُ الْقَدَحُ : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ . إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ .
طَرِيقٌ أُخْرَى :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنٌ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ أَبُو زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ۝ قَالَ : أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَحَدَّثَهُمْ بِمَسِيرِهِ وَبِعَلَامَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبَعِيرِهِمْ ، فَقَالَ نَاسٌ : نَحْنُ لَا نُصَدِّقُ مُحَمَّدًا بِمَا يَقُولُ! فَارْتَدُّوا كُفَّارًا ، فَضَرَبَ اللَّهُ رِقَابَهُمْ مَعَ أَبِي جَهْلٍ وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ يُخَوِّفُنَا مُحَمَّدٌ بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ ، هَاتُوا تَمْرًا وَزُبْدًا فَتَزَقَّمُوا ، وَرَأَى الدَّجَّالَ فِي صُورَتِهِ رُؤْيَا عَيْنٍ لَيْسَ بِرُؤْيَا مَنَامٍ ، وَعِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ . فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدَّجَّالِ فَقَالَ : " رَأَيْتُهُ فَيْلَمَانِيًّا أَقْمَرَ هِجَانًا ، إِحْدَى عَيْنَيْهِ قَائِمَةٌ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ، كَأَنَّ شَعْرَ رَأْسِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةٍ . وَرَأَيْتُ عِيسَى أَبْيَضَ ، جَعْدَ الرَّأْسِ ، حَدِيدَ الْبَصَرِ ، مُبَطَّنَ الْخَلْقِ . وَرَأَيْتُ مُوسَى أَسْحَمَ آدَمَ ، كَثِيرَ الشَّعْرِ ، شَدِيدَ الْخَلْقِ . وَنَظَرْتُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ أَنْظُرْ إِلَى إِرْبٍ مِنْهُ إِلَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ مِنِّي ، حَتَّى كَأَنَّهُ صَاحِبُكُمْ . قَالَ جِبْرِيلُ : سَلِّمْ عَلَى مَالِكٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ " .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زَيْدٍ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ هِلَالٍ - وَهُوَ ابْنُ خَبَّابٍ - بِهِ ، وَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ .
طَرِيقٌ أُخْرَى :
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ ، أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ، رَجُلًا طُوَالًا جَعْدًا ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الْخَلْقِ ، إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ ، سَبْطَ الرَّأْسِ " . وَأَرَى مَالِكًا خَازِنَ جَهَنَّمَ وَالدَّجَّالَ ، فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ ، قَالَ : ( فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ) [ السَّجْدَةِ : 23 ] فَكَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرُهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] قَدْ لَقِيَ مُوسَى [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ( وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ) قَالَ : جَعَلَ اللَّهُ مُوسَى هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ شَيْبَانَ . وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ مُخْتَصَرًا . 29
طَرِيقٌ أُخْرَى :
قَالَ [ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ ، حَدَّثَنَا دُبَيْسُ الْمُعَدَّلُ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ : حَدَّثَنَا ] حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَمَّا أُسْرِيَ بِي ، مَرَّتْ بِي رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ ، فَقُلْتُ : مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ ؟ قَالُوا : مَاشِطَةُ بِنْتُ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادُهَا ، سَقَطَ مُشْطُهَا مِنْ يَدِهَا فَقَالَتْ : بِاسْمِ اللَّهِ : فَقَالَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ : أَبِي ؟ قَالَتْ : رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ . قَالَتْ : أَوَلَكِ رَبٌّ غَيْرُ أَبِي ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ " . قَالَ : " فَدَعَاهَا فَقَالَ : أَلَكِ رَبٌّ غَيْرِي ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ " . قَالَ : " فَأَمَرَ بِنَقْرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا لِتُلْقَى فِيهَا ، قَالَتْ : إِنَّ لِي [ إِلَيْكَ ] حَاجَةً . قَالَ : مَا هِيَ ؟ قَالَتْ : تَجْمَعُ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي مَوْضِعٍ ، قَالَ ذَاكَ لَكِ ، لِمَا لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الْحَقِّ " ، قَالَ : " فَأَمَرَ بِهِمْ فَأُلْقُوا وَاحِدًا وَاحِدًا ، حَتَّى بَلَغَ رَضِيعًا فِيهِمْ ، فَقَالَ : يَا أُمَّهْ ، قِعِي وَلَا تَقَاعَسِي ، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ " . قَالَ : " وَتَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ : هَذَا ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ " .
إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ .
طَرِيقٌ أُخْرَى :
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [ أَيْضًا ] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَرَوْحٌ - الْمَعْنِيُّ - قَالَا : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِي وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ ، فَظِعْتُ [ بِأَمْرِي ] وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِي " فَقَعَدَ مُعْتَزِلًا حَزِينًا ، فَمَرَّ بِهِ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ : هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ " إِنِّي أُسْرِيَ بِيَ اللَّيْلَةَ " : قَالَ إِلَى أَيْنَ ؟ قَالَ : " إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ " قَالَ : ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا ؟ ! قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : فَلَمْ يُرِهِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِنْ دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ أَتُحَدِّثُهُمْ بِمَا حَدَّثْتَنِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " . قَالَ : هَيَّا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ، قَالَ : فَانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ وَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا . قَالَ : حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي أُسْرِيَ بِيَ اللَّيْلَةَ " . فَقَالُوا : إِلَى أَيْنَ ؟ قَالَ : " إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ " قَالُوا : ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُتَعَجِّبًا لِلْكَذِبِ - زَعَمَ - قَالُوا : وَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ [ لَنَا ] الْمَسْجِدَ - وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ " قَالَ : " فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ، حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عَقِيلٍ - أَوْ عِقَالٍ - فَنَعَتُّهُ 30 وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ " . قَالَ : وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ - يَقُولُ عَوْفٌ - : قَالَ : فَقَالَ الْقَوْمُ : أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ .
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيْلَةَ - وَهُوَ الْأَعْرَابِيُّ ، بِهِ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وَهَوْذَةَ ، عَنْ عَوْفٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ بِهِ .
رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا السُّرِّيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَانْتَهَى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُصْعَدُ بِهِ حَتَّى يُقْبَضَ مِنْهَا ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ [ بِهِ ] مِنْ فَوْقِهَا حَتَّى يُقْبَضَ [ مِنْهَا ] ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ) [ النَّجْمِ : 16 ] قَالَ : غَشِيَهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ ، وَأُعْطِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ الْمُقْحِمَاتُ ، يَعْنِي الْكَبَائِرَ .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ بِهِ . ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : " وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ رَوَاهُ مُرَّةُ مُرْسَلًا دُونَ ذِكْرِهِمَا " ثُمَّ إِنَّ الْبَيْهَقِيَّ سَاقَ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ كَمَا تَقَدَّمَ .
قُلْتُ : وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا ، وَفِيهِ غَرَابَةٌ ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ " الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ " فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ . حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ قَنَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّهْمِيِّ ، حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ الْجَنْبِيُّ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - وَ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَهُمَا جَالِسَانِ ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ لِأَبِي عُبَيْدَةَ : حَدِّثْنَا عَنْ أَبِيكَ لَيْلَةَ ‌أُسْرِيَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : لَا بَلْ حَدِّثْنَا أَنْتَ عَنْ أَبِيكَ . فَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَوْ سَأَلْتَنِي قَبْلَ أَنْ أَسْأَلَكَ لَفَعَلْتُ! قَالَ : فَأَنْشَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ - يَعْنِي عَنْ أَبِيهِ كَمَا سُئِلَ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " أَتَانِي جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهِ ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَهْوِي بِنَا كُلَّمَا صَعِدَ عَقَبَةً اسْتَوَتْ رِجْلَاهُ كَذَلِكَ مَعَ يَدَيْهِ ، وَإِذَا هَبَطَ اسْتَوَتْ يَدَاهُ مَعَ رِجْلَيْهِ ، حَتَّى مَرَرْنَا بِرَجُلٍ طُوَالٍ سَبْطٍ آدَمَ ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ أَزِدْ شَنُوءَةَ ، وَهُوَ يَقُولُ - فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ يَقُولُ - أَكْرَمْتَهُ وَفَضَّلْتَهُ " . قَالَ : " فَدُفِعْنَا إِلَيْهِ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا أَحْمَدُ ، قَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الْعَرَبِيِّ ، الَّذِي بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ ، وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ " . قَالَ : " ثُمَّ انْدَفَعْنَا فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ " . قَالَ : 31 قُلْتُ : وَمَنْ يُعَاتِبُ ؟ قَالَ : يُعَاتِبُ رَبَّهُ فِيكَ! قُلْتُ : فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَى رَبِّهِ ؟ ! قَالَ : إِنَّ اللَّهَ [ عَزَّ وَجَلَّ ] قَدْ عَرَفَ لَهُ حِدَّتَهُ " . قَالَ : " ثُمَّ انْدَفَعْنَا حَتَّى مَرَرْنَا بِشَجَرَةٍ كَأَنَّ ثَمَرَهَا السُّرُجُ تَحْتَهَا شَيْخٌ وَعِيَالُهُ " . قَالَ : " فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ : اعْمَدْ إِلَى أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ . فَدُفِعْنَا إِلَيْهِ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : مَنْ هَذَا مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا ابْنُكَ أَحْمَدُ " . قَالَ : " فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ ، يَا بُنَيَّ ، إِنَّكَ لَاقٍ رَبَّكَ اللَّيْلَةَ ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَضْعَفُهَا ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ حَاجَتُكَ أَوْ جُلُّهَا فِي أُمَّتِكَ فَافْعَلْ " . قَالَ : " ثُمَّ انْدَفَعْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، فَنَزَلْتُ فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي فِي بَابِ الْمَسْجِدِ الَّتِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَرْبِطُ بِهَا . ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَعَرَفْتُ النَّبِيِّينَ مِنْ بَيْنِ رَاكِعٍ وَقَائِمٍ وَسَاجِدٍ " . قَالَ : " ثُمَّ أُتِيتُ بِكَأْسَيْنِ مِنْ عَسَلٍ وَلَبَنٍ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُ فَضَرَبَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْكَبِي وَقَالَ : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ " . قَالَ : " ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا فَأَقْبَلْنَا " .
إِسْنَادٌ غَرِيبٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ ، فِيهِ مِنَ الْغَرَائِبِ سُؤَالُ الْأَنْبِيَاءِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْتِدَاءً ، ثُمَّ سُؤَالُهُ عَنْهُمْ بَعْدَ انْصِرَافِهِ . وَالْمَشْهُورُ فِي الصِّحَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ : أَنَّ جِبْرِيلَ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] كَانَ يُعْلِمُهُ بِهِمْ أَوَّلًا لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ سَلَامَ مَعْرِفَةٍ . وَفِيهِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ قَبْلَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنَّمَا اجْتَمَعَ بِهِمْ فِي السَّمَوَاتِ ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَانِيًا وَهُمْ مَعَهُ ، وَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ ، ثُمَّ إِنَّهُ رَكِبَ الْبُرَاقَ وَكَرَّ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
طَرِيقٌ أُخْرَى :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ ، عَنْ مُوثِرِ بْنِ عَفَازَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " لَقِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ، فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ السَّاعَةِ " قَالَ : " فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : لَا عِلْمَ لِي بِهَا . فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى مُوسَى . فَقَالَ : لَا عِلْمَ لِي بِهَا فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى عِيسَى فَقَالَ : أَمَّا وَجْبَتُهَا فَلَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي أَنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ " . قَالَ : " وَمَعِي قَضِيبَانِ ، فَإِذَا رَآنِي ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ " . قَالَ : " فَيُهْلِكُهُ اللَّهُ إِذَا رَآنِي ، حَتَّى إِنَّ الْحَجَرَ وَالشَّجَرَ يَقُولُ : يَا مُسْلِمُ إِنَّ تَحْتِي كَافِرًا ، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ " . قَالَ : " فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ " . قَالَ : " فَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَطَئُونَ بِلَادَهُمْ ، فَلَا يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَهْلَكُوهُ ، وَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَاءٍ إِلَّا شَرِبُوهُ " قَالَ : " ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَيَّ فَيَشْكُونَهُمْ . فَأَدْعُو اللَّهَ عَلَيْهِمْ ، فَيُهْلِكُهُمْ وَيُمِيتُهُمْ حَتَّى تَجْوَى الْأَرْضُ مِنْ نَتَنِ رِيحِهِمْ - أَيْ : تَنْتَنُ - " قَالَ : " فَيُنْزِلُ اللَّهُ الْمَطَرَ فَيَجْتَرِفُ أَجْسَادَهُمْ حَتَّى يَقْذِفَهُمْ فِي الْبَحْرِ . فَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي : أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنَّ السَّاعَةَ كَالْحَامِلِ الْمُتِمِّ ، لَا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتَّى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلَادِهَا ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا " .
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ .
32 رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ ، أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ الثُّمَالِيِّ :
قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : حَدَّثَنَا مِسْكِينُ بْنُ مَيْمُونٍ - مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ الرَّمْلَةِ - حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى كَانَ بَيْنَ زَمْزَمَ وَ الْمَقَامِ ، جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ ، فَطَارَا بِهِ حَتَّى بَلَغَ السَّمَوَاتِ الْعُلَى ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ : " سَمِعْتُ تَسْبِيحًا فِي السَّمَوَاتِ الْعُلَى مَعَ تَسْبِيحٍ كَثِيرٍ ، سَبَّحَتِ السَّمَوَاتُ الْعُلَى مِنْ ذِي الْمَهَابَةِ مُشْفِقَاتٍ مِنْ ذِي الْعُلُوِّ بِمَا عَلَا - سُبْحَانَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى " .
وَيُذْكَرُ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ : ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ ) الْآيَةَ [ الْإِسْرَاءِ : 44 ] .
رِوَايَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ آدَمَ وَأَبِي مَرْيَمَ وَأَبِي شُعَيْبٍ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ بِالْجَابِيَةِ ، فَذَكَرَ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ : قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَحَدَّثَنِي أَبُو سِنَانٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ آدَمَ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِكَعْبٍ : أَيْنَ تَرَى أَنْ أُصَلِّيَ ؟ قَالَ : إِنْ أَخَذْتَ عَنِّي صَلَّيْتَ خَلْفَ الصَّخْرَةِ ، فَكَانَتِ الْقُدْسُ كُلُّهَا بَيْنَ يَدَيْكَ ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ضَاهَيْتَ الْيَهُودِيَّةَ ، [ لَا ] وَلَكِنْ أُصْلِي حَيْثُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَقَدَّمَ إِلَى الْقِبْلَةِ ، فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَبَسَطَ رِدَاءَهُ وَكَنَسَ الْكُنَاسَةَ فِي رِدَائِهِ ، وَكَنَسَ النَّاسُ .
فَلَمْ يُعَظِّمِ الصَّخْرَةَ تَعْظِيمًا يُصَلِّي وَرَاءَهَا وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ - كَمَا أَشَارَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَهَا حَتَّى جَعَلُوهَا قِبْلَتَهُمْ - وَلَكِنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ ، فَهُدِيَ إِلَى الْحَقِّ ؛ وَلِهَذَا لَمَّا أَشَارَ بِذَلِكَ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : ضَاهَيْتَ الْيَهُودِيَّةَ ، وَلَا أَهَانَهَا إِهَانَةَ النَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا قَدْ جَعَلُوهَا مَزْبَلَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا قِبْلَةُ الْيَهُودِ ، وَلَكِنْ أَمَاطَ الْأَذَى ، وَكَنَسَ عَنْهَا الْكُنَاسَ بِرِدَائِهِ . وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا " .
رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
وَهِيَ مُطَوَّلَةٌ جِدًّا وَفِيهَا غَرَابَةٌ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ " سُورَةِ سُبْحَانَ " : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ غَيْرِهِ - شَكَّ أَبُو جَعْفَرٍ - فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) قَالَ : ۝ جَاءَ جِبْرِيلُ [ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ مِيكَائِيلُ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ ] لِمِيَكَائِيلَ : ائْتِنِي بِطَسْتٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، كَيْمَا أُطَهِّرَ قَلْبَهُ وَأَشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ . قَالَ : فَشَقَّ عَنْهُ بَطْنَهُ ، فَغَسَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . وَاخْتَلَفَ إِلَيْهِ 33 مِيكَائِيلُ بِثَلَاثِ طِسَاسٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، فَشَرَحَ صَدْرَهُ وَنَزَعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ غِلٍّ ، وَمَلَأَهُ حِلْمًا وَعِلْمًا ، وَإِيمَانًا وَيَقِينًا وَإِسْلَامًا ، وَخَتَمَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ .
ثُمَّ أَتَاهُ بِفَرَسٍ فَحُمِلَ عَلَيْهِ ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنْهُ مُنْتَهَى بَصَرِهِ - أَوْ : أَقْصَى بَصَرِهِ - قَالَ : فَسَارَ وَسَارَ مَعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَالَ : فَأَتَى عَلَى قَوْمٍ يَزْرَعُونَ فِي يَوْمٍ وَيَحْصُدُونَ فِي يَوْمٍ ، كُلَّمَا حَصَدُوا عَادَ كَمَا كَانَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا جِبْرِيلُ ، مَا هَذَا ؟ " قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، تُضَاعَفُ لَهُمُ الْحَسَنَةُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَمَا أَنْفَقُوا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ .
ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ تُرْضَخُ رُءُوسُهُمْ بِالصَّخْرِ ، كُلَّمَا رُضِخَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ ، وَلَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، فَقَالَ : " مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَتَثَاقَلُ رُءُوسُهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ . ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ عَلَى أَقْبَالِهِمْ رِقَاعٌ ، وَعَلَى أَدْبَارِهِمْ رِقَاعٌ يَسْرَحُونَ كَمَا تَسْرَحُ الْإِبِلُ وَالنَّعَمُ ، وَيَأْكُلُونَ الضَّرِيعَ وَالزَّقُّومَ وَرَضْفَ جَهَنَّمَ وَحِجَارَتَهَا ، قَالَ : " مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ ، وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ شَيْئًا وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ .
ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ نَضِيجٌ فِي قِدْرٍ وَلَحْمٌ نِيءٌ فِي قِدْرٍ خَبِيثٍ ، فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنَ النِّيءِ الْخَبِيثِ وَيَدَعُونَ النَّضِيجَ الطَّيِّبَ ، فَقَالَ : " مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " فَقَالَ : هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِكَ ، تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ الْحَلَالُ الطَّيِّبَةُ ، فَيَأْتِي امْرَأَةً خَبِيثَةً فَيَبِيتُ عِنْدَهَا حَتَّى يُصْبِحَ ، [ وَالْمَرْأَةُ تَقُومُ مِنْ عِنْدِ زَوْجِهَا حَلَالًا طَيِّبًا ، فَتَأْتِي رَجُلًا خَبِيثًا فَتَبِيتُ مَعَهُ حَتَّى تُصْبِحَ ] .
قَالَ : ثُمَّ أَتَى عَلَى خَشَبَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ ، لَا يَمُرُّ بِهَا ثَوْبٌ إِلَّا شَقَّتْهُ ، وَلَا شَيْءٌ إِلَّا خَرَقَتْهُ ، قَالَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَذَا مَثَلُ أَقْوَامٍ مِنْ أُمَّتِكَ ، يَقْعُدُونَ عَلَى الطَّرِيقِ يَقْطَعُونَهُ ثُمَّ تَلَا ( وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) [ الْأَعْرَافِ : 86 ] . قَالَ : ثُمَّ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ جَمَعَ حُزْمَةَ [ حَطَبٍ ] عَظِيمَةً لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهَا ، وَهُوَ يَزِيدُ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " فَقَالَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِكَ يَكُونُ عَلَيْهِ أَمَانَاتُ النَّاسِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا .
ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا قُرِضَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، قَالَ : " مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ الْفِتْنَةِ .
ثُمَّ أَتَى عَلَى جُحْرٍ صَغِيرٍ يَخْرُجُ مِنْهُ ثَوْرٌ عَظِيمٌ ، فَجَعَلَ الثَّوْرُ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ [ حَيْثُ ] خَرَجَ ، فَلَا يَسْتَطِيعُ ، فَقَالَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " فَقَالَ : هَذَا الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَيْهَا فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدَّهَا .
ثُمَّ أَتَى عَلَى وَادٍ فَوَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً بَارِدَةً ، وَرِيحَ مِسْكٍ ، وَسَمِعَ صَوْتًا ، فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ ، مَا هَذِهِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ الْبَارِدَةُ ؟ وَمَا هَذَا الْمِسْكُ ؟ وَمَا هَذَا الصَّوْتُ ؟ " قَالَ : هَذَا صَوْتُ الْجَنَّةِ تَقُولُ : يَا رَبِّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي ، فَقَدْ كَثُرَتْ غُرَفِي ، وَإِسْتَبْرَقِي وَحَرِيرِي وَسُنْدُسِي ، وَعَبْقَرِيِّي وَلُؤْلُؤِي وَمَرْجَانِي ، وَفِضَّتِي 34 وَذَهَبِي وَأَكْوَابِي وَصِحَافِي ، وَأَبَارِيقِي وَمَرَاكِبِي ، وَعَسَلِي وَمَائِي ، وَخَمْرِي وَلَبَنِي فَآتِنِي مَا وَعَدْتَنِي . فَقَالَ : لَكِ كُلُّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ ، وَمُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ، وَمَنْ آمَنَ بِي وَبِرُسُلِي وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَمْ يُشْرِكْ بِي ، وَلَمْ يَتَّخِذْ مِنْ دُونِي أَنْدَادًا ؛ وَمَنْ خَشِيَنِي فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ ، وَمَنْ أَقْرَضَنِي جِزْيَتُهُ ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيَّ كَفَيْتُهُ ، إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ، لَا أُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، وَقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، وَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، قَالَتْ : قَدْ رَضِيتُ .
قَالَ : " ثُمَّ أَتَى عَلَى وَادٍ فَسَمِعَ صَوْتًا مُنْكَرًا ، وَوَجَدَ رِيحًا مُنْتِنَةً ، فَقَالَ : مَا هَذِهِ الرِّيحُ يَا جِبْرِيلُ ؟ وَمَا هَذَا الصَّوْتُ ؟ " فَقَالَ : هَذَا صَوْتُ جَهَنَّمَ تَقُولُ : يَا رَبِّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي ، فَقَدْ كَثُرَتْ سَلَاسِلِي وَأَغْلَالِي ، وَسَعِيرِي وَحَمِيمِي ، وَضَرِيعِي ، وَغَسَّاقِي وَعَذَابِي ، وَقَدْ بَعُدَ قَعْرِي ، وَاشْتَدَّ حَرِّي ، فَآتِنِي كُلَّ مَا وَعَدْتَنِي ، فَقَالَ : لَكِ كُلُّ مُشْرِكٍ وَمُشْرِكَةٍ ، وَكَافِرٍ وَكَافِرَةٍ ، وَكُلُّ خَبِيثٍ وَخَبِيثَةٍ ، وَكُلُّ جَبَّارٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ . قَالَتْ : قَدْ رَضِيتُ .
قَالَ : ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَنَزَلَ فَرَبَطَ فَرَسَهُ إِلَى صَخْرَةٍ ، ثُمَّ دَخَلَ فَصَلَّى مَعَ الْمَلَائِكَةِ ، فَلَمَّا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ قَالُوا : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَا مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ .
قَالَ : ثُمَّ لَقِيَ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ ، فَأَثْنَوْا عَلَى رَبِّهِمْ ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اتَّخَذَنِي خَلِيلًا وَأَعْطَانِي مُلْكًا عَظِيمًا ، وَجَعَلَنِي أُمَّةً قَانِتًا يُؤْتَمُّ بِي ، وَأَنْقَذَنِي مِنَ النَّارِ ، وَجَعَلَهَا عَلَيَّ بَرْدًا وَسَلَامًا . ثُمَّ إِنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَلَّمَنِي تَكْلِيمًا ، وَجَعْلَ هَلَاكَ آلِ فِرْعَوْنَ وَنَجَاةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدَيَّ ، وَجَعَلَ مِنْ أُمَّتِي قَوْمًا يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ . ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مُلْكًا عَظِيمًا ، وَعَلَّمَنِي الزَّبُورَ ، وَأَلَانَ لِيَ الْحَدِيدَ ، وَسَخَّرَ لِيَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ، وَأَعْطَانِي الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ . ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لِيَ الرِّيَاحَ ، وَسَخَّرَ لِيَ الشَّيَاطِينَ يَعْمَلُونَ لِي مَا شِئْتُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ ، وَجَفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ، وَعَلَّمَنِي مَنْطِقَ الطَّيْرِ ، وَآتَانِي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَضْلًا ، وَسَخَّرَ لِيَ جُنُودَ الشَّيَاطِينِ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَآتَانِي مُلْكًا عَظِيمًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، وَجَعَلَ مُلْكِي مُلْكًا طَيِّبًا لَيْسَ فِيهِ حِسَابٌ . ثُمَّ إِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي كَلِمَتَهُ وَجَعَلَ مَثَلِي مَثَلَ آدَمَ ، خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ : " كُنْ " فَيَكُونَ ، وَعَلَّمَنِي الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ، وَجَعَلَنِي أَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ، فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَجَعَلَنِي أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِهِ ، وَرَفَعَنِي وَطَهَّرَنِي ، وَأَعَاذَنِي وَأُمِّيَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْنَا سَبِيلٌ . قَالَ : ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقَالَ : " فَكُلُّكُمْ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ ، وَإِنِّي مُثْنٍ عَلَى رَبِّي [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الْفُرْقَانَ فِيهِ بَيَانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَجَعَلَ 35 أُمَّتِي خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، وَجَعَلَ أُمَّتِي أُمَّةً وَسَطًا ، وَجَعَلَ أُمَّتِي هُمُ الْأَوَّلِينَ وَهُمُ الْآخَرِينَ ، وَشَرَحَ لِي صَدْرِي ، وَوَضَعَ عَنِّي وِزْرِي ، وَرَفَعَ لِي ذِكْرِي ، وَجَعَلَنِي فَاتِحًا وَخَاتَمًا " فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] : بِهَذَا فَضَلَكُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ : خَاتَمُ النُّبُوَّةِ ، فَاتِحٌ بِالشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
ثُمَّ أُتِيَ بِآنِيَةٍ ثَلَاثَةٍ مُغَطَّاةٍ أَفْوَاهُهَا ، فَأُتِي بِإِنَاءٍ مِنْهَا فِيهِ مَاءٌ فَقِيلَ : اشْرَبْ . فَشَرِبَ مِنْهُ يَسِيرًا ، ثُمَّ دُفِعَ إِلَيْهِ إِنَاءٌ آخَرُ فِيهِ لَبَنٌ ، فَقِيلَ لَهُ : اشْرِبْ ، فَشَرِبَ مِنْهُ حَتَّى رَوِيَ . ثُمَّ دُفِعَ إِلَيْهِ إِنَاءٌ آخَرُ فِيهِ خَمْرٌ فَقِيلَ لَهُ : اشْرِبْ فَقَالَ : " لَا أُرِيدُهُ قَدْ رَوِيتُ " . فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] : أَمَا إِنَّهَا سَتُحَرَّمُ عَلَى أُمَّتِكَ ، وَلَوْ شَرِبْتَ مِنْهَا لَمْ يَتْبَعْكَ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا قَلِيلٌ .
قَالَ : ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ فَقَالَ : مُحَمَّدٌ ، فَقَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بَرَجُلٍ تَامِّ الْخَلْقِ لَمْ يَنْقُصْ مَنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ كَمَا يَنْقُصُ مَنْ خَلْقِ النَّاسِ ، عَنْ يَمِينِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ ، وَعَنْ شِمَالِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ خَبِيثَةٌ ، إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَاسْتَبْشَرَ ، وَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَنْ يَسَارِهِ بَكَى وَحَزِنَ ، فَقُلْتُ : " يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا الشَّيْخُ التَّامُّ الْخَلْقِ الَّذِي لَمْ يُنْقَصْ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ ؟ وَمَا هَذَانِ الْبَابَانِ ؟ " فَقَالَ : هَذَا أَبُوكَ آدَمُ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ، وَهَذَا الْبَابُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ بَابُ الْجَنَّةِ ، إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ضَحِكَ وَاسْتَبْشَرَ ، وَالْبَابُ الَّذِي عَنْ شِمَالِهِ بَابُ جَهَنَّمَ ، إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ بَكَى وَحَزِنَ .
ثُمَّ صَعِدَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا مَعَكَ ؟ فَقَالَ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَلَنِعْمَ الْأَخُ وَلَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . قَالَ : فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِشَابَّيْنِ فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَانِ الشَّابَّانِ ؟ " قَالَ : هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ، ابْنَا الْخَالَةِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ .
قَالَ : فَصَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقَالُوا : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . قَالَ : فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ فُضِّلَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ كَمَا فُضِّلَ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، قَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ الَّذِي قَدْ فُضِّلَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ ؟ " قَالَ : هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قَالَ : ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقَالُوا مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . قَالَ : فَدَخَلَ ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ ، قَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَذَا إِدْرِيسُ ، رَفَعَهُ اللَّهُ [ تَعَالَى ] مَكَانًا عَلِيًّا . 36
ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقَالُوا : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . ثُمَّ دَخَلَ فَإِذَا هُوَ بَرَجُلٍ جَالِسٍ وَحَوْلَهُ قَوْمٌ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ ، قَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ وَمَنْ هَؤُلَاءِ حَوْلَهُ ؟ " قَالَ : هَذَا هَارُونُ الْمُحَبَّبُ [ فِي قَوْمِهِ ] وَهَؤُلَاءِ بَنُو إِسْرَائِيلَ .
ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ ، قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ . فَإِذَا هُوَ بَرَجُلٍ جَالِسٍ فَجَاوَزَهُ فَبَكَى الرَّجُلُ ، فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَا ؟ " قَالَ : مُوسَى ، قَالَ : " فَمَا بَالُهُ يَبْكِي ؟ " قَالَ : زَعَمَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنِّي أَكْرَمُ بَنِي آدَمَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهَذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ قَدْ خَلَفَنِي فِي دُنْيَا ، وَأَنَا فِي أُخْرَى ، فَلَوْ أَنَّهُ بِنَفْسِهِ لَمْ أُبَالِ ، وَلَكِنْ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ أُمَّتُهُ .
قَالَ : ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ لَهُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قَالُوا : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ . قَالَ : فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ أَشْمَطَ جَالِسٍ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ عَلَى كُرْسِيٍّ ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ جُلُوسٌ بِيضُ الْوُجُوهِ أَمْثَالُ الْقَرَاطِيسِ ، وَقَوْمٌ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ، فَقَامَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ فَدَخَلُوا نَهْرًا فَاغْتَسَلُوا فِيهِ ، فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَ مِنْ أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ثُمَّ دَخَلُوا نَهْرًا آخَرَ فَاغْتَسَلُوا فِيهِ ، فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَ [ مِنْ ] أَلْوَانِهِمْ [ شَيْءٌ ثُمَّ دَخَلُوا نَهْرًا آخَرَ فَاغْتَسَلُوا فِيهِ ، فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَتْ أَلْوَانُهُمْ ] فَصَارَتْ مِثْلَ أَلْوَانِ أَصْحَابِهِمْ ، فَجَاءُوا فَجَلَسُوا إِلَى أَصْحَابِهِمْ ، فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا الْأَشْمَطُ ؟ ثُمَّ مَنْ هَؤُلَاءِ الْبِيضُ الْوُجُوهِ ؟ وَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ؟ وَمَا هَذِهِ الْأَنْهَارُ الَّتِي دَخَلُوا فِيهَا فَجَاءُوا وَقَدْ صَفَتْ أَلْوَانُهُمْ ؟ " قَالَ : هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] أَوَّلُ مَنْ شَمِطَ عَلَى الْأَرْضِ . وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْبِيضُ الْوُجُوهِ فَقَوْمٌ لَمْ يَلْبَسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ . وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ، فَقَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ، فَتَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . وَأَمَّا الْأَنْهَارُ فَأَوَّلُهَا رَحْمَةُ اللَّهِ ، وَالثَّانِي نِعْمَةُ اللَّهِ ، وَالثَّالِثُ سَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا .
قَالَ : ثُمَّ انْتَهَى إِلَى السِّدْرَةِ فَقِيلَ لَهُ : هَذِهِ السِّدْرَةُ يَنْتَهِي إِلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ خَلَا مِنْ أُمَّتِكَ عَلَى سُنَّتِكَ . فَإِذَا هِيَ شَجَرَةٌ يَخْرُجُ مَنْ أَصْلِهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ، وَهِيَ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا لَا يَقْطَعُهَا . وَالْوَرَقَةُ مِنْهَا مُغَطِّيَةٌ لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا . قَالَ : فَغَشِيَهَا نُورُ الْخَلَّاقِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَغَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ أَمْثَالَ الْغِرْبَانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلَى الشَّجَرَةِ قَالَ : فَكَلَّمَهُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ 37 قَالَ لَهُ : سَلْ ، قَالَ : " إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَأَعْطَيْتَهُ مُلْكًا عَظِيمًا ، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا ، وَأَعْطَيْتَ دَاوُدَ مُلْكًا عَظِيمًا ، وَأَلَنْتَ لَهُ الْحَدِيدَ ، وَسَخَّرْتَ لَهُ [ الْجِبَالَ ، وَأَعْطَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكًا عَظِيمًا ، وَسَخَّرْتَ لَهُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالشَّيَاطِينَ ، وَسَخَّرْتَ لَهُ ] الرِّيَاحَ ، وَأَعْطَيْتَ لَهُ مُلْكًا عَظِيمًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ، وَعَلَّمْتَ عِيسَى التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ، وَجَعَلْتَهُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِكَ ، وَأَعَذْتَهُ وَأُمَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِمَا سَبِيلٌ " . فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَقَدِ اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا - وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ : " حَبِيبُ الرَّحْمَنِ " - وَأَرْسَلْتُكَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، وَشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ ، وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ ، وَرَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ ، فَلَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، وَجَعَلْتُ أَمَّتَكَ أُمَّةً وَسَطًا ، وَجَعَلْتُ أَمَّتَكَ هُمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ لَهُمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي وَرَسُولِي ، وَجَعَلْتُ مِنْ أَمَّتِكَ أَقْوَامًا قُلُوبُهُمْ أَنَاجِيلُهُمْ ، وَجَعَلْتُكَ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ خَلْقًا ، وَآخِرَهُمْ بَعْثًا ، وَأَوَّلَهُمْ يُقْضَى لَهُ ، وَأَعْطَيْتُكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ ، وَأَعْطَيْتُكَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ ، وَأَعْطَيْتُكَ الْكَوْثَرَ ، وَأَعْطَيْتُكَ ثَمَانِيَةَ أَسْهُمٍ : الْإِسْلَامَ ، وَالْهِجْرَةَ ، وَالْجِهَادَ ، وَالصَّدَقَةَ ، وَالصَّلَاةَ ، وَصَوْمَ رَمَضَانَ ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَجَعَلْتُكَ فَاتِحًا وَخَاتَمًا . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَضَّلَنِي رَبِّي بِسِتٍّ : أَعْطَانِي فَوَاتِحَ الْكَلَامِ وَخَوَاتِيمَهُ ، وَجَوَامِعَ الْحَدِيثِ ، وَأَرْسَلَنِي إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِ عَدُوِّي الرُّعْبَ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا طَهُورًا وَمَسْجِدًا " .
قَالَ : وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً . فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُوسَى قَالَ : بِمَ أُمِرْتَ يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ : " بِخَمْسِينَ صَلَاةً " قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ ، فَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا . ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِكَمْ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : " بِأَرْبَعِينَ " قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ ، وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَبِّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِكَمْ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : " أُمِرْتُ بِثَلَاثِينَ " ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ ، وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ بِكَمْ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : " أُمِرْتُ بِعِشْرِينَ " . قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ ، وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا . فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِكَمْ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : " أُمِرْتُ بِعَشْرٍ " ، قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ عَلَى حَيَاءٍ إِلَى رَبِّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ فَوَضَعَ عَنْهُ خَمْسًا . فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ بِكَمْ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : " بِخَمْسٍ " فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ 38 أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : " قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ ، فَمَا أَنَا بِرَاجِعٍ إِلَيْهِ " ، قِيلَ : أَمَا إِنَّكَ كَمَا صَبَّرْتَ نَفْسَكَ عَلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ ، فَإِنَّهُنَّ يَجْزِينَ عَنْكَ خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَإِنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا . قَالَ : فَرَضِيَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ الرِّضَا ، قَالَ : وَكَانَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مِنْ أَشَدِّهِمْ عَلَيْهِ حِينَ مَرَّ بِهِ وَخَيْرِهِمْ لَهُ حِينَ رَجَعَ إِلَيْهِ .

ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبَى جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَوْ غَيْرِهِ - شَكَّ أَبُو جَعْفَرٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ .
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَالِينِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَدِيٍّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ السَّكُونِيِّ الْبَالِسِيِّ بِالرَّمْلَةِ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، فَذَكَرَ مِثْلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ الْحَاكِمَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعَرَانِيِّ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيِّ ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ مَاهَانَ - يَعْنِي أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ - عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَهُ .
وَقَالَ : ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذَكَرَ أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ - يَعْنِي : أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ - عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ الْبَكْرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَوْ غَيْرِهِ - شَكَّ عِيسَى - ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَالَ اللَّهُ : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ كَنَحْوٍ مِمَّا سُقْنَاهُ .
قُلْتُ : " أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ " قَالَ فِيهِ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ : " الرَّازِيُّ يَهِمُ فِي الْحَدِيثِ كَثِيرًا " وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا ، وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ سَيِّئُ الْحِفْظِ فَفِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ نَظَرٌ . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِ الْمَنَامِ مِنْ رِوَايَةِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ فِي الْمَنَامِ الطَّوِيلِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعًا مِنْ أَحَادِيثَ شَتَّى ، أَوْ مَنَامٍ أَوْ قِصَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْإِسْرَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ : " لَقِيتُ مُوسَى " قَالَ : فَنَعَتَهُ فَإِذَا رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قَالَ : - مُضْطَرِبٌ ، ۝ رَجْلُ الرَّأْسِ ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ . قَالَ : " وَلَقِيتُ عِيسَى " - فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ۝ رَبْعَةً أَحْمَرَ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ - يَعْنِي حَمَّامٍ . قَالَ : ۝ " وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ " . قَالَ : ۝ " وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ خَمْرٌ ، قِيلَ لِي : خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ ، فَشَرِبْتُ ، فَقِيلَ لِي : هُدِيتَ الْفِطْرَةَ - أَوْ : أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ - أَمَا إِنَّكَ لَوْ 39 أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ " وَأَخْرَجَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ . عَنِ الزُّهْرِيِّ - بِهِ نَحْوَهُ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ حُجَيْنِ بْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا ، فَكُرِبْتُ كَرْبًا مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا سَأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي ، وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ - فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ ، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ قَائِلٌ : يَا مُحَمَّدُ ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ ، [ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ ] فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الصَّلْتِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَنَظَرْتُ فَوْقُ فَإِذَا رَعْدٌ وَبَرْقٌ وَصَوَاعِقُ " . قَالَ : " وَأُتِيتُ عَلَى قَوْمٍ بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ فِيهَا الْحَيَّاتُ تُرَى مِنْ خَارِجِ بُطُونِهِمْ فَقُلْتُ : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا ، فَلَمَّا نَزَلْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا نَظَرْتُ أَسْفَلَ مِنِّي فَإِذَا أَنَا بِرَهَجٍ وَدُخَانٍ وَأَصْوَاتٍ ، فَقُلْتُ : مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذِهِ الشَّيَاطِينُ يُحَرِّفُونَ عَلَى أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ أَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَرَأَوُا الْعَجَائِبَ " .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنٍ وَعَفَّانَ ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، بِهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادٍ ، بِهِ .
رِوَايَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ] مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَغَيْرِهِمْ :
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي الْحَاكِمَ - أَخْبَرَنَا عَبْدَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ يَعْقُوبَ الدَّقَّاقُ بِهَمَذَانَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ النَّصْرِيُّ مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ قُعَيْنٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَسُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ - بَعْضُهُمْ يَزِيدُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضٍ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - وَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - 40 وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيِّ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - وَ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالُوا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ رَاقِدًا ، وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ : قَالَ لَنَا هَذَا الشَّيْخُ . . . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَكَتَبَ الْمَتْنَ مِنْ نُسْخَةٍ مَسْمُوعَةٍ مِنْهُ ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا يَذْكُرُ فِيهِ عَدَدَ الدَّرَجِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْكَرُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فِيمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي حَدِيثِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ فِي إِثْبَاتِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ كِفَايَةٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
قُلْتُ : وَقَدْ أَرْسَلَ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ وَأَئِمَّةِ الْمُفَسِّرِينَ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ .
رِوَايَةُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا :
قَالَ [ الْإِمَامُ ] الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنِي مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الصَّنْعَانِيُّ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، أَصْبَحَ يُحَدِّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ ، فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانُوا آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ ، وَسَعَوْا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالُوا : هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ! فَقَالَ : أَوَ قَالَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ . قَالُوا : تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ بِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ . فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ : الصِّدِّيقَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
رِوَايَةُ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا :
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بَاذَانَ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ] فِي مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ : ۝ مَا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَهُوَ فِي بَيْتِي ، نَائِمٌ عِنْدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ثُمَّ نَامَ وَنِمْنَا ، فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ أَهَبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ وَصْلَيْنَا مَعَهُ قَالَ : " يَا أُمَّ هَانِئٍ ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ كَمَا رَأَيْتِ بِهَذَا الْوَادِي ، ثُمَّ جِئْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيهِ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ مَعَكُمُ الْآنَ كَمَا تَرَيْنَ " .
الْكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ بِمَرَّةٍ سَاقِطٌ ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا 41 السِّيَاقِ ، فَلْيَكْتُبْ هَاهُنَا .
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَبِي الْمُسَاوِرِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ : ۝ بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فِي بَيْتِي ، فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ ، فَامْتَنَعَ مِنِّي النَّوْمُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَتَانِي فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي ، فَإِذَا عَلَى الْبَابِ دَابَّةٌ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهَا ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَأَرَانِي إِبْرَاهِيمَ يُشْبِهُ خَلْقُهُ خَلْقِي ، وَيُشْبِهُ خَلْقِي خَلْقَهُ ، وَأَرَانِي مُوسَى آدَمَ طَوِيلًا سَبْطَ الشَّعْرِ ، شَبَّهْتُهُ بِرِجَالِ أَزْدِ شَنُوءَةَ ، وَأَرَانِي عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ رَبْعَةً أَبْيَضَ يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ ، شَبَّهْتُهُ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ ، وَأَرَانِي الدَّجَّالَ مَمْسُوحَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى ، شَبَّهْتُهُ بِقَطَنِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى " 42 قَالَ : " وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى قُرَيْشٍ فَأُخْبِرْهُمْ بِمَا رَأَيْتُ " . فَأَخَذْتُ بِثَوْبِهِ فَقُلْتُ : إِنِّي أُذَكِّرُكَ اللَّهَ ، إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا يُكَذِّبُونَكَ وَيُنْكِرُونَ مَقَالَتَكَ ، فَأَخَافُ أَنْ يَسْطُوا بِكَ . قَالَتْ : فَضَرَبَ ثَوْبَهُ مِنْ يَدِي ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فَأَتَاهُمْ وَهُمْ جُلُوسٌ ، فَأَخْبَرَهُمْ مَا أَخْبَرَنِي ، فَقَامَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ لَوْ كُنْتَ شَابًّا كَمَا كُنْتَ ، مَا تَكَلَّمْتَ بِمَا تَكَلَّمْتَ بِهِ وَأَنْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : يَا مُحَمَّدُ ، هَلْ مَرَرْتَ بِإِبِلٍ لَنَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، وَاللَّهِ قَدْ وَجَدْتُهُمْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ فَهُمْ فِي طَلَبِهِ " .
قَالَ : فَهَلْ مَرَرْتَ بِإِبِلٍ لِبَنِي فُلَانٍ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، وَجَدْتُهُمْ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا ، وَقَدِ انْكَسَرَتْ لَهُمْ نَاقَةٌ حَمْرَاءُ ، وَعِنْدَهُمْ قَصْعَةٌ مِنْ مَاءٍ ، فَشَرِبْتُ مَا فِيهَا " . قَالُوا : فَأَخْبِرْنَا عِدَّتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ [ قَالَ : " قَدْ كُنْتُ عَنْ عِدَّتِهَا مَشْغُولًا " . فَنَامَ فَأُوتِيَ بِالْإِبِلِ فَعَدَّهَا وَعَلِمَ مَا فِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ ] ثُمَّ أَتَى قُرَيْشًا فَقَالَ لَهُمْ : " سَأَلْتُمُونِي عَنْ إِبِلِ بَنِي فُلَانٍ ، فَهِيَ كَذَا وَكَذَا ، وَفِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، وَسَأَلْتُمُونِي عَنْ إِبِلِ بَنِي فُلَانٍ ، فَهِيَ كَذَا وَكَذَا ، وَفِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ ، وَهِيَ مُصَبَّحَتُكُمْ مِنَ الْغَدَاةِ عَلَى الثَّنِيَّةِ " . قَالَ : فَقَعَدُوا عَلَى الثَّنِيَّةِ يَنْظُرُونَ أَصَدَقَهُمْ مَا قَالَ ؟ فَاسْتَقْبَلُوا الْإِبِلَ فَسَأَلُوهُمْ : هَلْ ضَلَّ لَكُمْ بَعِيرٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . فَسَأَلُوا الْآخَرَ : هَلِ انْكَسَرَتْ لَكُمْ نَاقَةٌ حَمْرَاءُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالُوا : فَهَلْ كَانَ عِنْدَكُمْ قَصْعَةٌ ؟ قَالَ : أَبُو بَكْرٍ : أَنَا وَاللَّهِ وَضَعْتُهَا فَمَا شَرِبَهَا أَحَدٌ ، وَلَا أَهْرَاقُوهُ فِي الْأَرْضِ . فَصَدَّقَهُ أَبُو بَكْرٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] وَآمَنَ بِهِ ، فَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ الصِّدِّيقَ
.
فَصْلٌ
وَإِذَا حَصَلَ الْوُقُوفُ عَلَى مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صَحِيحِهَا وَحَسَنِهَا وَضَعِيفِهَا ، يَحْصُلُ مَضْمُونُ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ مِسْرَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَأَنَّهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الرُّوَاةِ فِي أَدَائِهِ ، أَوْ زَادَ بَعْضُهُمْ فِيهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ ، فَإِنَّ الْخَطَأَ جَائِزٌ عَلَى مَنْ عَدَا الْأَنْبِيَاءِ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ . وَمَنْ جَعَلَ مِنَ النَّاسِ كُلَّ رِوَايَةٍ خَالَفَتِ الْأُخْرَى مُرَّةً عَلَى حِدَةٍ ، فَأَثْبَتَ إِسْرَاءَاتٍ مُتَعَدِّدَةً فَقَدْ أَبْعَدَ وَأَغْرَبَ ، وَهَرَبَ إِلَى غَيْرِ مَهْرَبٍ وَلَمْ يَحْصُلْ عَلَى مَطْلَبٍ .
وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَطْ ، وَمَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَطْ ، وَمَرَّةً إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمِنْهُ إِلَى السَّمَاءِ . وَفَرِحَ بِهَذَا الْمَسْلَكِ ، وَأَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِشَيْءٍ يَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْإِشْكَالَاتِ . وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا ، وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَلَوْ تَعَدَّدَ هَذَا التَّعَدُّدَ لَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ أُمَّتَهُ ، وَلَنَقَلَتْهُ النَّاسُ عَلَى التَّعَدُّدِ وَالتَّكَرُّرِ .
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : كَانَ الْإِسْرَاءُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ . وَكَذَا قَالَ عُرْوَةُ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا .
وَالْحَقُّ أَنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ أُسْرِيَ بِهِ يَقَظَةً لَا مَنَامًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، رَاكِبًا الْبُرَاقَ ، 43 فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ رَبَطَ الدَّابَّةَ عِنْدَ الْبَابِ ، وَدَخَلَهُ فَصَلَّى فِي قِبْلَتِهِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ . ثُمَّ أَتَى الْمِعْرَاجَ - وَهُوَ كَالسُّلَّمِ ذُو دَرَجٍ يُرْقَى فِيهَا - فَصَعِدَ فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، ثُمَّ إِلَى بَقِيَّةِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ ، فَتَلَقَّاهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ [ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ] الَّذِينَ فِي السَّمَاوَاتِ بِحَسْبِ مَنَازِلِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ ، حَتَّى مَرَّ بِمُوسَى الْكِلِيمِ فِي السَّادِسَةِ ، وَإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فِي السَّابِعَةِ ، ثُمَّ جَاوَزَ مَنْزِلَتَهُمَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمَا وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُسْتَوًى يَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ ، أَيْ : أَقْلَامَ الْقَدَرِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ ، وَرَأَى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَظَمَةٌ عَظِيمَةٌ ، مِنْ فَرَاشٍ مِنْ ذَهَبٍ ، وَأَلْوَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، وَغَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ ، وَرَأَى هُنَالِكَ جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ ، وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، وَرَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ ، وَرَأَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ وَإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ بَانِي الْكَعْبَةِ الْأَرْضِيَّةِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ الْكَعْبَةُ السَّمَاوِيَّةُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَرَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ، وَفَرَضَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] عَلَيْهِ هُنَالِكَ الصَّلَوَاتِ خَمْسِينَ ، ثُمَّ خَفَّفَهَا إِلَى خَمْسٍ ؛ رَحْمَةً مِنْهُ وَلُطْفًا بِعِبَادِهِ . وَفِي هَذَا اعْتِنَاءٌ عَظِيمٌ بِشَرَفِ الصَّلَاةِ وَعَظَمَتِهَا . ثُمَّ هَبَطَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَهَبَطَ مَعَهُ الْأَنْبِيَاءُ فَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ لَمَّا حَانَتِ الصَّلَاةُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا الصُّبْحُ مِنْ يَوْمِئِذٍ . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَمَّهُمْ فِي السَّمَاءِ . وَالَّذِي تَظَاهَرَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ ، وَلَكِنْ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ دُخُولِهِ إِلَيْهِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَرَّ بِهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ جَعَلَ يَسْأَلُ عَنْهُمْ جِبْرِيلَ وَاحِدًا وَاحِدًا وَهُوَ يُخْبِرُهُ بِهِمْ ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا مَطْلُوبًا إِلَى الْجَنَابِ الْعُلْوِيِّ لِيَفْرِضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ مَا يَشَاءُ اللَّهُ - تَعَالَى - ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ ، اجْتَمَعَ هُوَ وَإِخْوَانُهُ مِنَ النَّبِيِّينَ [ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ] ثُمَّ أَظْهَرَ شَرَفَهَ وَفَضْلَهُ عَلَيْهِمْ بِتَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ ، وَذَلِكَ عَنْ إِشَارَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ فِي ذَلِكَ . ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَرَكِبَ الْبُرَاقَ وَعَادَ إِلَى مَكَّةَ بِغَلَسٍ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
وَأَمَّا عَرْضُ الْآنِيَةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّبَنِ وَالْعَسَلِ ، أَوِ اللَّبَنِ وَالْخَمْرِ ، أَوِ اللَّبَنِ وَالْمَاءِ ، أَوِ الْجَمِيعِ - فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَجَاءَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا وَهَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ كَالضِّيَافَةِ لِلْقَادِمِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ : هَلْ كَانَ الْإِسْرَاءُ بِبَدَنِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَرُوحِهِ ؟ أَوْ بِرُوحِهِ فَقَطْ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ، فَالْأَكْثَرُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ أُسْرِيَ بِبَدَنِهِ وَرُوحِهِ يَقَظَةً لَا مَنَامًا ، وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى قَبْلَ ذَلِكَ مَنَامًا ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَهُ يَقَظَةً ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ) فَالتَّسْبِيحُ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ ، وَلَوْ كَانَ مَنَامًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِيرُ شَيْءٍ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَعْظَمًا ، وَلَمَا بَادَرَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ إِلَى تَكْذِيبِهِ ، وَلَمَا ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَبْدَ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ ، 44 وَقَدْ قَالَ [ عَزَّ شَأْنُهُ ] ( أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) [ الْإِسْرَاءِ : 60 ] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ، وَالشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ : شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَقَالَ تَعَالَى : ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) [ النَّجْمِ : 17 ] ، وَالْبَصَرُ مِنْ آلَاتِ الذَّاتِ لَا الرُّوحِ . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ حُمِلَ عَلَى الْبُرَاقِ ، وَهُوَ دَابَّةٌ بَيْضَاءُ بَرَّاقَةٌ لَهَا لَمَعَانٌ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا لِلْبَدَنِ لَا لِلرُّوحِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ فِي حَرَكَتِهَا إِلَى مَرْكَبٍ تَرْكَبُ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرُوحِهِ لَا بِجَسَدِهِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي السِّيرَةِ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ ؛ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَانَتْ رُؤْيَا مِنَ اللَّهِ صَادِقَةً .
وَحَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ : مَا فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنْ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهَا ، لِقَوْلِ الْحَسَنِ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) وَلِقَوْلِ اللَّهِ فِي الْخَبَرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ : ( إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ) [ الصَّافَّاتِ : 102 ] ، ثُمَّ مَضَى عَلَى ذَلِكَ . فَعَرَفْتُ أَنَّ الْوَحْيَ يَأْتِي لِلْأَنْبِيَاءِ مِنَ اللَّهِ أَيْقَاظًا وَنِيَامًا .
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " تَنَامُ عَيْنَايَ ، وَقَلْبِي يَقْظَانُ " فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ قَدْ جَاءَهُ ، وَعَايَنَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ مَا عَايَنَ ، عَلَى أَيِّ حَالَاتِهِ كَانَ نَائِمًا أَوْ يَقْظَانَ ، كُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ وَصِدْقٌ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ إِسْحَاقَ .
وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِالرَّدِّ وَالْإِنْكَارِ وَالتَّشْنِيعِ ، بِأَنَّ هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ سِيَاقِ الْقُرْآنِ ، وَذَكَرَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى رَدِّهِ بَعْضَ مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ جَلِيلَةٌ :
رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبِهَانِيُّ فِي كِتَابِ " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ : حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَبِي الرِّجَالِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ إِلَى قَيْصَرَ - فَذَكَرَ وُرُودَهُ عَلَيْهِ وَقُدُومَهُ إِلَيْهِ . وَفِي السِّيَاقِ دَلَالَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى وُفُورِ عَقْلِ هِرَقْلَ - ثُمَّ اسْتَدْعَى مَنْ بِالشَّامِ مِنَ التُّجَّارِ ، فَجِيءَ بِأَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ 45 وَأَصْحَابِهِ ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ ، وَجَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَجْهَدُ أَنْ يُحَقِّرَ أَمْرَهُ وَيُصَغِّرَهُ عِنْدَهُ . قَالَ فِي هَذَا السِّيَاقِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ : وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ قَوْلًا أُسْقِطُهُ مِنْ عَيْنِهِ إِلَّا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَكْذِبَ عِنْدَهُ كَذْبَةً يَأْخُذُهَا عَلَيَّ ، وَلَا يُصَدِّقُنِي بِشَيْءٍ . قَالَ : حَتَّى ذَكَرْتُ قَوْلَهُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ قَالَ : فَقُلْتُ : أَيُّهَا الْمَلَكُ ، أَلَا أُخْبِرُكَ خَبَرًا تَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ كَذَبَ ؟ قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : إِنَّهُ يَزْعُمُ لَنَا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَرْضِنَا - أَرْضِ الْحَرَمِ - فِي لَيْلَةٍ فَجَاءَ مَسْجِدَكُمْ هَذَا - مَسْجِدَ إِيلِيَاءَ - ، وَرَجَعَ إِلَيْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَبْلَ الصَّبَاحِ . قَالَ : وَبَطْرِيقُ إِيلِيَاءَ عِنْدَ رَأْسِ قَيْصَرَ ، فَقَالَ بَطْرِيقُ إِيلِيَاءَ : قَدْ عَلِمْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، قَالَ : فَنَظَرَ قَيْصَرُ ، وَقَالَ : وَمَا عِلْمُكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : إِنِّي كُنْتُ لَا أَنَامُ لَيْلَةً حَتَّى أُغْلِقَ أَبْوَابَ الْمَسْجِدِ ، فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةُ أَغْلَقْتُ الْأَبْوَابَ كُلَّهَا غَيْرَ بَابٍ وَاحِدٍ غَلَبَنِي ، فَاسْتَعَنْتُ عَلَيْهِ بِعُمَّالِي وَمَنْ يَحْضُرُنِي كُلِّهِمْ فَعَالَجْتُهُ فَغَلَبَنِي ، فَلَمْ نَسْتَطِعْ أَنْ نُحَرِّكَهُ ، كَأَنَّمَا نُزَاوِلُ بِهِ جَبَلًا فَدَعَوْتُ إِلَيْهِ النَّجَاجِرَةَ ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا : إِنَّ هَذَا الْبَابَ سَقَطَ عَلَيْهِ النِّجَافُ وَالْبُنْيَانُ وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُحَرِّكَهُ حَتَّى نُصْبِحَ فَنَنْظُرَ مِنْ أَيْنَ أَتَى . قَالَ : فَرَجَعْتُ وَتَرَكْتُ الْبَابَيْنِ مَفْتُوحَيْنِ . فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَيْهِمَا فَإِذَا الْحَجَرُ الَّذِي فِي زَاوِيَةِ الْبَابِ مَثْقُوبٌ ، وَإِذَا فِيهِ أَثَرُ مَرْبَطِ الدَّابَّةِ قَالَ : فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي : مَا حُبِسَ هَذَا الْبَابُ اللَّيْلَةَ إِلَّا عَلَى نَبِيٍّ ، وَقَدْ صَلَّى اللَّيْلَةَ فِي مَسْجِدِنَا . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ .
فَائِدَةٌ :
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْخَطَّابِ عُمَرُ بْنُ دِحْيَةَ فِي كِتَابِهِ " التَّنْوِيرُ فِي مَوْلِدِ السِّرَاجِ الْمُنِيرِ " وَقَدْ ذَكَرَ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فَأَجَادَ وَأَفَادَ - ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَمَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ ، وَأَبِي حَبَّةَ وَأَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيَّيْنِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَجَابِرٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَبُرَيْدَةَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، وَأَبِي الْحَمْرَاءِ ، وَصُهَيْبٍ الرُّومِيِّ ، وَأُمِّ هَانِئٍ ، وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ ابْنَتَيْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . مِنْهُمْ مَنْ سَاقَهُ بِطُولِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَصَرَهُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمَسَانِيدِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رِوَايَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى شَرْطِ الصِّحَّةِ ، فَحَدِيثُ الْإِسْرَاءِ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، وَاعْتَرَضَ فِيهِ الزَّنَادِقَةُ الْمُلْحِدُونَ ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) [ الصَّفِّ : 8 ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith