تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 695 · printed p. 222
( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( 113 ) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ( 114 ) )
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ۝ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ، فَقَالَ : " أَيْ عَمِّ ، قُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . كَلِمَةٌ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ " . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ : يَا أَبَا طَالِبٍ ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ [ قَالَ : فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ ، حَتَّى قَالَ آخَرُ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ : عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ] . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ " . فَنَزَلَتْ : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) قَالَ : وَنَزَلَتْ فِيهِ : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) [ الْقَصَصِ : 56 ] أَخْرَجَاهُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ ، وَهُمَا مُشْرِكَانِ ، فَقُلْتُ : أَيَسْتَغْفِرُ الرَّجُلُ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ ؟ فَقَالَ : أَوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَزَلَتْ : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ ) قَالَ : " لَمَّا مَاتَ " ، فَلَا أَدْرِي قَالَهُ سُفْيَانُ أَوْ قَالَهُ إِسْرَائِيلُ ، أَوْ هُوَ فِي الْحَدِيثِ " لَمَّا مَاتَ " .
قُلْتُ هَذَا ثَابِتٌ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا مَاتَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا زُبَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ الْيَامِيُّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ۝ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَزَلَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَهُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفِ رَاكِبٍ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَفَدَاهُ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا لَكَ ؟ قَالَ : " إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي ، عَزَّ وَجَلَّ ، فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّي ، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي ، فَدَمِعَتْ عَيْنَايَ رَحْمَةً لَهَا مِنَ النَّارِ ، وَإِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ : نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ 222 فَزُورُوهَا ، لِتُذَكِّرَكُمْ زِيَارَتُهَا خَيْرًا ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَكُلُوا وَأَمْسِكُوا مَا شِئْتُمْ ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فِي الْأَوْعِيَةِ ، فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ وِعَاءٍ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا " .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى رَسْمَ قَبْرٍ ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ ، فَجَعَلَ يُخَاطِبُ ، ثُمَّ قَامَ مُسْتَعْبِرًا . فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا رَابَنَا مَا صَنَعْتَ . قَالَ : " إِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّي ، فَأَذِنَ لِي ، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي " . فَمَا رُئِيَ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَئِذٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، فِي تَفْسِيرِهِ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ هَانِئٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : ۝ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا إِلَى الْمَقَابِرِ ، فَاتَّبَعْنَاهُ ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى قَبْرٍ مِنْهَا ، فَنَاجَاهُ طَوِيلًا ثُمَّ بَكَى فَبَكَيْنَا لِبُكَائِهِ ثُمَّ قَامَ فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَدَعَاهُ ثُمَّ دَعَانَا ، فَقَالَ : " مَا أَبْكَاكُمْ ؟ " فَقُلْنَا : بَكَيْنَا لِبُكَائِكَ . قَالَ : " إِنَّ الْقَبْرَ الَّذِي جَلَسْتُ عِنْدَهُ قَبْرَ آمِنَةَ ، وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَتِهَا فَأَذِنَ لِي " ثُمَّ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَرِيبًا مِنْهُ ، وَفِيهِ : " وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي الدُّعَاءِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي ، وَأَنْزَلَ عَلِيَّ : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ) فَأَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ الْوَلَدُ لِلْوَالِدَةِ ، وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ " .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ : قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُنِيبٍ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَقْبَلَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَاعْتَمَرَ ، فَلَمَّا هَبَطَ مِنْ ثَنِيَّةِ عُسْفَانَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ : أَنِ اسْتَنِدُوا إِلَى الْعَقَبَةِ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكُمْ ، فَذَهَبَ فَنَزَلَ عَلَى قَبْرِ أُمِّهِ ، فَنَاجَى رَبَّهُ طَوِيلًا ثُمَّ إِنَّهُ بَكَى فَاشْتَدَّ بُكَاؤُهُ ، وَبَكَى هَؤُلَاءِ لِبُكَائِهِ ، وَقَالُوا : مَا بَكَى نَبِيُّ اللَّهِ بِهَذَا الْمَكَانِ إِلَّا وَقَدْ أُحْدِثَ فِي أُمَّتِهِ شَيْءٌ لَا تُطِيقُهُ . فَلَمَّا بَكَى هَؤُلَاءِ قَامَ فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ : " مَا يُبْكِيكُمْ ؟ " . قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، بَكَيْنَا لِبُكَائِكَ ، فَقُلْنَا : لَعَلَّهُ أُحْدِثَ فِي أُمَّتِكَ شَيْءٌ لَا تُطِيقُهُ ، قَالَ : " لَا وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُ ، وَلَكِنْ نَزَلْتُ عَلَى قَبْرِ أُمِّي 223 فَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَأْذَنَ لِي فِي شَفَاعَتِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَأَبَى اللَّهُ أَنْ يَأْذَنَ لِي ، فَرَحِمْتُهَا وَهِيَ أُمِّي ، فَبَكَيْتُ ، ثُمَّ جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ : ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) فَتَبَرَّأْ أَنْتَ مِنْ أُمِّكَ ، كَمَا تَبَرَّأَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَبِيهِ ، فَرَحِمْتُهَا وَهِيَ أُمِّي ، وَدَعَوْتُ رَبِّي أَنْ يَرْفَعَ عَنْ أُمَّتِي أَرْبَعًا ، فَرَفَعَ عَنْهُمُ اثْنَتَيْنِ ، وَأَبَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ اثْنَتَيْنِ : دَعَوْتُ رَبِّي أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الرَّجْمَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْغَرَقَ مِنَ الْأَرْضِ ، وَأَلَّا يُلْبِسَهُمْ شِيَعًا ، وَأَلَّا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرَّجْمَ مِنَ السَّمَاءِ ، وَالْغَرَقَ مِنَ الْأَرْضِ ، وَأَبَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الْقَتْلَ وَالْهَرْجَ " . وَإِنَّمَا عَدَلَ إِلَى قَبْرِ أُمِّهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَدْفُونَةً تَحْتَ كَدَاءٍ وَكَانَتْ عُسْفَانُ لَهُمْ .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَسِيَاقٌ عَجِيبٌ ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ وَأَشَدُّ نَكَارَةً مَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِ " السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ " بِسَنَدٍ مَجْهُولٍ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثٍ فِيهِ قِصَّةُ ۝ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أُمَّهُ فَآمَنَتْ ثُمَّ عَادَتْ . وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ السُّهَيْلِيُّ فِي " الرَّوْضِ " بِسَنَدٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ مَجْهُولُونَ : ۝ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا لَهُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فَآمَنَا بِهِ .
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ دِحْيَةَ : [ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْضُوعٌ يَرُدُّهُ الْقُرْآنُ وَالْإِجْمَاعُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ) [ النِّسَاءِ : 18 ] . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّ مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ . . . وَرَدَّ عَلَى ابْنِ دِحْيَةَ ] فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّ هَذِهِ حَيَاةٌ جَدِيدَةٌ ، كَمَا رَجَعَتِ الشَّمْسُ بَعْدَ غَيْبُوبَتِهَا فَصَلَّى عَلِيٌّ الْعَصْرَ ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَهُوَ [ حَدِيثٌ ] ثَابِتٌ ، يَعْنِي : حَدِيثُ الشَّمْسِ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فَلَيْسَ إِحْيَاؤُهُمَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا ، قَالَ : وَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ ، فَآمَنَ بِهِ . 224
قُلْتُ : وَهَذَا كُلُّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ ، فَإِذَا صَحَّ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، ۝ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) الْآيَةَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأُمِّهِ ، فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : " فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ اللَّهِ اسْتَغْفَرَ لِأَبِيهِ " ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ) الْآيَةَ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ : كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لَهُمْ ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَلَمَّا [ نَزَلَتْ أَمْسَكُوا عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِأَمْوَاتِهِمْ ، وَلَمْ يَنْهَهُمْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْأَحْيَاءِ حَتَّى يَمُوتُوا ] ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ ) الْآيَةَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ۝ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّ مِنْ آبَائِنَا مَنْ كَانَ يُحْسِنُ الْجِوَارَ ، وَيَصِلُ الْأَرْحَامَ ، وَيَفُكُّ الْعَانِي ، وَيُوفِي بِالذِّمَمِ ؛ أَفَلَا نَسْتَغْفِرُ لَهُمْ ؟ قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَلَى ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ لِأَبِي كَمَا اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ " . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) حَتَّى بَلَغَ : ( الْجَحِيمِ ) ثُمَّ عَذَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ : ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ : ۝ " أَوْحِيَ إِلَيَّ كَلِمَاتٌ ، فَدَخَلْنَ فِي أُذُنِي وَوَقَرْنَ فِي قَلْبِي : أُمِرْتُ أَلَّا أَسْتَغْفِرَ لِمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا ، وَمَنْ أَعْطَى فَضْلَ مَالِهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ، وَمَنْ أَمْسَكَ فَهُوَ شَرٌّ لَهُ ، وَلَا يَلُومُ اللَّهُ عَلَى كَفَافٍ " .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : مَاتَ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وَلَهُ ابْنٌ مُسْلِمٌ ، فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ وَيَدْفِنَهُ ، وَيَدْعُوَ لَهُ بِالصَّلَاحِ مَا دَامَ حَيًّا ، فَإِذَا مَاتَ وَكَلَهُ إِلَى شَأْنِهِ ثُمَّ قَالَ : ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) لَمْ يَدْعُ .
[ قُلْتُ ] وَهَذَا يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : ۝ لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ . قَالَ : " اذْهَبْ فَوَارِهِ وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِينِي " . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ .
وَيُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةُ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : " ۝ وَصَلَتْكَ رَحِمٌ يَا عَمِّ " . 225
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : مَا كُنْتُ لِأَدَعَ الصَّلَاةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ، وَلَوْ كَانَتْ حَبَشِيَّةً حُبْلَى مِنَ الزِّنَا ؛ لِأَنِّي لَمْ أَسْمَعِ اللَّهَ حَجَبَ الصَّلَاةَ إِلَّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، يَقُولُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ وَكِيعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عِصْمَةَ بْنِ زَامَلٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَلِأُمِّهِ . قُلْتُ : وَلِأَبِيهِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : إِنَّ أَبِي مَاتَ مُشْرِكًا .
وَقَوْلُهُ : ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا زَالَ إِبْرَاهِيمُ يَسْتَغْفِرُ لِأَبِيهِ حَتَّى مَاتَ ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ . وَفِي رِوَايَةٍ : لَمَّا مَاتَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ .
وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمْ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ .
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : إِنَّهُ يَتَبَرَّأُ مِنْهُ [ فِي ] يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَلْقَى أَبَاهُ ، وَعَلَى وَجْهِ أَبِيهِ الْغُبْرَةُ وَالْقُتْرَةُ فَيَقُولُ : يَا إِبْرَاهِيمُ ، إِنِّي كُنْتُ أَعْصِيكَ وَإِنِّي الْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ . فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّي ، أَلَمْ تَعِدْنِي أَلَّا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ؟ فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ ؟ فَيُقَالُ : انْظُرْ إِلَى مَا وَرَاءَكَ ، فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ ، أَيْ : قَدْ مُسِخَ ضِبْعَانًا ، ثُمَّ يُسْحَبُ بِقَوَائِمِهِ ، وَيُلْقَى فِي النَّارِ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : الْأَوَّاهُ : الدَّعَّاءُ . وَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامٍ ، حَدَّثَنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ قَالَ : ۝ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْأَوَّاهُ ؟ قَالَ : " الْمُتَضَرِّعُ " ، قَالَ : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ )
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامٍ ، بِهِ ، قَالَ : الْمُتَضَرِّعُ : الدَّعَّاءُ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الْأَوَّاهِ ، فَقَالَ : هُوَ الرَّحِيمُ .
وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَأَبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ : أَنَّهُ الرَّحِيمُ ، أَيْ : بِعِبَادِ اللَّهِ . 226
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْأَوَّاهُ : الْمُوقِنُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ . وَكَذَا قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ الْمُوقِنُ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، وَمُجَاهِدٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْأَوَّاهُ : الْمُؤْمِنُ - زَادَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ : الْمُؤْمِنُ التَّوَّابُ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنْهُ : هُوَ الْمُؤْمِنُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : هُوَ الْمُؤْمِنُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ؛ ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ " ذُو الْبِجَادَيْنِ " : " إِنَّهُ أَوَّاهٌ " ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَجُلٌ كَثِيرُ الذِّكْرِ لِلَّهِ فِي الْقُرْآنِ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي الدُّعَاءِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيُّ : الْأَوَّاهُ : الْمُسَبِّحُ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : لَا يُحَافِظُ عَلَى سُبْحَةِ الضُّحَى إِلَّا أَوَّاهٌ . وَقَالَ شُفَيُّ بْنُ مَاتِعٍ ، عَنْ أَيُّوبَ : الْأَوَّاهُ : الَّذِي إِذَا ذَكَرَ خَطَايَاهُ اسْتَغْفَرَ مِنْهَا .
وَعَنْ مُجَاهِدٍ : الْأَوَّاهُ : الْحَفِيظُ الْوَجِلُ ، يُذْنِبُ الذَّنْبَ سِرًّا ، ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهُ سِرًّا .
ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقٍ : ۝ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ وَيُسَبِّحُ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " إِنَّهُ أَوَّاهٌ " .
وَقَالَ أَيْضًا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، حَدَّثَنَا الْمِنْهَالُ بْنُ خَلِيفَةَ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَنَ مَيِّتًا ، فَقَالَ : " رَحِمَكَ اللَّهُ إِنْ كُنْتَ لَأَوَّاهًا " ! يَعْنِي : تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ وَقَالَ شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي يُونُسَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ - وَكَانَ أَصْلُهُ رُومِيًّا ، وَكَانَ قَاصًّا - يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ ۝ : كَانَ رَجُلٌ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ : " أَوِّهِ أَوِّهِ " ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّهُ أَوَّاهٌ . قَالَ : فَخَرَجْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْفِنُ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَيْلًا وَمَعَهُ الْمِصْبَاحُ .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَمَشَّاهُ .
وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ ) قَالَ : كَانَ إِذَا ذَكَرَ النَّارَ قَالَ : " أَوِّهِ مِنَ النَّارِ " . 227
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ ) قَالَ : فَقِيهٌ .
قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَمُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ الدَّعَّاءُ ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلسِّيَاقِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ إِنَّمَا اسْتَغْفَرَ لِأَبِيهِ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ، وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ كَثِيرَ الدُّعَاءِ حَلِيمًا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَأَنَالَهُ مَكْرُوهًا ؛ وَلِهَذَا اسْتَغْفَرَ لِأَبِيهِ مَعَ شِدَّةِ أَذَاهُ فِي قَوْلِهِ : ( أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) [ مَرْيَمَ : 46 ، 47 ] ، فَحَلُمَ عَنْهُ مَعَ أَذَاهُ لَهُ ، وَدَعَا لَهُ وَاسْتَغْفَرَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ )
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith