تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 164 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى : ( قُلْ ) يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ فِي إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ : ( أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ) أَيْ : أَطْلُبُ رَبًّا سِوَاهُ ، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، يَرُبُّنِي وَيَحْفَظُنِي وَيَكْلَؤُنِي وَيُدَبِّرُ أَمْرِي ، أَيْ : لَا أَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ ، وَلَا أُنِيبُ إِلَّا إِلَيْهِ; لِأَنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ ، وَلَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ .
هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا الْأَمْرُ بِإِخْلَاصِ التَّوَكُّلِ ، كَمَا تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَهَذَا الْمَعْنَى يُقْرَنُ بِالْآخَرِ كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى مُرْشِدًا لِعِبَادِهِ أَنْ يَقُولُوا : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) [ الْفَاتِحَةِ : 5 ] ، وَقَوْلُهُ ( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) [ هُودٍ : 123 ] ، وَقَوْلُهُ ( قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ) [ الْمُلْكِ : 29 ] ، وَقَوْلُهُ ( رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) [ الْمُزَّمِّلِ : 9 ] ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاقِعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي 384 جَزَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمِهِ وَعَدْلِهِ ، أَنَّ النُّفُوسَ إِنَّمَا تُجَازَى بِأَعْمَالِهَا إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ ، وَأَنَّهُ لَا يُحْمَلُ مِنْ خَطِيئَةِ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ . وَهَذَا مِنْ عَدْلِهِ تَعَالَى ، كَمَا قَالَ : ( وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ) [ فَاطِرَ : 18 ] ، وَقَوْلُهُ ( فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ) [ طه : 112 ] ، قَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ : فَلَا يُظْلَمُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ ، وَلَا يُهْضَمُ بِأَنْ يُنْقَصَ مِنْ حَسَنَاتِهِ . وَقَالَ تَعَالَى : ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ) [ الْمُدَّثِّرِ : 38 ، 39 ] ، مَعْنَاهُ : كُلُّ نَفْسٍ مُرْتَهِنَةٌ بِعَمَلِهَا السَّيِّئِ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ، فَإِنَّهُ قَدْ تَعُودُ بَرَكَاتُ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ عَلَى ذَرَارِيهِمْ ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الطُّورِ : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) [ الْآيَةَ : 21 ] ، أَيْ : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ فِي الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ شَارَكُوهُمْ فِي الْأَعْمَالِ ، بَلْ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ ، ( وَمَا أَلَتْنَاهُمْ ) أَيْ : أَنْقَصْنَا أُولَئِكَ السَّادَةَ الرُّفَعَاءَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ شَيْئًا حَتَّى سَاوَيْنَاهُمْ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَنْقَصُ مِنْهُمْ مَنْزِلَةً ، بَلْ رَفَعَهُمْ تَعَالَى إِلَى مَنَازِلِ الْآبَاءِ بِبَرَكَةِ أَعْمَالِهِمْ ، بِفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ ثُمَّ قَالَ : ( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) [ الطَّوْرِ : 21 ] ، أَيْ : مِنْ شَرٍّ .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) أَيِ : اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ ، فَسَتُعْرَضُونَ وَنُعْرَضُ عَلَيْهِ ، وَيُنْبِئُنَا وَإِيَّاكُمْ بِأَعْمَالِنَا وَأَعْمَالِكُمْ ، وَمَا كُنَّا نَخْتَلِفُ فِيهِ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ) [ سَبَأٍ : 25 ، 26 ] .
يَقُولُ تَعَالَى : ( قُلْ ) يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ فِي إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ : ( أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ) أَيْ : أَطْلُبُ رَبًّا سِوَاهُ ، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، يَرُبُّنِي وَيَحْفَظُنِي وَيَكْلَؤُنِي وَيُدَبِّرُ أَمْرِي ، أَيْ : لَا أَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ ، وَلَا أُنِيبُ إِلَّا إِلَيْهِ; لِأَنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ ، وَلَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ .
هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا الْأَمْرُ بِإِخْلَاصِ التَّوَكُّلِ ، كَمَا تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . وَهَذَا الْمَعْنَى يُقْرَنُ بِالْآخَرِ كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى مُرْشِدًا لِعِبَادِهِ أَنْ يَقُولُوا : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) [ الْفَاتِحَةِ : 5 ] ، وَقَوْلُهُ ( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) [ هُودٍ : 123 ] ، وَقَوْلُهُ ( قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ) [ الْمُلْكِ : 29 ] ، وَقَوْلُهُ ( رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) [ الْمُزَّمِّلِ : 9 ] ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاقِعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي 384 جَزَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمِهِ وَعَدْلِهِ ، أَنَّ النُّفُوسَ إِنَّمَا تُجَازَى بِأَعْمَالِهَا إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ ، وَأَنَّهُ لَا يُحْمَلُ مِنْ خَطِيئَةِ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ . وَهَذَا مِنْ عَدْلِهِ تَعَالَى ، كَمَا قَالَ : ( وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ) [ فَاطِرَ : 18 ] ، وَقَوْلُهُ ( فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ) [ طه : 112 ] ، قَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ : فَلَا يُظْلَمُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ ، وَلَا يُهْضَمُ بِأَنْ يُنْقَصَ مِنْ حَسَنَاتِهِ . وَقَالَ تَعَالَى : ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ) [ الْمُدَّثِّرِ : 38 ، 39 ] ، مَعْنَاهُ : كُلُّ نَفْسٍ مُرْتَهِنَةٌ بِعَمَلِهَا السَّيِّئِ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ، فَإِنَّهُ قَدْ تَعُودُ بَرَكَاتُ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ عَلَى ذَرَارِيهِمْ ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الطُّورِ : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) [ الْآيَةَ : 21 ] ، أَيْ : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ فِي الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ شَارَكُوهُمْ فِي الْأَعْمَالِ ، بَلْ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ ، ( وَمَا أَلَتْنَاهُمْ ) أَيْ : أَنْقَصْنَا أُولَئِكَ السَّادَةَ الرُّفَعَاءَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ شَيْئًا حَتَّى سَاوَيْنَاهُمْ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَنْقَصُ مِنْهُمْ مَنْزِلَةً ، بَلْ رَفَعَهُمْ تَعَالَى إِلَى مَنَازِلِ الْآبَاءِ بِبَرَكَةِ أَعْمَالِهِمْ ، بِفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ ثُمَّ قَالَ : ( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) [ الطَّوْرِ : 21 ] ، أَيْ : مِنْ شَرٍّ .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) أَيِ : اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ ، فَسَتُعْرَضُونَ وَنُعْرَضُ عَلَيْهِ ، وَيُنْبِئُنَا وَإِيَّاكُمْ بِأَعْمَالِنَا وَأَعْمَالِكُمْ ، وَمَا كُنَّا نَخْتَلِفُ فِيهِ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ) [ سَبَأٍ : 25 ، 26 ] .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith