تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 481 · printed p. 369
( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 154 ) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 155 ) ) .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : ( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) تَقْدِيرُهُ : ثُمَّ قُلْ - يَا مُحَمَّدُ - مُخْبِرًا عَنَّا بِأَنَّا آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ) .
قُلْتُ : وَفِي هَذَا نَظَرٌ ، وَ " ثُمَّ " هَاهُنَا إِنَّمَا هِيَ لِعَطْفِ الْخَبَرِ بَعْدَ الْخَبَرِ ، لَا لِلتَّرْتِيبِ هَاهُنَا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ﴿﴾ ﴿﴾ ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ ﴿﴾ وَهَاهُنَا لَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ : ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ) عَطَفَ بِمَدْحِ التَّوْرَاةِ وَرَسُولِهَا ، فَقَالَ : ( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ ذِكْرِ الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا ) [ الْأَحْقَافِ : 12 ] ، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ : ( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ) [ الْآيَةَ : 91 ] ، وَبَعْدَهَا ( وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ) الْآيَةَ [ الْأَنْعَامِ : 92 ] ، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ : ( فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى ) قَالَ تَعَالَى : ( أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) [ الْقَصَصِ : 48 ] ، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْجِنِّ أَنَّهُمْ قَالُوا : ( قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ الْأَحْقَافِ : 30 ] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا ) أَيْ : آتَيْنَاهُ الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْهِ تَمَامًا كَامِلًا جَامِعًا لِجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي شَرِيعَتِهِ ، كَمَا قَالَ : ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) الْآيَةَ [ الْأَعْرَافِ : 145 ] .
369 وَقَوْلُهُ : ( عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ) أَيْ : جَزَاءً عَلَى إِحْسَانِهِ فِي الْعَمَلِ ، وَقِيَامِهِ بِأَوَامِرِنَا وَطَاعَتِنَا ، كَقَوْلِهِ : ( هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ) [ الرَّحْمَنِ : 60 ] ، وَكَقَوْلِهِ ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) [ الْبَقَرَةِ : 124 ] ، وَقَوْلُهُ : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) [ السَّجْدَةِ : 24 ] .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : ( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ) يَقُولُ : أَحْسَنَ فِيمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : مَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا تَمَّمَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ .
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ : ( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا ) عَلَى إِحْسَانِهِ . فَكَأَنَّهُ جَعَلَ " الَّذِي " مَصْدَرِيَّةً ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ) [ التَّوْبَةِ : 69 ] أَيْ : كَخَوْضِهِمْ وَقَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ :
﴿﴾ فَثَبَّتَ اللَّهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ ﴿﴾ ﴿﴾ فِي الْمَرْسَلِينَ وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا ﴿﴾ وَقَالَ آخَرُونَ : " الَّذِي " هَاهُنَا بِمَعْنَى " الَّذِينَ "
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا : " تَمَامًا عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا "
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ) قَالَ : عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُحْسِنِينَ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ . قَالَ الْبَغَوِيُّ : وَالْمُحْسِنُونَ : الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، يَعْنِي : أَظْهَرْنَا فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ .
قُلْتُ : كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي ) [ الْأَعْرَافِ : 144 ] ، وَلَا يَلْزَمُ اصْطِفَاؤُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْخَلِيلِ ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لِأَدِلَّةٍ أُخَرَ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَرَوَى أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا " تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ " رَفْعًا ، بِتَأْوِيلِ : " عَلَى الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ " ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ لَهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ وَجْهٌ صَحِيحٌ .
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : تَمَامًا عَلَى إِحْسَانِ اللَّهِ إِلَيْهِ زِيَادَةً عَلَى مَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَالْبَغَوِيُّ .
وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَبِهِ جَمَعَ ابْنُ جَرِيرٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً ) فِيهِ مَدْحٌ لِكِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، ( لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) فِيهِ الدَّعْوَةُ إِلَى اتِّبَاعِ الْقُرْآنِ وَوَصْفِهِ بِالْبَرَكَةِ لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَعَمِلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith