تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 457 · printed p. 325
( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ( 121 ) ) .
اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا تَحِلُّ الذَّبِيحَةُ الَّتِي لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا ، وَلَوْ كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ :
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا تَحِلُّ هَذِهِ الذَّبِيحَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَسَوَاءٌ مَتْرُوكٌ التَّسْمِيَةُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا . وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَنَافِعٍ مَوْلَاهُ ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نَصَرَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ أَبُو الْفُتُوحِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الطَّائِيُّ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ فِي كِتَابِهِ " الْأَرْبَعِينَ " ، وَاحْتَجُّوا لِمَذْهَبِهِمْ هَذَا بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَبِقَوْلِهِ فِي آيَةِ الصَّيْدِ : ( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ) [ الْمَائِدَةِ : 4 ] . ثُمَّ قَدْ أَكَّدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ : ( وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) وَالضَّمِيرُ قِيلَ : عَائِدٌ عَلَى الْأَكْلِ ، وَقِيلَ : عَائِدٌ عَلَى الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ - وَبِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَمْرِ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبِيحَةِ وَالصَّيْدِ ، كَحَدِيثَيْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ : " ۝ إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ " وَهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ - وَحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ . " ۝ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ " وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْجِنِّ : " ۝ لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَحَدِيثِ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ۝ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ " أَخْرَجَاهُ وَعَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، ۝ أَنَّ نَاسًا قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي : أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ : " سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوا " قَالَتْ : وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَا بُدَّ مِنْهَا ، وَأَنَّهُمْ خَشُوا أَلَّا تَكُونَ وُجِدَتْ مِنْ أُولَئِكَ ، لِحَدَاثَةِ إِسْلَامِهِمْ ، فَأَمَرَهُمْ بِالِاحْتِيَاطِ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ ، لِتَكُونَ كَالْعِوَضِ عَنِ الْمَتْرُوكَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ إِنْ لَمْ تَكُنْ وُجِدَتْ ، وَأَمَرَهُمْ بِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى السَّدَادِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي فِي الْمَسْأَلَةِ : أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ ، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ ، فَإِنْ تُرِكَتْ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا لَمْ تَضُرَّ وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ . نَقَلَهَا 325 عَنْهُ حَنْبَلٌ . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ : ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) عَلَى مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) [ الْأَنْعَامِ : 145 ] .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ : ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) قَالَ : يَنْهَى عَنْ ذَبَائِحَ كَانَتْ تَذْبَحُهَا قُرَيْشٌ عَنِ الْأَوْثَانِ ، وَيَنْهَى عَنْ ذَبَائِحِ الْمَجُوسِ ، وَهَذَا الْمَسْلَكُ الَّذِي طَرَقَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوِيٌّ ، وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنْ يُقَوِّيَهُ بِأَنْ جَعَلَ " الْوَاوَ " فِي قَوْلِهِ : ( وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) حَالِيَّةً ، أَيْ : لَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي حَالِ كَوْنِهِ فِسْقًا ، وَلَا يَكُونُ فِسْقًا حَتَّى يَكُونَ قَدْ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ . ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ هَذَا مُتَعَيَّنٌ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ " الْوَاوُ " عَاطِفَةً . لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ عَطْفُ جُمْلَةٍ إِسْمِيَّةٍ خَبَرِيَّةٍ عَلَى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ طَلَبِيَّةٍ . وَهَذَا يَنْتَقِضُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ) فَإِنَّهَا عَاطِفَةٌ لَا مَحَالَةَ ، فَإِنْ كَانَتِ " الْوَاوُ " الَّتِي ادَّعَى أَنَّهَا حَالِيَّةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى مَا قَالَ; امْتَنَعَ عَطْفُ هَذِهِ عَلَيْهَا ، فَإِنْ عُطِفَتْ عَلَى الطَّلَبِيَّةِ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدَ عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ " الْوَاوُ " حَالِيَّةً ، بَطَلَ مَا قَالَ مِنْ أَصْلِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) قَالَ : هِيَ الْمَيْتَةُ .
ثُمَّ رَوَاهُ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ - وَهُوَ ابْنُ السَّائِبِ - بِهِ .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ ، مِنْ حَدِيثِ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الصَّلْتِ السَّدُوسِيِّ - مَوْلَى سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ أَحَدِ التَّابِعَيْنِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ۝ ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ ، إِنَّهُ إِنْ ذَكَرَ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا اسْمَ اللَّهِ "
وَهَذَا مُرْسَلٌ يُعَضَّدُ بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا ذَبَحَ الْمُسْلِمُ - وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ فَلْيَأْكُلْ ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ "
وَاحْتَجَّ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، الْمُتَقَدِّمِ ۝ أَنَّ نَاسًا قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ قَوْمًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ يَأْتُونَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ : " سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا " قَالَ : فَلَوْ كَانَ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ شَرْطًا لَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ إِلَّا مَعَ تَحَقُّقِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ فِي الْمَسْأَلَةِ : أَنَّهُ إِنْ تَرَكَ الْبَسْمَلَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ نِسْيَانًا لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا لَمْ تَحِلَّ .
326 هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ .
وَنَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَرْغِيَنَانِيُّ فِي كِتَابِهِ " الْهِدَايَةِ " الْإِجْمَاعَ - قَبْلَ الشَّافِعِيِّ عَلَى تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا ، فَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْمَشَايِخُ : لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِجَوَازِ بَيْعِهِ لَمْ يَنْفُذْ لِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ عَمَّنْ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ : مَنْ حَرَّمَ ذَبِيحَةَ النَّاسِي ، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْحُجَّةِ ، وَخَالَفَ الْخَبَرَ الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ .
يَعْنِي مَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ الطَّرْسُوسِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ۝ الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ ، إِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ ، فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَلْيَأْكُلْهُ "
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَفْعُهُ خَطَأٌ ، أَخْطَأَ فِيهِ مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجَزِيرِيُّ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ إِلَّا أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيَّ رَوَيَاهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِنْ قَوْلِهِ . فَزَادَا فِي إِسْنَادِهِ " أَبَا الشَّعْثَاءِ " ، وَوَقَفَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَهَذَا أَصَحُّ ، نَصَّ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ .
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ . عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، أَنَّهُمَا كَرِهَا مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ نِسْيَانًا ، وَالسَّلَفُ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهِيَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ كَثِيرًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . إِلَّا أَنَّ مِنْ قَاعِدَةِ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ قَوْلَ الْوَاحِدِ وَلَا الِاثْنَيْنِ مُخَالِفًا لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ ، فَيُعِدُّهُ إِجْمَاعًا ، فَلْيُعْلَمْ هَذَا ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ جَهِيرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : سُئِلَ الْحَسَنُ ، سَأَلَهُ رَجُلٌ : أَتَيْتُ بِطَيْرٍ كَرًى فَمِنْهُ مَا قَدْ ذُبِحَ فَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ مَا نُسِيَ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَطَ الطَّيْرُ ، فَقَالَ الْحَسَنُ : كُلْهُ ، كُلْهُ . قَالَ : وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ فَقَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) .
وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي ذَرٍّ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ ، مِنْ حَدِيثِ مَرْوَانَ بْنِ سَالِمٍ الْقُرْقُسَانِيِّ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ 327 يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ۝ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ مِنَّا يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اسْمُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ "
وَلَكِنَّ هَذَا إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، فَإِنَّ مَرْوَانَ بْنَ سَالِمٍ الْقُرْقُسَانِيَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيَّ ، ضَعِيفٌ ، تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ أَفْرَدْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى حِدَةٍ ، وَذَكَرْتُ مَذَاهِبَ الْأَئِمَّةِ وَمَآخِذَهُمْ وَأَدِلَّتَهُمْ ، وَوَجْهَ الدَّلَالَاتِ وَالْمُنَاقَضَاتِ وَالْمُعَارَضَاتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : هَلْ نُسِخَ مِنْ حُكْمِهَا شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ وَهِيَ مُحْكَمَةٌ فِيمَا عُنِيَتْ بِهِ . وَعَلَى هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ . مَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَا قَالَ اللَّهُ : ( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ) وَقَالَ ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) فَنُسِخَ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ : ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ) [ الْمَائِدَةِ : 5 ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : قُرِئَ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ مَزِيدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنِي النُّعْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُنْذِرِ - عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ : أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ : ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) ثُمَّ نَسَخَهَا الرَّبُّ وَرَحِمَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ : ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ) فَنَسَخَهَا بِذَلِكَ وَأَحَلَّ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ حِلِّ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَبَيْنَ تَحْرِيمِ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ ، وَمَنْ أَطْلَقَ مِنَ السَّلَفِ النَّسْخَ هَاهُنَا فَإِنَّمَا أَرَادَ التَّخْصِيصَ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
328 وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ : إِنَّ الْمُخْتَارَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ؟ قَالَ : صَدَقَ ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ) .
وَحَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ قَالَ : كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَجَّ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَزَعَمَ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : صَدَقَ ، فَنَفَرْتُ وَقُلْتُ : يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ صَدَقَ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُمَا وَحْيَانِ ، وَحْيُ اللَّهِ ، وَوَحْيُ الشَّيْطَانِ ، فَوَحْيُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَوَحْيُ الشَّيْطَانِ إِلَى أَوْلِيَائِهِ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ) .
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) نَحْوَ هَذَا .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( لِيُجَادِلُوكُمْ ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : خَاصَمَتِ الْيَهُودُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلْنَا ، وَلَا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللَّهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) .
هَكَذَا رَوَاهُ مُرْسَلًا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُتَّصِلًا فَقَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلْنَا وَلَا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللَّهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى - وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، بِهِ .
وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْحَرَشِيِّ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، بِهِ . وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدِهَا :
أَنَّ الْيَهُودَ لَا يَرَوْنَ إِبَاحَةَ الْمَيْتَةِ حَتَّى يُجَادِلُوا .
الثَّانِي : أَنَّ الْآيَةَ مِنَ الْأَنْعَامِ ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ .
الثَّالِثِ : أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْحَرَشِيِّ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ : أَتَى 329 نَاسٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) أَرْسَلَتْ فَارِسُ إِلَى قُرَيْشٍ : أَنْ خَاصِمُوا مُحَمَّدًا وَقُولُوا لَهُ : كَمَا تَذْبَحُ أَنْتَ بِيَدِكَ بِسِكِّينٍ فَهُوَ حَلَالٌ ، وَمَا ذَبَحَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بِشِمْشِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ - يَعْنِي الْمَيْتَةَ - فَهُوَ حَرَامٌ . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ) قَالَ : " الشَّيَاطِينَ " مِنْ فَارِسَ ، وَ " أَوْلِيَائِهِمْ " مِنْ قُرَيْشٍ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ) يَقُولُونَ : مَا ذَبَحَ اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُوهُ . وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ فَكُلُوهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، بِهِ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْيَهُودِ ، فَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : إِنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَاتَبُوا فَارِسَ عَلَى الرُّومِ ، وَكَاتَبَتْهُمْ فَارِسُ ، وَكَتَبَتْ فَارِسُ إِلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ : أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ أَمْرَ اللَّهِ ، فَمَا ذَبَحَ اللَّهُ بِسِكِّينٍ مِنْ ذَهَبٍ فَلَا يَأْكُلُهُ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ - لِلْمَيْتَةِ - وَمَا ذَبَحُوهُ هُمْ يَأْكُلُونَ . فَكَتَبَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَقَعَ فِي أَنْفُسِ نَاسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) وَنَزَلَتْ : ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) .
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ : كَيْفَ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تَتَّبِعُونَ مَرْضَاةَ اللَّهِ ، وَمَا ذَبَحَ اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُونَهُ ، وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ أَكَلْتُمُوهُ؟ فَقَالَ اللَّهُ : ( وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ ) فَأَكَلْتُمُ الْمَيْتَةَ ( إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) .
وَهَكَذَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) أَيْ : حَيْثُ عَدَلْتُمْ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ لَكُمْ وَشَرْعِهِ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِ ، فَقَدَّمْتُمْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ فَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [ التَّوْبَةِ : 31 ] . 330 وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا ، ۝ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا عَبَدُوهُمْ ، فَقَالَ : " بَلْ إِنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ ، فَاتَّبَعُوهُمْ ، فَذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ "
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith