تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
197 ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 96 ) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 97 ) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ( 99 ) )
قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ : يَعْنِي : مَا يَصْطَادُ مِنْهُ طَرِيًّا ) وَطَعَامُهُ ) مَا يَتَزَوَّدُ مِنْهُ مَلِيحًا يَابِسًا .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ : صَيْدُهُ مَا أُخِذَ مِنْهُ حَيًّا ) وَطَعَامُهُ ) مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا .
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ .
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ : ( وَطَعَامُهُ ) كُلُّ مَا فِيهِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فَقَالَ : ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ ) وَطَعَامُهُ مَا قُذِفَ .
قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ) قَالَ ) وَطَعَامُهُ ) مَا قُذِفَ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( وَطَعَامُهُ ) مَا لَفَظَ مِنْ مَيْتَةٍ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ حَيًّا ، أَوْ حَسِرَ عَنْهُ فَمَاتَ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ : إِنَّ الْبَحْرَ قَدْ قَذَفَ حِيتَانًا كَثِيرًا مَيْتًا أَفَنَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ : لَا تَأْكُلُوهُ . فَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِهِ أَخَذَ الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْمَائِدَةِ ، فَأَتَى هَذِهِ الْآيَةَ ( وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) فَقَالَ : اذْهَبْ فَقُلْ لَهُ فَلْيَأْكُلْهُ ، فَإِنَّهُ طَعَامُهُ .
وَهَكَذَا اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِطَعَامِهِ مَا مَاتَ فِيهِ ، قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِيهِ مَوْقُوفًا .
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ ) قَالَ : طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا " .
ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ وَقَفَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ :
198
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ : ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ) قَالَ : طَعَامُهُ : مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا .
وَقَوْلُهُ : ( مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) أَيْ : مَنْفَعَةً وَقُوتًا لَكُمْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ ) وَلِلسَّيَّارَةِ ) وَهُوَ جَمْعُ سَيَّارٍ . قَالَ عِكْرِمَةُ : لِمَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْبَحْرِ ، وَلِلسَّيَّارَةِ : السَفَرُ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : الطَّرِيُّ مِنْهُ لِمَنْ يَصْطَادُهُ مِنْ حَاضِرَةِ الْبَحْرِ ، وَ ) طَعَامُهُ ) مَا مَاتَ فِيهِ أَوِ اصْطِيدَ مِنْهُ وَمُلِّحَ وَقُدِّدَ زَادًا لِلْمُسَافِرِينَ وَالنَّائِينَ عَنِ الْبَحْرِ .
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمْ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى حِلِّ مَيْتَةِ الْبَحْرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، وَبِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ ، قَالَ : وَأَنَا فِيهِمْ . قَالَ : فَخَرَجْنَا ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ ، فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ ، قَالَ : فَكَانَ يُقَوِّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةً تَمْرَةً . فَقُلْتُ : وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ : فَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ ، قَالَ : ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً . ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ ، وَمَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا .
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ جَابِرٍ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : فَإِذَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِثْلُ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا : الْعَنْبَرُ قَالَ : قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَيِّتَةٌ ، ثُمَّ قَالَ : لَا نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا قَالَ : فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا . وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ ، أَوْ : كَقَدْرِ الثَّوْرِ ، قَالَ : وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ ، وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَهَا ، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بِعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا ، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ . فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : " هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ ، هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ " قَالَ : فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ فَأَكَلَهُ . وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ : أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وَجَدُوا هَذِهِ السَّمَكَةَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ وَاقِعَةٌ أُخْرَى ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ هِيَ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَكِنْ كَانُوا أَوَّلًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ سَرِيَّةً مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ ، فَوَجَدُوا هَذِهِ فِي سَرِيَّتِهِمْ تِلْكَ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 199
وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ - مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ : أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - أَخْبَرَهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا ، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ " .
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامَانِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَغَيْرُهُمْ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ .
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمُهَزِّمِ - هُوَ يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ - سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجٍّ - أَوْ عُمْرَةٍ - فَاسْتَقْبَلْنَا رِجْلَ جَرَادٍ ، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُنَّ بِعِصِيِّنَا وَسِيَاطِنَا فَنَقْتُلُهُنَّ ، فَأُسْقِطَ فِي أَيْدِينَا ، فَقُلْنَا : مَا نَصْنَعُ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " لَا بَأْسَ بِصَيْدِ الْبَحْرِ "
أَبُو الْمُهَزِّمِ ضَعِيفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالُ ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُلَاثَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا دَعَا عَلَى الْجَرَادِ قَالَ : " اللَّهُمَّ أَهْلِكْ كِبَارَهُ ، وَاقْتُلْ صِغَارَهُ ، وَأَفْسِدْ بَيْضَهُ ، وَاقْطَعْ دَابِرَهُ ، وَخُذْ بِأَفْوَاهِهِ عَنْ مَعَايِشِنَا وَأَرْزَاقِنَا ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ " . فَقَالَ خَالِدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَدْعُو عَلَى جُنْدٍ مِنْ أَجْنَادِ اللَّهِ بِقَطْعِ دَابِرِهِ؟ فَقَالَ : " إِنَّ الْجَرَادَ نَثْرَةُ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ " . قَالَ هَاشِمٌ : قَالَ زِيَادٌ : فَحَدَّثَنِي مَنْ رَأَى الْحُوتَ يَنْثُرُهُ . تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ .
وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَصِيدُ الْجَرَادَ فِي الْحَرَمِ .
وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ تُؤْكَلُ دَوَابُّ الْبَحْرِ ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ : ( طَعَامُهُ ) كُلُّ مَا فِيهِ .
وَقَدِ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمُ الضَّفَادِعَ وَأَبَاحَ مَا سِوَاهَا ; لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نَهَى عَنْ قَتْلِ الضِّفْدِعِ " . 200
وَلِلنَّسَائِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدِعِ ، وَقَالَ : نَقِيقُهَا تَسْبِيحٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : يُؤْكَلُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ السَّمَكُ ، وَلَا يُؤْكَلُ الضِّفْدِعُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُمَا ، فَقِيلَ : يُؤْكَلُ سَائِرُ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : لَا يُؤْكَلُ . وَقِيلَ : مَا أُكِلَ شَبَهَهُ مِنَ الْبَرِّ أُكِلَ مِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ شَبَهُهُ لَا يُؤْكَلُ . وَهَذِهِ كُلُّهَا وُجُوهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يُؤْكَلُ مَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ ، كَمَا لَا يُؤْكَلُ مَا مَاتَ فِي الْبَرِّ ; لِعُمُومِ قَوْلِهِ : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) [ الْمَائِدَةِ : 3 ] .
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ بِنَحْوِ ذَلِكَ ، فَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ :
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي - هُوَ ابْنُ قَانِعٍ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ الطَّحَّانُ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا صِدْتُمُوهُ وَهُوَ حَيٌّ فَمَاتَ فَكُلُوهُ ، وَمَا أَلْقَى الْبَحْرُ مَيِّتًا طَافِيًا فَلَا تَأْكُلُوهُ " .
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ بِهِ . وَهُوَ مُنْكَرٌ .
وَقَدِ احْتَجَّ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، بِحَدِيثِ " الْعَنْبَرِ " الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَبِحَدِيثِ : " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ " ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطُّحَالُ " .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ . وَلَهُ شَوَاهِدُ ، وَرُوِيَ مَوْقُوفًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ) أَيْ : فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ يَحْرُمُ عَلَيْكُمُ الِاصْطِيَادُ . فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمٍ ذَلِكَ فَإِذَا اصْطَادَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا أَثِمَ وَغُرِّمَ ، أَوْ مُخْطِئًا غُرِّمَ وَحَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ ; لِأَنَّهُ فِي حَقِّهِ كَالْمَيْتَةِ ، وَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ وَالْمُحِلِّينَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - وَبِهِ يَقُولُ عَطَاءٌ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَغَيْرُهُمْ . فَإِنْ 201 أَكَلَهُ أَو شَيْئًا مِنْهُ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ :
أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : إِنْ ذَبَحَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ فَكَفَّارَتَانِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ .
وَالثَّانِي : لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ بِأَكْلِهِ . نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَعَلَى هَذَا مَذَاهِبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . ثُمَّ وَجَّهَهُ أَبُو عُمَرَ بِمَا لَوْ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَحُدَّ ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ ، وَحَلَالٌ أَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ ، إِلَّا أَنَّنِي أَكْرَهُهُ لِلَّذِي قَتَلَهُ ، لِلْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ
أَوْ يُصَدْ لَكُمْ " .
وَهَذَا الْحَدِيثُ سَيَأْتِي بَيَانُهُ . وَقَوْلُهُ بِإِبَاحَتِهِ لِلْقَاتِلِ غَرِيبٌ ، وَأَمَّا لِغَيْرِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ . قَدْ ذَكَرْنَا الْمَنْعَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ . بِإِبَاحَتِهِ لِغَيْرِ الْقَاتِلِ ، سَوَاءٌ الْمُحْرِمُونَ وَالْمُحِلُّونَ ; لِهَذَا الْحَدِيثِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا إِذَا صَادَ حَلَالٌ صَيْدًا فَأَهْدَاهُ إِلَى مُحْرِمٍ ، فَقَدْ ذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى إِبَاحَتِهِ مُطْلَقًا ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَادَهُ لِأَجْلِهِ أَمْ لَا . حَكَى هَذَا الْقَوْلَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ - فِي رِوَايَةٍ - وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . قَالَ : وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ حَدَّثَهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ صَادَهُ حَلَالٌ ، أَيَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ : فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ . ثُمَّ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ، فَقَالَ : لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ هَذَا لَأَوْجَعْتُ لَكَ رَأْسَكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَجُوزُ أَكْلُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرمِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا ; لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ . وَقَالَ : هِيَ مُبْهَمَةٌ . يَعْنِي قَوْلَهُ : ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ) .
قَالَ : وَأَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ; أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
202
قَالَ مَعْمَرٌ : وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، مِثْلَهُ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - فِي رِوَايَةٍ - وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ عَلِيًّا كَرِهَ لَحْمَ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - فِي رِوَايَةٍ - وَالْجُمْهُورُ : إِنْ كَانَ الْحَلَالُ قَدْ قَصَدَ الْمُحْرِمَ بِذَلِكَ الصَّيْدِ ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ ; لِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ : أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحَشِيًا ، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ - أَوْ : بِوَدَّانَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ : " إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ " .
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَلَهُ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ قَالُوا : فَوَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَنَّ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا صَادَهُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَرَدَّهُ لِذَلِكَ . فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْصِدْهُ بِالِاصْطِيَادِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ ; لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ حِينَ صَادَ حِمَارَ وَحْشٍ ، كَانَ حَلَالًا لَمْ يُحْرِمْ ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مُحْرِمِينَ ، فَتَوَقَّفُوا فِي أَكْلِهِ . ثُمَّ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " هَلْ كَانَ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَشَارَ إِلَيْهَا ، أَوْ أَعَانَ فِي قَتْلِهَا؟ " قَالُوا : لَا . قَالَ : " فَكُلُوا " . وَأَكَلَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ ثَابِتَةٌ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - وَقَالَ قُتَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - يَقُولُ : " صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ - قَالَ سَعِيدٌ : وَأَنْتُمْ حُرُمٌ - مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ " .
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا ، عَنْ قُتَيْبَةَ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا نَعْرِفُ لِلْمُطَّلِبِ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ مَوْلَاهُ الْمُطَّلِبِ ، عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَقْيَسُ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانَ ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ فَقَالَ 203 لِأَصْحَابِهِ : كُلُوا ، فَقَالُوا : أَوَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ : إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ ، إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي .
قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ : يَعْنِي : مَا يَصْطَادُ مِنْهُ طَرِيًّا ) وَطَعَامُهُ ) مَا يَتَزَوَّدُ مِنْهُ مَلِيحًا يَابِسًا .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ : صَيْدُهُ مَا أُخِذَ مِنْهُ حَيًّا ) وَطَعَامُهُ ) مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا .
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ .
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ : ( وَطَعَامُهُ ) كُلُّ مَا فِيهِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فَقَالَ : ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ ) وَطَعَامُهُ مَا قُذِفَ .
قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ) قَالَ ) وَطَعَامُهُ ) مَا قُذِفَ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( وَطَعَامُهُ ) مَا لَفَظَ مِنْ مَيْتَةٍ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ حَيًّا ، أَوْ حَسِرَ عَنْهُ فَمَاتَ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ : إِنَّ الْبَحْرَ قَدْ قَذَفَ حِيتَانًا كَثِيرًا مَيْتًا أَفَنَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ : لَا تَأْكُلُوهُ . فَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِهِ أَخَذَ الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْمَائِدَةِ ، فَأَتَى هَذِهِ الْآيَةَ ( وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) فَقَالَ : اذْهَبْ فَقُلْ لَهُ فَلْيَأْكُلْهُ ، فَإِنَّهُ طَعَامُهُ .
وَهَكَذَا اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِطَعَامِهِ مَا مَاتَ فِيهِ ، قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِيهِ مَوْقُوفًا .
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ ) قَالَ : طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا " .
ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ وَقَفَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ :
198
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ : ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ) قَالَ : طَعَامُهُ : مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا .
وَقَوْلُهُ : ( مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) أَيْ : مَنْفَعَةً وَقُوتًا لَكُمْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ ) وَلِلسَّيَّارَةِ ) وَهُوَ جَمْعُ سَيَّارٍ . قَالَ عِكْرِمَةُ : لِمَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْبَحْرِ ، وَلِلسَّيَّارَةِ : السَفَرُ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : الطَّرِيُّ مِنْهُ لِمَنْ يَصْطَادُهُ مِنْ حَاضِرَةِ الْبَحْرِ ، وَ ) طَعَامُهُ ) مَا مَاتَ فِيهِ أَوِ اصْطِيدَ مِنْهُ وَمُلِّحَ وَقُدِّدَ زَادًا لِلْمُسَافِرِينَ وَالنَّائِينَ عَنِ الْبَحْرِ .
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمْ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى حِلِّ مَيْتَةِ الْبَحْرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، وَبِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ ، قَالَ : وَأَنَا فِيهِمْ . قَالَ : فَخَرَجْنَا ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ ، فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ ، قَالَ : فَكَانَ يُقَوِّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةً تَمْرَةً . فَقُلْتُ : وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ : فَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ ، قَالَ : ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً . ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ ، وَمَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا .
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ جَابِرٍ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : فَإِذَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِثْلُ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا : الْعَنْبَرُ قَالَ : قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَيِّتَةٌ ، ثُمَّ قَالَ : لَا نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا قَالَ : فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا . وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ ، أَوْ : كَقَدْرِ الثَّوْرِ ، قَالَ : وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ ، وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَهَا ، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بِعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا ، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ . فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : " هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ ، هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ " قَالَ : فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ فَأَكَلَهُ . وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ : أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وَجَدُوا هَذِهِ السَّمَكَةَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ وَاقِعَةٌ أُخْرَى ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ هِيَ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَكِنْ كَانُوا أَوَّلًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ سَرِيَّةً مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ ، فَوَجَدُوا هَذِهِ فِي سَرِيَّتِهِمْ تِلْكَ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 199
وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ - مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ : أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - أَخْبَرَهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا ، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ " .
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامَانِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَغَيْرُهُمْ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ .
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمُهَزِّمِ - هُوَ يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ - سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجٍّ - أَوْ عُمْرَةٍ - فَاسْتَقْبَلْنَا رِجْلَ جَرَادٍ ، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُنَّ بِعِصِيِّنَا وَسِيَاطِنَا فَنَقْتُلُهُنَّ ، فَأُسْقِطَ فِي أَيْدِينَا ، فَقُلْنَا : مَا نَصْنَعُ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " لَا بَأْسَ بِصَيْدِ الْبَحْرِ "
أَبُو الْمُهَزِّمِ ضَعِيفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالُ ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُلَاثَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا دَعَا عَلَى الْجَرَادِ قَالَ : " اللَّهُمَّ أَهْلِكْ كِبَارَهُ ، وَاقْتُلْ صِغَارَهُ ، وَأَفْسِدْ بَيْضَهُ ، وَاقْطَعْ دَابِرَهُ ، وَخُذْ بِأَفْوَاهِهِ عَنْ مَعَايِشِنَا وَأَرْزَاقِنَا ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ " . فَقَالَ خَالِدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَدْعُو عَلَى جُنْدٍ مِنْ أَجْنَادِ اللَّهِ بِقَطْعِ دَابِرِهِ؟ فَقَالَ : " إِنَّ الْجَرَادَ نَثْرَةُ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ " . قَالَ هَاشِمٌ : قَالَ زِيَادٌ : فَحَدَّثَنِي مَنْ رَأَى الْحُوتَ يَنْثُرُهُ . تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ .
وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَصِيدُ الْجَرَادَ فِي الْحَرَمِ .
وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ تُؤْكَلُ دَوَابُّ الْبَحْرِ ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ : ( طَعَامُهُ ) كُلُّ مَا فِيهِ .
وَقَدِ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمُ الضَّفَادِعَ وَأَبَاحَ مَا سِوَاهَا ; لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نَهَى عَنْ قَتْلِ الضِّفْدِعِ " . 200
وَلِلنَّسَائِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدِعِ ، وَقَالَ : نَقِيقُهَا تَسْبِيحٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : يُؤْكَلُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ السَّمَكُ ، وَلَا يُؤْكَلُ الضِّفْدِعُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُمَا ، فَقِيلَ : يُؤْكَلُ سَائِرُ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : لَا يُؤْكَلُ . وَقِيلَ : مَا أُكِلَ شَبَهَهُ مِنَ الْبَرِّ أُكِلَ مِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ شَبَهُهُ لَا يُؤْكَلُ . وَهَذِهِ كُلُّهَا وُجُوهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يُؤْكَلُ مَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ ، كَمَا لَا يُؤْكَلُ مَا مَاتَ فِي الْبَرِّ ; لِعُمُومِ قَوْلِهِ : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) [ الْمَائِدَةِ : 3 ] .
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ بِنَحْوِ ذَلِكَ ، فَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ :
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي - هُوَ ابْنُ قَانِعٍ - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ الطَّحَّانُ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا صِدْتُمُوهُ وَهُوَ حَيٌّ فَمَاتَ فَكُلُوهُ ، وَمَا أَلْقَى الْبَحْرُ مَيِّتًا طَافِيًا فَلَا تَأْكُلُوهُ " .
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ بِهِ . وَهُوَ مُنْكَرٌ .
وَقَدِ احْتَجَّ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، بِحَدِيثِ " الْعَنْبَرِ " الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَبِحَدِيثِ : " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ " ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطُّحَالُ " .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ . وَلَهُ شَوَاهِدُ ، وَرُوِيَ مَوْقُوفًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ) أَيْ : فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ يَحْرُمُ عَلَيْكُمُ الِاصْطِيَادُ . فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمٍ ذَلِكَ فَإِذَا اصْطَادَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا أَثِمَ وَغُرِّمَ ، أَوْ مُخْطِئًا غُرِّمَ وَحَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ ; لِأَنَّهُ فِي حَقِّهِ كَالْمَيْتَةِ ، وَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ وَالْمُحِلِّينَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - وَبِهِ يَقُولُ عَطَاءٌ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَغَيْرُهُمْ . فَإِنْ 201 أَكَلَهُ أَو شَيْئًا مِنْهُ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ :
أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : إِنْ ذَبَحَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ فَكَفَّارَتَانِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ .
وَالثَّانِي : لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ بِأَكْلِهِ . نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَعَلَى هَذَا مَذَاهِبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . ثُمَّ وَجَّهَهُ أَبُو عُمَرَ بِمَا لَوْ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَحُدَّ ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ ، وَحَلَالٌ أَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ ، إِلَّا أَنَّنِي أَكْرَهُهُ لِلَّذِي قَتَلَهُ ، لِلْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ
أَوْ يُصَدْ لَكُمْ " .
وَهَذَا الْحَدِيثُ سَيَأْتِي بَيَانُهُ . وَقَوْلُهُ بِإِبَاحَتِهِ لِلْقَاتِلِ غَرِيبٌ ، وَأَمَّا لِغَيْرِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ . قَدْ ذَكَرْنَا الْمَنْعَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ . بِإِبَاحَتِهِ لِغَيْرِ الْقَاتِلِ ، سَوَاءٌ الْمُحْرِمُونَ وَالْمُحِلُّونَ ; لِهَذَا الْحَدِيثِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا إِذَا صَادَ حَلَالٌ صَيْدًا فَأَهْدَاهُ إِلَى مُحْرِمٍ ، فَقَدْ ذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى إِبَاحَتِهِ مُطْلَقًا ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَادَهُ لِأَجْلِهِ أَمْ لَا . حَكَى هَذَا الْقَوْلَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ - فِي رِوَايَةٍ - وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . قَالَ : وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ حَدَّثَهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ صَادَهُ حَلَالٌ ، أَيَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ : فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ . ثُمَّ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ، فَقَالَ : لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ هَذَا لَأَوْجَعْتُ لَكَ رَأْسَكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَجُوزُ أَكْلُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرمِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا ; لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ . وَقَالَ : هِيَ مُبْهَمَةٌ . يَعْنِي قَوْلَهُ : ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ) .
قَالَ : وَأَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ; أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
202
قَالَ مَعْمَرٌ : وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، مِثْلَهُ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - فِي رِوَايَةٍ - وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ عَلِيًّا كَرِهَ لَحْمَ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - فِي رِوَايَةٍ - وَالْجُمْهُورُ : إِنْ كَانَ الْحَلَالُ قَدْ قَصَدَ الْمُحْرِمَ بِذَلِكَ الصَّيْدِ ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ ; لِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ : أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحَشِيًا ، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ - أَوْ : بِوَدَّانَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ : " إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ " .
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَلَهُ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ قَالُوا : فَوَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَنَّ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا صَادَهُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَرَدَّهُ لِذَلِكَ . فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْصِدْهُ بِالِاصْطِيَادِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ ; لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ حِينَ صَادَ حِمَارَ وَحْشٍ ، كَانَ حَلَالًا لَمْ يُحْرِمْ ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مُحْرِمِينَ ، فَتَوَقَّفُوا فِي أَكْلِهِ . ثُمَّ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " هَلْ كَانَ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَشَارَ إِلَيْهَا ، أَوْ أَعَانَ فِي قَتْلِهَا؟ " قَالُوا : لَا . قَالَ : " فَكُلُوا " . وَأَكَلَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ ثَابِتَةٌ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - وَقَالَ قُتَيْبَةُ فِي حَدِيثِهِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - يَقُولُ : " صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ - قَالَ سَعِيدٌ : وَأَنْتُمْ حُرُمٌ - مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ " .
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا ، عَنْ قُتَيْبَةَ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا نَعْرِفُ لِلْمُطَّلِبِ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ مَوْلَاهُ الْمُطَّلِبِ ، عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَقْيَسُ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانَ ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ فَقَالَ 203 لِأَصْحَابِهِ : كُلُوا ، فَقَالُوا : أَوَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ : إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ ، إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith