تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
page 4 · printed p. 36
أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي عَقِيلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ .
وَقَدْ رَوَاهُ - أَيْضًا - فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ ، وَمُسْلِمٌ - أَيْضًا - مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِنَحْوِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ بِهِ ثُمَّ قَالَ الزُّهْرِيُّ : بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفَ إِنَّمَا هِيَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَكُونُ وَاحِدًا لَا تَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا فِي حَرَامٍ . 36
وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ حَيْثُ قَالَ :
حَدَّثَنَا يَزِيدُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، ۝ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : مَا حَاكَ فِي صَدْرِي شَيْءٌ مُنْذُ أَسْلَمْتُ ، إِلَّا أَنَّنِي قَرَأْتُ آيَةً وَقَرَأَهَا آخَرُ غَيْرَ قِرَاءَتِي فَقُلْتُ : أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَقْرَأْتَنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَلَيْسَ تُقْرِأُنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِي وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ : اسْتَزِدْهُ ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ وَكُلُّ حَرْفٍ شَافٍ كَافٍ .
وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ - وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ كِلَاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِنَحْوِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَمَحْمُودُ بْنُ مَيْمُونٍ الزَّعْفَرَانِيُّ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ كُلُّهُمْ عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَأَدْخَلَ بَيْنَهُمَا عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، ۝ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ ، فَقُمْنَا جَمِيعًا ، فَدَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ دَخَلَ هَذَا فَقَرَأَ قِرَاءَةً غَيْرَ قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْرَآ ، فَقَرَآ ، فَقَالَ : أَصَبْتُمَا . فَلَمَّا قَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ ، كَبُرَ عَلَيَّ وَلَا إِذَا كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا رَأَى الَّذِي غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي فَفَضَضْتُ عَرَقًا ، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى [ رَسُولِ ] اللَّهِ فَرَقًا فَقَالَ : يَا أُبَيُّ ، إِنَّ رَبِّي أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا . قَالَ : قُلْتُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي ، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ فِيهِ الْخَلْقُ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : قَالَ 37 رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ ، فَقُلْتُ : خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي ، فَقَالَ : اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ ، فَقُلْتُ : اللَّهُمَّ رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، أَنَّهُ قَالَ : ۝ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ قِرَاءَةً تُخَالِفُ قِرَاءَتِي ، ثُمَّ سَمِعْتُ آخَرَ يَقْرَؤُهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَانْطَلَقْتُ بِهِمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : إِنِّي سَمِعْتُ هَذَيْنِ يَقْرَآنِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ فَسَأَلْتُهُمَا : مَنْ أَقْرَأَكُمَا ؟ فَقَالَا : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : لَأَذْهَبَنَّ بِكُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ خَالَفْتُمَا مَا أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدِهِمَا : اقْرَأْ . فَقَرَأَ ، فَقَالَ : أَحْسَنْتَ ثُمَّ قَالَ لِلْآخَرِ : اقْرَأْ . فَقَرَأَ ، فَقَالَ : أَحْسَنْتَ . قَالَ أُبِيٌّ : فَوَجَدْتُ فِي نَفْسِي وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهِي ، فَعَرَفَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِي ، فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَخْسِئِ الشَّيْطَانَ عَنْهُ ، يَا أُبِيُّ ، أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ ، فَقُلْتُ : رَبِّ ، خَفِّفْ عَنِّي ، ثُمَّ أَتَانِي الثَّانِيَةَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ فَقُلْتُ : رَبِّ ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي ، ثُمَّ أَتَانِي الثَّالِثَةَ ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَتَانِي الرَّابِعَةَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، وَلَكَ بِكُلِ رَدَّةٍ مَسْأَلَةٌ ، فَقُلْتُ : يَا رَبِّ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي ، يَا رَبِّ ، اغْفِرْ لِأُمَّتِي ، وَاخْتَبَأْتُ الثَّالِثَةَ شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ . إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .
قُلْتُ : وَهَذَا الشَّكُّ الَّذِي حَصَلَ لِأُبَيٍّ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ هُوَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - السَّبَبُ الَّذِي لِأَجْلِهِ قَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِرَاءَةَ إِبْلَاغٍ وَإِعْلَامٍ وَدَوَاءٍ ؛ لِمَا كَانَ حَصَلَ لَهُ - سُورَةَ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) إِلَى آخِرِهَا لِاشْتِمَالِهَا عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ) [ الْبَيِّنَةِ : 2 ، 3 ] ، وَهَذَا نَظِيرُ تِلَاوَتِهِ سُورَةَ الْفَتْحِ حِينَ أُنْزِلَتْ مَرْجِعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَذَلِكَ لِمَا كَانَ تَقَدَّمَ لَهُ مِنَ الْأَسْئِلَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ) [ الْفَتْحِ : 27 ] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ۝ كَانَ عِنْدَ أَخْبَاةِ بَنِي غِفَارٍ ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ ، قَالَ : أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ ، فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ . ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ . قَالَ : 38 أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ ، فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ . ثُمَّ جَاءَهُ الثَّالِثَةَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ قَالَ : أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ . ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَءُوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ بِهِ ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ يَا أُبَيُّ ، إِنِّي أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ فَقِيلَ لِي : عَلَى حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ ؟ فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي : قُلْ عَلَى حَرْفَيْنِ . قُلْتُ : عَلَى حَرْفَيْنِ . فَقِيلَ لِي : عَلَى حَرْفَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ؟ فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي : قُلْ عَلَى ثَلَاثَةٍ . قُلْتُ : عَلَى ثَلَاثَةٍ . حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ ثُمَّ قَالَ : لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ إِنْ قُلْتَ : سَمِيعًا عَلِيمًا ، عَزِيزًا حَكِيمًا ، مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ .
وَقَدْ رَوَى ثَابِتُ بْنُ قَاسِمٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، نَحْوَ ذَلِكَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ أُبَيٍّ قَالَ : ۝ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ عِنْدَ أَحْجَارِ الْمِرَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ : إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةِ أُمِّيِّينَ فِيهِمُ الشَّيْخُ الْعَاصِي ، وَالْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ ، وَالْغُلَامُ ، فَقَالَ : مُرْهُمْ فَلْيَقْرَءُوا الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ .
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، بِهِ وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ جِبْرِيلَ عِنْدَ أَحْجَارِ الْمِرَاءِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَفَّانَ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ؟ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ لَقِيتُ جِبْرِيلَ عِنْدَ أَحْجَارِ الْمِرَاءِ ، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، إِنِّي أُرْسِلْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ ؛ الرَّجُلُ ، وَالْمَرْأَةُ ، وَالْغُلَامُ ، وَالْجَارِيَةُ ، وَالشَّيْخُ الْفَانِي ، الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ فَقَالَ : إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ : حَدَّثَنِي مَنْ لَمْ يَكْذِبْنِي - يَعْنِي حُذَيْفَةَ - قَالَ : ۝ لَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ عِنْدَ أَحْجَارِ الْمِرَاءِ 39 فَقَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَمَنْ قَرَأَ مِنْهُمْ عَلَى حَرْفٍ فَلْيَقْرَأْ كَمَا عَلِمَ ، وَلَا يَرْجِعُ عَنْهُ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : ۝ إِنَّ فِي أُمَّتِكَ الضَّعِيفَ ، فَمَنْ قَرَأَ عَلَى حَرْفٍ فَلَا يَتَحَوَّلُ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ رَغْبَةً عَنْهُ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخْرِجُوهُ .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى السُّدِّيُّ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ - يَرْفَعُهُ - قَالَ : ۝ أَتَانِي مَلَكَانِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : اقْرَأْ . قَالَ : عَلَى كَمْ ؟ قَالَ : عَلَى حَرْفٍ . قَالَ : زِدْهُ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ : أَتَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِرَاءَةِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ بِهِ ، وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنِ الْعَوَّامِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ، عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلَيْنِ ، فَذَكَرَهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ فُلَانٍ الْعَبْدِيِّ - قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : ذَهَبَ عَنِّي اسْمُهُ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : ۝ رُحْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَسَمِعَتُ رَجُلًا يَقْرَأُ فَقُلْتُ : مَنْ أَقْرَأَكَ ؟ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : اسْتَقْرِئْ هَذَا . قَالَ : فَقَرَأَ ، فَقَالَ : أَحْسَنْتَ . قَالَ : قُلْتُ : إِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي كَذَا وَكَذَا ! فَقَالَ : وَأَنْتَ قَدْ أَحْسَنْتَ . فَقُلْتُ : قَدْ أَحْسَنْتَ قَدْ أَحْسَنْتَ . قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِي ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْ أُبَيٍّ الشَّكَّ . قَالَ : فَفِضْتُ عَرَقًا ، وَامْتَلَأَ جَوْفِي فَرَقًا . قَالَ : ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الْمَلَكَيْنِ أَتَيَانِي ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ ، وَقَالَ الْآخَرُ : زِدْهُ . قَالَ : قُلْتُ : زِدْنِي . فَقَالَ : اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ فَقَالَ : اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ .
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ شُتَيْرٍ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ عَنْ أُبَيٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ ذَلِكَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِنَحْوِهِ . 40
فَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ الْخُزَاعِيَّ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ أَتَانِي جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ : اسْتَزِدْهُ ، فَقَالَ : اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ ، مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ أَوْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : كَقَوْلِكَ : هَلُمَّ وَتَعَالَ .
حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ سَمُرَةَ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا بَهْزٌ وَعَفَّانُ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ .
حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ - لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، مِرَاءٌ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ أَبِي ضَمْرَةَ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ بِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَمِّ أَيُّوبَ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي يَزِيدَ - عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَمِّ أَيُّوبَ - يَعْنِي امْرَأَةَ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّةِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، أَيَّهَا قَرَأْتِ جَزَاكِ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ .
حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَبِي جُهَيْمٍ : قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ سَعِيدٍ مَوْلَى الْحَضْرَمِيِّ وَقَالَ غَيْرُهُ : عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي جُهَيْمٍ الْأَنْصَارِيِّ ؛ ۝ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، كِلَاهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ تَلَقَّاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَشَيَا جَمِيعًا حَتَّى أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ أَبُو جُهَيْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَلَا 41 تُمَارُوا ، فَإِنَّ مِرَاءً فِيهِ كُفْرٌ . هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى الشَّكِّ وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى الصَّوَابِ ، فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ ، أَخْبَرَنِي بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو جُهَيْمٍ ؛ ۝ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ هَذَا : تَلَقَّيْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ هَذَا : تَلَقَّيْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : الْقُرْآنُ يُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَلَا تُمَارُوا فِي الْقُرْآنِ ، فَإِنَّ مِرَاءً فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ - أَيْضًا - وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ .
ثُمَّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ - مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ۝ أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو - يَعْنِي ابْنَ الْعَاصِ - : إِنَّمَا هِيَ كَذَا وَكَذَا ، بِغَيْرِ مَا قَرَأَ الرَّجُلُ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : هَكَذَا أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ فَخَرَجَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] حَتَّى أَتَيَاهُ ، فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَأَيُّ ذَلِكَ قَرَأْتُمْ أَصَبْتُمْ ، فَلَا تَمَارُوا فِي الْقُرْآنِ ، فَإِنَّ مِرَاءً فِيهِ كُفْرٌ . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْخُزَاعِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِهِ نَحْوَهُ ، وَفِيهِ : فَإِنَّ الْمِرَاءَ فِيهِ كُفْرٌ أَوْ إِنَّهُ الْكُفْرُ بِهِ . وَهَذَا - أَيْضًا - حَدِيثٌ جَيِّدٌ .
حَدِيثٌ آخَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ كَانَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ نَزَلَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَعَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ وَعَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ : زَاجِرٌ ، وَآمِرٌ ، وَحَلَالٌ ، وَحَرَامٌ ، وَمُحْكَمٌ ، وَمُتَشَابِهٌ ، وَأَمْثَالٌ ، فَأَحِلُّوا حَلَالَهُ ، وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ ، وَافْعَلُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ ، وَانْتَهُوا عَمَّا نُهِيتُمْ عَنْهُ ، وَاعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ ، وَاعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ ، وَآمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ ، وَقُولُوا : ( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا . ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ الْمُحَارِبِيِّ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ كَلَامِهِ وَهُوَ أَشْبَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 42 فَصْلٌ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : قَدْ تَوَاتَرَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَنِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ إِلَّا مَا حَدَّثَنِي عَفَّانُ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَلَا نَرَى الْمَحْفُوظَ إِلَّا السَّبْعَةَ لِأَنَّهَا الْمَشْهُورَةُ ، وَلَيْسَ مَعْنَى تِلْكَ السَّبْعَةِ أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ الْوَاحِدُ يُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ ، وَهَذَا شَيْءٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ نَزَلَ سَبْعَ لُغَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ ، فَيَكُونُ الْحَرْفُ الْوَاحِدُ مِنْهَا بِلُغَةِ قَبِيلَةٍ وَالثَّانِي بِلُغَةٍ أُخْرَى سِوَى الْأُولَى ، وَالثَّالِثُ بِلُغَةٍ أُخْرَى سِوَاهُمَا ، كَذَلِكَ إِلَى السَّبْعَةِ ، وَبَعْضُ الْأَحْيَاءِ أَسْعَدُ بِهَا وَأَكْثَرُ حَظًّا فِيهَا مِنْ بَعْضٍ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي أَحَادِيثَ تَتْرَى ، قَالَ : وَقَدْ رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ ، مِنْهَا خَمْسٌ بِلُغَةِ الْعَجُزِ مِنْ هَوَازِنَ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْعَجُزُ هُمْ بَنُو أَسْعَدَ بْنِ بَكْرٍ ، وَجُشَمُ بْنُ بَكْرٍ ، وَنَصْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَثَقِيفٌ هُمْ عُلْيَا هَوَازِنَ الَّذِينَ قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ : أَفْصَحُ الْعَرَبِ عُلْيَا هَوَازِنَ وَسُفْلَى تَمِيمٍ يَعْنِي دَارِمَ . وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ : لَا يُمْلِي فِي مَصَاحِفِنَا إِلَّا غِلْمَانُ قُرَيْشٍ أَوْ ثَقِيفٍ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَاللُّغَتَانِ الْأُخْرَيَانِ : قُرَيْشٌ وَخُزَاعَةُ رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَكِنْ لَمْ يَلْقَهُ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَحَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَنَّهُ كَانَ يُسْأَلُ عَنِ الْقُرْآنِ فَيُنْشِدُ فِيهِ الشِّعْرَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَسْتَشْهِدُ بِهِ عَلَى التَّفْسِيرِ . حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ) [ الِانْشِقَاقِ : 17 ] ، قَالَ : مَا جَمَعَ ، وَأَنْشَدَ : ﴿﴾ قَدِ اتَّسَقْنَ لَوْ يَجِدْنَ سَائِقًا ﴿﴾
حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَنْبَأَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) [ النَّازِعَاتِ : 14 ] ، قَالَ : الْأَرْضُ ، قَالَ : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ : ﴿﴾ عِنْدَهُمْ لَحْمُ بَحْرٍ وَلَحْمُ سَاهِرَةٍ ﴿﴾ 43 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) [ فَاطِرٍ : 1 ] ، حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : أَنَا فَطَرْتُهَا . يَقُولُ : أَنَا ابْتَدَأْتُهَا . إِسْنَادٌ جَيِّدٌ أَيْضًا .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَ مَا أَوْرَدَ طَرَفًا مِمَّا تَقَدَّمَ : وَصَحَّ وَثَبَتَ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ أَلْسُنِ الْعَرَبِ الْبَعْضُ مِنْهَا دُونَ الْجَمْعِ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ أَلْسِنَتَهَا وَلُغَاتِهَا أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ بِمَا يَعْجَزُ عَنْ إِحْصَائِهِ ثُمَّ قَالَ : وَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى مَا قُلْتَهَ دُونَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا قَالَهُ مُخَالِفُوكَ مِنْ أَنَّهُ نَزَلَ بِأَمْرٍ وَزَجْرٍ ، وَتَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ ، وَقَصَصٍ وَمَثَلٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ فَقَدْ عَلِمْتَ قَائِلَ ذَلِكَ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخِيَارِ الْأَئِمَّةِ ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لَمْ يَدَّعُوا أَنَّ تَأْوِيلَ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا ، هُوَ مَا زَعَمْتَ أَنَّهُمْ قَالُوهُ فِي الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ ، الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ دُونَ غَيْرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لِقَوْلِنَا مُخَالِفًا ، وَإِنَّمَا أَخْبَرُوا أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ ، وَالَّذِي قَالُوا مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا ، وَقَدْ رَوَيْنَا بِمِثْلِ الَّذِي قَالُوا مِنْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، مِنْ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، كَمَا تَقَدَّمَ . يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : ۝ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَالْأَبْوَابُ السَّبْعَةُ مِنَ الْجَنَّةِ هِيَ الْمَعَانِي الَّتِي فِيهَا مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ، وَالْقَصَصِ وَالْمُثُلِ ، الَّتِي إِذَا عَمِلَ بِهَا الْعَامِلُ وَانْتَهَى إِلَى حُدُودِهَا الْمُنْتَهِي ، اسْتَوْجَبَ بِهَا الْجَنَّةَ .
ثُمَّ بَسَطَ الْقَوْلَ فِي هَذَا بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّ الشَّارِعَ رَخَّصَ لِلْأُمَّةِ التِّلَاوَةَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، ثُمَّ لَمَّا رَأَى الْإِمَامُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي الْقِرَاءَةِ ، وَخَافَ مِنْ تَفَرُّقِ كَلِمَتِهِمْ جَمَعَهُمْ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ هَذَا الْمُصْحَفُ الْإِمَامُ ، قَالَ : وَاسْتَوْثَقَتْ لَهُ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِالطَّاعَةِ ، وَرَأَتْ أَنَّ فِيمَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الرُّشْدَ وَالْهِدَايَةَ ، وَتَرَكَتِ الْقِرَاءَةَ الْأَحْرُفَ السِّتَّةَ الَّتِي عَزَمَ عَلَيْهَا إِمَامُهَا الْعَادِلُ فِي تَرْكِهَا طَاعَةَ مِنْهَا لَهُ ، وَنَظَرًا مِنْهَا لِأَنْفَسِهَا وَعَنْ بُعْدِهَا مِنْ سَائِرِ أَهْلِ مِلَّتِهَا ، حَتَّى دَرَسَتْ مِنَ الْأُمَّةِ مَعْرِفَتُهَا ، وَتَعَفَّتْ آثَارُهَا ، فَلَا سَبِيلَ الْيَوْمَ لِأَحَدٍ إِلَى الْقِرَاءَةِ بِهَا ؛ لِدُثُورِهَا وَعَفْوِ آثَارِهَا . إِلَى أَنْ قَالَ : فَإِنْ قَالَ مَنْ ضَعُفَتْ مَعْرِفَتُهُ : وَكَيْفَ جَازَ لَهُمْ تَرْكُ قِرَاءَةٍ أَقْرَأَهُمُوهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُمْ بِقِرَاءَتِهَا ؟ قِيلَ : إِنَّ أَمْرَهُ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَمْرَ إِيجَابٍ وَفَرْضٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ أَمْرَ إِبَاحَةٍ وَرُخْصَةٍ ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهَا لَوْ كَانَتْ فَرْضًا عَلَيْهِمْ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُومُ بِنَقْلِهِ الْحُجَّةَ ، وَيَقْطَعُ خَبَرُهُ الْعُذْرَ ، وَيُزِيلُ الشَّكَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْأُمَّةِ ، وَفِي تَرْكِهِمْ نَقْلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ بِهَا مُخَيَّرِينَ . إِلَى أَنْ قَالَ : فَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَةِ فِي رَفْعِ حَرْفٍ وَنَصْبِهِ وَجَرِّهِ وَتَسْكِينِ حَرْفٍ وَتَحْرِيكِهِ ، وَنَقْلِ حَرْفٍ إِلَى آخَرَ مَعَ اتِّفَاقِ 44 الصُّورَةِ فِي مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ بِعَزْلٍ ؛ لِأَنَّ الْمِرَاءَ فِي مِثْلِ هَذَا لَيْسَ بِكُفْرٍ ، فِي قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ ، وَقَدْ أَوْجَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمِرَاءِ فِي الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الْكُفْرَ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، حَدَّثَنَا عَقِيلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِئَ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : ۝ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ ، فَتَبَصَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ : مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ ؟ قَالَ : أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقُلْتُ : كَذَبْتَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْسِلْهُ ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ ، ثُمَّ قَالَ : اقْرَأْ يَا عُمَرُ ، فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ . إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ .
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ - أَيْضًا - وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - أَيْضًا - عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ ، عَنْ عُمَرَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ ثَابِتٍ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : ۝ قَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ فَغَيَّرَ عَلَيْهِ فَقَالَ : قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيَّ قَالَ : فَاجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَرَأَ الرَّجُلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : قَدْ أَحْسَنْتَ . قَالَ : فَكَأَنَّ عُمَرَ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عُمَرُ ، إِنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ صَوَابٌ ، مَا لَمْ يُجْعَلْ عَذَابٌ مَغْفِرَةً أَوْ مَغْفِرَةٌ عَذَابًا .
وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ . وَحَرْبُ بْنُ ثَابِتٍ هَذَا يُكَنَّى بِأَبِي ثَابِتٍ ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا جَرَّحَهُ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذِهِ السَّبْعَةِ الْأَحْرُفِ وَمَا أُرِيدَ مِنْهَا عَلَى أَقْوَالٍ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ فَرَحٍ الْأَنْصَارِيُّ الْقُرْطُبِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي مُقَدِّمَاتِ تَفْسِيرِهِ : وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمِرَاءِ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ عَلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ قَوْلًا ذَكَرَهَا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ الْبَسْتِيُّ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْهَا خَمْسَةَ أَقْوَالٍ . 45
قُلْتُ : ثُمَّ سَرَدَهَا الْقُرْطُبِيُّ ، وَحَاصِلُهَا مَا أَنَا مَوْرِدُهُ مُلَخَّصًا :
فَالْأَوَّلُ - وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ، وَالطَّحَاوِيُّ - : أَنَّ الْمُرَادَ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَقَارِبَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ نَحْوُ : أَقْبِلْ وَتَعَالَ وَهَلُمَّ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَأَبَيْنُ مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : ۝ جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اقْرَأْ عَلَى حَرْفٍ ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ : اسْتَزِدْهُ فَقَالَ : اقْرَأْ عَلَى حَرْفَيْنِ ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ : اسْتَزِدْهُ ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ ، فَقَالَ : اقْرَأْ فَكُلٌّ شَافٍ كَافٍ إِلَّا أَنْ تَخْلِطَ آيَةَ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ ، أَوْ آيَةَ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ ، عَلَى نَحْوِ هَلُمَّ وَتَعَالَ وَأَقْبِلْ وَاذْهَبْ وَأَسْرِعْ وَعَجِّلْ .
وَرُوِيَ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) [ الْحَدِيدِ : 13 ] : لِلَّذِينَ آمَنُوا أَمْهِلُونَا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَخِّرُونَا لِلَّذِينَ آمَنُوا ارْقُبُونَا ، وَكَانَ يَقْرَأُ : ( كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ) [ الْبَقَرَةِ : 20 ] : مَرُّوا فِيهِ سَعَوْا فِيهِ . قَالَ الطَّحَاوِيُّ . وَغَيْرُهُ : وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ رُخْصَةً أَنْ يَقْرَأَ النَّاسُ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ ، وَذَلِكَ لَمَّا كَانَ يَتَعَسَّرُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ التِّلَاوَةُ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ ، وَقَرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالْكِتَابَةِ وَالضَّبْطِ وَإِتْقَانِ الْحِفْظِ وَقَدِ ادَّعَى الطَّحَاوِيُّ وَالْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ رُخْصَةً فِي أَوْلِ الْأَمْرِ ، ثُمَّ نُسِخَ بِزَوَالِ الْعُذْرِ وَتَيْسِيرِ الْحِفْظِ وَكَثْرَةِ الضَّبْطِ وَتَعَلُّمِ الْكِتَابَةِ .
قُلْتُ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا كَانَ الَّذِي جَمَعَهُمْ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ الْمَأْمُورِ بِاتِّبَاعِهِمْ ، وَإِنَّمَا جَمَعَهُمْ عَلَيْهَا لِمَا رَأَى مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى تَفَرُّقِ الْأُمَّةِ وَتَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، فَرَتَّبَ لَهُمُ الْمَصَاحِفَ الْأَئِمَّةَ عَلَى الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي عَارَضَ بِهَا جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ رَمَضَانَ مِنْ عُمْرِهِ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَعَزَمَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَقْرَءُوا بِغَيْرِهَا ، وَأَلَّا يَتَعَاطَوُا الرُّخْصَةَ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِيهَا سَعَةٌ ، وَلَكِنَّهَا أَفْضَتْ إِلَى الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ ، كَمَا أَلْزَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثَةِ الْمَجْمُوعَةِ حِينَ تَتَابَعُوا فِيهَا وَأَكْثَرُوا مِنْهَا ، قَالَ : فَلَوْ أَنَّا أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ . وَكَانَ كَذَلِكَ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ زِيَارَةُ الْبَيْتِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ . وَقَدْ كَانَ أَبُو مُوسَى يُفْتِي بِالتَّمَتُّعِ فَتَرَكَ فُتْيَاهُ اتِّبَاعًا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَسَمْعًا وَطَاعَةً لِأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ .
الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ جَمِيعَهُ يُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُ عَلَى حَرْفٍ وَبَعْضَهُ عَلَى حَرْفٍ آخَرَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ يُقْرَأُ بَعْضُهُ بِالسَّبْعِ لُغَاتٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ : ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) [ الْمَائِدَةِ : 60 ] وَ يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ) [ يُوسُفَ : 12 ] . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَبَعْضُ اللُّغَاتِ أَسْعَدُ بِهِ مِنْ بَعْضٍ ، وَقَالَ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ : وَمَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ : إِنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ ، أَيْ : مُعْظَمُهُ ، وَلَمْ يُقَمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ كُلَّهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) [ يُوسُفَ : 2 ] ، وَلَمْ يَقُلْ : قُرَشِيًّا . قَالَ : وَاسْمُ الْعَرَبِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْقَبَائِلِ تَنَاوُلًا وَاحِدًا ، يَعْنِي حِجَازَهَا وَيَمَنَهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ 46 عَبْدِ الْبَرِّ ، قَالَ : لِأَنَّ غَيْرَ لُغَةِ قُرَيْشٍ مَوْجُودَةٌ فِي صَحِيحِ الْقِرَاءَاتِ بِتَحْقِيقِ الْهَمَزَاتِ ، فَإِنَّ قُرَيْشًا لَا تَهْمِزُ . وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا كُنْتُ أَدْرِي مَا مَعْنَى : ( فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) [ فَاطِرٍ : 1 ] ، حَتَّى سَمِعْتُ أَعَرَابِيًّا يَقُولُ لِبِئْرٍ ابْتَدَأَ حَفْرَهَا : أَنَا فَطَرْتُهَا .
الْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ لُغَاتِ الْقُرْآنِ السَّبْعَ مُنْحَصِرَةٌ فِي مُضَرَ عَلَى اخْتِلَافِ قَبَائِلِهَا خَاصَّةً ؛ لِقَوْلِ عُثْمَانَ : إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ ، وَقُرَيْشٌ هُمْ بَنُو النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ النَّسَبِ ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ .
الْقَوْلُ الرَّابِعُ - وَحَكَاهُ الْبَاقِلَّانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ - : أَنَّ وُجُوهَ الْقِرَاءَاتِ تَرْجِعُ إِلَى سَبْعَةِ أَشْيَاءَ ، مِنْهَا مَا تَتَغَيَّرُ حَرَكَتُهُ وَلَا تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ وَلَا مَعْنَاهُ مِثْلُ : ( وَيَضِيقُ صَدْرِي ) [ الشُّعَرَاءِ : 13 ] وَ " يَضِيقَ " ، وَمِنْهَا مَا لَا تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ وَيَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ مِثْلَ : ( فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ) [ سَبَأٍ : 19 ] وَ " بَاعَدَ " بَيْنَ أَسْفَارِنَا ، وَقَدْ يَكُونُ الِاخْتِلَافُ فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى بِالْحَرْفِ مِثْلَ : ( نُنْشِزُهَا ) [ الْبَقَرَةِ : 259 ] ، وَ " نَنْشُرُهَا " أَوْ بِالْكَلِمَةِ مَعَ بَقَاءِ الْمَعْنَى [ مِثْلَ ] كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ) [ الْقَارِعَةِ : 5 ] ، أَوْ كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ أَوْ بِاخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ مِثْلَ : ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ) [ ق : 19 ] ، أَوْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ ، أَوْ بِالزِّيَادَةِ مِثْلَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى ، وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ . فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ .
الْقَوْلُ الْخَامِسُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَهِيَ : أَمْرٌ ، وَنَهْيٌ ، وَوَعْدٌ ، وَوَعِيدٌ ، وَقَصَصٌ ، وَمُجَادَلَةٌ ، وَأَمْثَالٌ . قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَا تُسَمَّى حُرُوفًا ، وَأَيْضًا فَالْإِجْمَاعُ أَنَّ التَّوْسِعَةَ لَمْ تَقَعْ فِي تَحْلِيلِ حَلَالٍ وَلَا فِي تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنَ الْمَعَانِي ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ فِي هَذَا حَدِيثًا ، ثُمَّ قَالَ : وَلَيْسَتْ هَذِهِ هِيَ الَّتِي أَجَازَ لَهُمُ الْقُرَّاءُ بِهَا .
فَصْلٌ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَالَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِنَا كَالدَّاوُدِيِّ وَابْنِ أَبِي صُفْرَةَ وَغَيْرِهِمَا : هَذِهِ الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ الَّتِي تُنْسَبُ لِهَؤُلَاءِ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ لَيْسَتْ هِيَ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ الَّتِي اتَّسَعَتِ الصَّحَابَةُ فِي الْقِرَاءَةِ بِهَا ، وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ الْمُصْحَفَ . ذَكَرَهُ ابْنُ النَّحَّاسِ وَغَيْرُهُ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَقَدْ سَوَّغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ قِرَاءَةَ الْآخَرِ وَأَجَازَهَا ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ الْقِرَاءَةَ الْمَنْسُوبَةَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ رَآهَا أَحْسَنَ وَالْأَوْلَى عِنْدَهُ . قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي هَذِهِ الْأَمْصَارِ عَلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى مَا صَحَّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فِيمَا رَوَوْهُ وَرَأَوْهُ مِنَ الْقِرَاءَاتِ ، وَكَتَبُوا فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٍ وَاسْتَمَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى الصَّوَابِ وَحَصَلَ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ مِنْ حِفْظِ الْكِتَابِ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ :
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith