تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
( وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ( 2 ) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ( 3 ) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ( 4 ) )
يَأْمُرُ تَعَالَى بِدَفْعِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى إِلَيْهِمْ إِذَا بَلَغُوا الْحُلُمَ كَامِلَةً مُوَفَّرَةً ، وَيَنْهَى عَنْ أَكْلِهَا وَضَمِّهَا إِلَى أَمْوَالِهِمْ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ) قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ : لَا تَعْجَلْ بِالرِّزْقِ الْحَرَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ الرِّزْقُ الْحَلَالُ الَّذِي قُدِّرَ لَكَ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَا تَبَدَّلُوا الْحَرَامَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْحَلَالِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ ، يَقُولُ : لَا تُبَذِّرُوا أَمْوَالَكُمُ الْحَلَالَ وَتَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمُ الْحَرَامَ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيُّ : لَا تُعْطِ مَهْزُولًا وَتَأْخُذْ سَمِينًا .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالضَّحَّاكُ : لَا تُعْطِ زَائِفًا وَتَأْخُذْ جَيِّدًا .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَانَ أَحَدُهُمْ يَأْخُذُ الشَّاةَ السَّمِينَةَ مِنْ غَنَمِ الْيَتِيمِ ، وَيَجْعَلُ فِيهَا مَكَانَهَا الشَّاةَ الْمَهْزُولَةَ ، وَيَقُولُ شَاةٌ بِشَاةٍ ، وَيَأْخُذُ الدِّرْهَمَ الْجَيِّدَ وَيَطْرَحُ مَكَانَهُ الزَّيِّفَ ، وَيَقُولُ : دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ) قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جبَيْرٍ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ : أَيْ لَا تَخْلِطُوهَا فَتَأْكُلُوهَا جَمِيعًا .
208
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيْ إِثْمًا كَبِيرًا عَظِيمًا .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ : ( حُوبًا كَبِيرًا ) قَالَ : " إِثْمًا كَبِيرًا " . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَأَبِي سِنَانٍ مَثَلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ : " اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا " .
وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى وَاصِلٍ ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَبَا أَيُّوبَ ، إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ كَانَ حُوبًا " قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : الْحُوبُ الْإِثْمُ .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ ، أَخْبَرَنَا عَوْفٌ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَرَادَ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ لَحُوبٌ فَأَمْسَكَهَا " ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ حُمَيدٍ الطَّوِيلِ ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : أَرَادَ أَبُو طَلْحَةَ أَنْ يُطَلِّقَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ سُلَيْمٍ لَحُوبٌ " فَكَفَّ .
وَالْمَعْنَى : إِنَّ أَكْلَكُمْ أَمْوَالَهُمْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ إِثْمٌ عَظِيمٌ وَخَطَأٌ كَبِيرٌ فَاجْتَنِبُوهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى ) أَيْ : إِذَا كَانَ تَحْتَ حِجْرِ أَحَدِكُمْ يَتِيمَةٌ وَخَافَ أَلَّا يُعْطِيَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا ، فَلْيَعْدِلْ إِلَى مَا سِوَاهَا مِنَ النِّسَاءِ ، فَإِنَّهُنَّ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْهِ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ; أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا ، وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ . وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا [ فِي الْيَتَامَى ] ) أَحْسَبُهُ قَالَ : كَانَتْ 209 شَرِيكَتَهُ فِي ذَلِكَ الْعَذْقِ وَفِي مَالِهِ .
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ) قَالَتْ : يَا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا ، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ . قَالَ عُرْوَةُ : قَالَتْ عَائِشَةُ : وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ) قَالَتْ عَائِشَةُ : وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ) [ النِّسَاءِ : 127 ] رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجِمَالِ . فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجِمَالِهِ مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ ، مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ .
وَقَوْلُهُ : ( مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) أَيِ : انْكِحُوا مَا شِئْتُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ إِنْ شَاءَ أَحَدُكُمْ ثِنْتَيْنِ ، [ وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا ] وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) [ فَاطِرٍ : 1 ] أَيْ : مِنْهُمْ مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلَاثَةٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَرْبَعَةٌ ، وَلَا يَنْفِي مَا عَدَا ذَلِكَ فِي الْمَلَائِكَةِ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ قَصْرِ الرِّجَالِ عَلَى أَرْبَعٍ ، فَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ; لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ امْتِنَانٍ وَإِبَاحَةٍ ، فَلَوْ كَانَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لَذَكَرَهُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَدْ دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُبِيِّنَةُ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الشِّيعَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى تِسْعٍ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بِلَا حَصْرٍ . وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بَعْضُهُمْ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى تِسْعٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَأَمَّا إِحْدَى عَشْرَةَ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ . وَقَدْ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ بِخَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً ، وَدَخَلَ مِنْهُنَّ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ . وَهَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِنْ خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ ، لِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَصْرِ فِي أَرْبَعٍ .
210
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا حَدَّثَنَا مَعمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ فِي حَدِيثِهِ : أَنْبَأَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ أَبِيهِ : أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشَرَةُ نِسْوَةٍ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ ، وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيهِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَقَالَ : إِنِّي لَأَظُنُّ الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنَ السَّمْعِ سَمِعَ بِمَوْتِكَ فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِكَ وَلَعَلَّكَ لَا تَمْكُثُ إِلَّا قَلِيلًا . وَايْمُ اللَّهِ لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَكَ وَلَتَرْجِعَنَّ فِي مَالِكَ أَوْ لَأُورِثُهُنَّ مِنْكَ ، وَلَآمُرَنَّ بِقَبْرِكَ فَيُرْجَمُ ، كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ اسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ وَغُنْدَرٍ وَيَزِيدَ بْنِ زُرَيعٍ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيِّ ، وَالْفَضْلِ بْنِ مُوسَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْحُفَّاظِ ، عَنْ مَعْمَرٍ - بِإِسْنَادِهِ - مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . وَبَاقِي الْحَدِيثِ فِي قِصَّةِ عُمَرَ مِنْ أَفْرَادِ أَحْمَدَ وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ مُضَعِّفَةٌ لِمَا عَلَّلَ بِهِ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، حَيْثُ قَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لَهُ : سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ : هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى شُعَيْبٌ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ ، فَذَكَرَهُ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَإِنَّمَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ أَبِيهِ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ طَلَّقَ نِسَاءَهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَكَ أَوْ لَأَرْجُمَنَّ قَبْرَكَ كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ .
وَهَذَا التَّعْلِيلُ فِيهِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا وَهَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا . قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : وَهُوَ أَصَحُّ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرَوَاهُ عُقَيْلٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : بَلَغَنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ .
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : وَهَذَا وَهْمٌ ، إِنَّمَا هُوَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، 211 فَذَكَرَهُ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرَوَاهُ يُونُسُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ .
وَهَذَا كَمَا عَلَّلَهُ الْبُخَارِيُّ . وَهَذَا الْإِسْنَادُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ ثُمَّ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، بَلْ وَالزُّهْرِيِّ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرَيْدٍ عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ أَخْبَرَنَا سَيْفُ بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا سَرَّارُ بْنُ مُجَشِّرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ وَسَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ كَانَ عِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . هَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ . قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ : تَفَرَّدَ بِهِ سَرَّارُ بْنُ مُجَشِّرٍ وَهُوَ ثِقَةٌ ، وَكَذَا وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ السَّمَيْدعُ بْنُ وَاهِبٍ عَنْ سَرَّارٍ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ أَوِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ ، وَعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ ، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ - يَعْنِي حَدِيثَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ .
فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لَسَوَّغَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَائِرَهُنَّ فِي بَقَاءِ الْعَشَرَةِ وَقَدْ أَسْلَمْنَ مَعَهُ ، فَلَمَّا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِ أَرْبَعٍ وَفِرَاقِ سَائِرِهِنَّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ بِحَالٍ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الدَّوَامِ ، فَفِي الِاسْتِئْنَافِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ : رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ حُمَيْضَةَ بْنِ الشَّمَرْدَلِ - وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : بِنْتِ الشَّمَرْدَلِ ، وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : الشَّمَرْذَلِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ . وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ : الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُمَيْرَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ : أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي ثَمَانِ نِسْوَةٍ ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا " .
وَهَذَا الْإِسْنَادُ حَسَنٌ ، وَمُجَرَّدُ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَا يَضُرُّ مِثْلُهُ ، لِمَا لِلْحَدِيثِ مِنَ الشَّوَاهِدِ .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ : قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي 212 مُسْنَدِهِ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ أَبِي الزِّنَادِ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الدِّيْلِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي خَمْسُ نِسْوَةٍ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اخْتَرْ أَرْبَعًا أَيَّتَهُنَّ شِئْتَ ، وَفَارِقِ الْأُخْرَى " ، فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً عَجُوزٍ عَاقِرٍ مَعِي مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً ، فَطَلَّقْتُهَا .
فَهَذِهِ كُلُّهَا شَوَاهِدُ بِصِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ غَيْلَانَ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) أَيْ : فَإِنْ خَشِيتُمْ مِنْ تَعْدَادِ النِّسَاءِ أَلَّا تَعْدِلُوا بَيْنَهُنَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) [ النِّسَاءِ : 129 ] فَمَنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ فَيَقْتَصِرُ عَلَى وَاحِدَةٍ ، أَوْ عَلَى الْجَوَارِي السَّرَارِي ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ قَسْمٌ بَيْنَهُنَّ ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ ، فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ .
وَقَوْلُهُ : ( ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ) قَالَ بَعْضُهُمْ : [ أَيْ ] أَدْنَى أَلَّا تَكْثُرَ عَائِلَتُكُمْ . قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ) أَيْ فَقْرًا ( فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) [ التَّوْبَةِ : 28 ] وَقَالَ الشَّاعِرُ
﴿﴾ فَمَا يَدْرِي الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ ﴿﴾ ﴿﴾ ومَا يَدرِي الْغَنِيُّ مَتَى يُعِيلُ ﴿﴾
وَتَقُولُ الْعَرَبُ : عَالَ الرَّجُلُ يُعِيلُ عَيْلَةً ، إِذَا افْتَقَرَ وَلَكِنْ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ هَاهُنَا نَظَرٌ; فَإِنَّهُ كَمَا يُخْشَى كَثْرَةُ الْعَائِلَةِ مِنْ تَعْدَادِ الْحَرَائِرِ ، كَذَلِكَ يُخْشَى مِنْ تَعْدَادِ السَّرَارِي أَيْضًا . وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ : ( ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ) أَيْ : لَا تَجُورُوا . يُقَالُ : عَالَ فِي الْحُكْمِ : إِذَا قَسَطَ وَظَلَمَ وَجَارَ ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ :
﴿﴾ بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يَخِيسُ شُعَيْرَةً ﴿﴾ ﴿﴾ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ ﴿﴾
وَقَالَ هُشَيْمٌ : عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : كَتَبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي شَيْءٍ عَاتَبُوهُ فِيهِ : إِنِّي لَسْتُ بِمِيزَانٍ لَا أَعُولُ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَأَبُو حَاتِمِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ) قَالَ : " لَا تَجُورُوا " .
213
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : قَالَ أَبِي : هَذَا حَدِيثٌ خَطَأٌ ، وَالصَّحِيحُ : عَنْ عَائِشَةَ . مَوْقُوفٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَأَبِي مَالِكٍ وَأَبِي رَزِينٍ وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، والسُّدِّيِّ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ : أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا تَمِيلُوا وَقَدِ اسْتَشْهَدَ عِكْرِمَةُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، بِبَيْتِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ ، وَلَكِنَّ مَا أَنْشَدَهُ كَمَا هُوَ الْمَرْوِيُّ فِي السِّيرَةِ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، ثُمَّ أَنْشَدَهُ جَيِّدًا ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : النِّحْلَةُ : الْمَهْرُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : نِحْلَةً : فَرِيضَةً . وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ : نِحْلَةً : أَيْ فَرِيضَةً . زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ : مُسَمَّاهُ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : النِّحْلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْوَاجِبُ ، يَقُولُ : لَا تَنْكِحْهَا إِلَّا بِشَيْءٍ وَاجِبٍ لَهَا ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً إِلَّا بِصَدَاقٍ وَاجِبٍ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَسْمِيَةُ الصَّدَاقِ كَذِبًا بِغَيْرِ حَقٍّ .
وَمَضْمُونُ كَلَامِهِمْ : أَنَّ الرَّجُلَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الصَّدَاقِ إِلَى الْمَرْأَةِ حَتْمًا ، وَأَنْ يَكُونَ طَيِّبَ النَّفْسِ بِذَلِكَ ، كَمَا يَمْنَحُ الْمَنِيحَةَ وَيُعْطِي النِّحْلَةَ طَيِّبًا بِهَا ، كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُعْطِيَ الْمَرْأَةَ صَدَاقَهَا طَيِّبًا بِذَلِكَ ، فَإِنْ طَابَتْ هِيَ لَهُ بِهِ بَعْدَ تَسْمِيَتِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَلْيَأْكُلْهُ حَلَالًا طَيِّبًا; وَلِهَذَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا )
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا ، فَلْيَسْأَلِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَلْيَبْتَعْ بِهَا عَسَلًا ثُمَّ لِيَأْخُذْ مَاءَ السَّمَاءِ فَيَجْتَمِعُ هَنِيئًا مَرِيئًا شِفَاءً مُبَارَكًا .
وَقَالَ هُشَيْمٌ ، عَنْ سَيَّارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ أَخَذَ صَدَاقَهَا دُونَهَا ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَنَزَلَ : ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عُمَيْرٍ الْخَثْعَمِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الطَّائِفِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ ؟ قَالَ : " مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ أَهْلُوهُمْ " .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " أَنْكِحُوا الْأَيَامَى " ثَلَاثًا ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ ؟ قَالَ : " مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ أَهْلُوهُمْ " .
214
ابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ ضَعِيفٌ ، ثُمَّ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَيْضًا .
يَأْمُرُ تَعَالَى بِدَفْعِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى إِلَيْهِمْ إِذَا بَلَغُوا الْحُلُمَ كَامِلَةً مُوَفَّرَةً ، وَيَنْهَى عَنْ أَكْلِهَا وَضَمِّهَا إِلَى أَمْوَالِهِمْ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ) قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ : لَا تَعْجَلْ بِالرِّزْقِ الْحَرَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ الرِّزْقُ الْحَلَالُ الَّذِي قُدِّرَ لَكَ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَا تَبَدَّلُوا الْحَرَامَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْحَلَالِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ ، يَقُولُ : لَا تُبَذِّرُوا أَمْوَالَكُمُ الْحَلَالَ وَتَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمُ الْحَرَامَ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيُّ : لَا تُعْطِ مَهْزُولًا وَتَأْخُذْ سَمِينًا .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالضَّحَّاكُ : لَا تُعْطِ زَائِفًا وَتَأْخُذْ جَيِّدًا .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَانَ أَحَدُهُمْ يَأْخُذُ الشَّاةَ السَّمِينَةَ مِنْ غَنَمِ الْيَتِيمِ ، وَيَجْعَلُ فِيهَا مَكَانَهَا الشَّاةَ الْمَهْزُولَةَ ، وَيَقُولُ شَاةٌ بِشَاةٍ ، وَيَأْخُذُ الدِّرْهَمَ الْجَيِّدَ وَيَطْرَحُ مَكَانَهُ الزَّيِّفَ ، وَيَقُولُ : دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ) قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جبَيْرٍ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ : أَيْ لَا تَخْلِطُوهَا فَتَأْكُلُوهَا جَمِيعًا .
208
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيْ إِثْمًا كَبِيرًا عَظِيمًا .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ : ( حُوبًا كَبِيرًا ) قَالَ : " إِثْمًا كَبِيرًا " . وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَأَبِي سِنَانٍ مَثَلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ : " اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا " .
وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى وَاصِلٍ ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَبَا أَيُّوبَ ، إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ كَانَ حُوبًا " قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : الْحُوبُ الْإِثْمُ .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ ، أَخْبَرَنَا عَوْفٌ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَرَادَ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ لَحُوبٌ فَأَمْسَكَهَا " ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ حُمَيدٍ الطَّوِيلِ ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : أَرَادَ أَبُو طَلْحَةَ أَنْ يُطَلِّقَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ سُلَيْمٍ لَحُوبٌ " فَكَفَّ .
وَالْمَعْنَى : إِنَّ أَكْلَكُمْ أَمْوَالَهُمْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ إِثْمٌ عَظِيمٌ وَخَطَأٌ كَبِيرٌ فَاجْتَنِبُوهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى ) أَيْ : إِذَا كَانَ تَحْتَ حِجْرِ أَحَدِكُمْ يَتِيمَةٌ وَخَافَ أَلَّا يُعْطِيَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا ، فَلْيَعْدِلْ إِلَى مَا سِوَاهَا مِنَ النِّسَاءِ ، فَإِنَّهُنَّ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْهِ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ; أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا ، وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ . وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا [ فِي الْيَتَامَى ] ) أَحْسَبُهُ قَالَ : كَانَتْ 209 شَرِيكَتَهُ فِي ذَلِكَ الْعَذْقِ وَفِي مَالِهِ .
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ) قَالَتْ : يَا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا ، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ . قَالَ عُرْوَةُ : قَالَتْ عَائِشَةُ : وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ) قَالَتْ عَائِشَةُ : وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ) [ النِّسَاءِ : 127 ] رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجِمَالِ . فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجِمَالِهِ مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ ، مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ .
وَقَوْلُهُ : ( مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) أَيِ : انْكِحُوا مَا شِئْتُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ إِنْ شَاءَ أَحَدُكُمْ ثِنْتَيْنِ ، [ وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا ] وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) [ فَاطِرٍ : 1 ] أَيْ : مِنْهُمْ مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلَاثَةٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَرْبَعَةٌ ، وَلَا يَنْفِي مَا عَدَا ذَلِكَ فِي الْمَلَائِكَةِ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ قَصْرِ الرِّجَالِ عَلَى أَرْبَعٍ ، فَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ; لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ امْتِنَانٍ وَإِبَاحَةٍ ، فَلَوْ كَانَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لَذَكَرَهُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَدْ دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُبِيِّنَةُ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الشِّيعَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى تِسْعٍ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بِلَا حَصْرٍ . وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بَعْضُهُمْ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى تِسْعٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَأَمَّا إِحْدَى عَشْرَةَ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ . وَقَدْ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ بِخَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً ، وَدَخَلَ مِنْهُنَّ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ . وَهَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِنْ خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ ، لِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَصْرِ فِي أَرْبَعٍ .
210
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا حَدَّثَنَا مَعمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ فِي حَدِيثِهِ : أَنْبَأَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ أَبِيهِ : أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشَرَةُ نِسْوَةٍ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ ، وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيهِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَقَالَ : إِنِّي لَأَظُنُّ الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنَ السَّمْعِ سَمِعَ بِمَوْتِكَ فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِكَ وَلَعَلَّكَ لَا تَمْكُثُ إِلَّا قَلِيلًا . وَايْمُ اللَّهِ لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَكَ وَلَتَرْجِعَنَّ فِي مَالِكَ أَوْ لَأُورِثُهُنَّ مِنْكَ ، وَلَآمُرَنَّ بِقَبْرِكَ فَيُرْجَمُ ، كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ اسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ وَغُنْدَرٍ وَيَزِيدَ بْنِ زُرَيعٍ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيِّ ، وَالْفَضْلِ بْنِ مُوسَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْحُفَّاظِ ، عَنْ مَعْمَرٍ - بِإِسْنَادِهِ - مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . وَبَاقِي الْحَدِيثِ فِي قِصَّةِ عُمَرَ مِنْ أَفْرَادِ أَحْمَدَ وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ مُضَعِّفَةٌ لِمَا عَلَّلَ بِهِ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، حَيْثُ قَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لَهُ : سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ : هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى شُعَيْبٌ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ ، فَذَكَرَهُ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَإِنَّمَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ أَبِيهِ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ طَلَّقَ نِسَاءَهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَكَ أَوْ لَأَرْجُمَنَّ قَبْرَكَ كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ .
وَهَذَا التَّعْلِيلُ فِيهِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا وَهَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا . قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : وَهُوَ أَصَحُّ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرَوَاهُ عُقَيْلٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : بَلَغَنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ .
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : وَهَذَا وَهْمٌ ، إِنَّمَا هُوَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، 211 فَذَكَرَهُ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرَوَاهُ يُونُسُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ .
وَهَذَا كَمَا عَلَّلَهُ الْبُخَارِيُّ . وَهَذَا الْإِسْنَادُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ ثُمَّ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، بَلْ وَالزُّهْرِيِّ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرَيْدٍ عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ أَخْبَرَنَا سَيْفُ بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا سَرَّارُ بْنُ مُجَشِّرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ وَسَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ كَانَ عِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا . هَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ . قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ : تَفَرَّدَ بِهِ سَرَّارُ بْنُ مُجَشِّرٍ وَهُوَ ثِقَةٌ ، وَكَذَا وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ السَّمَيْدعُ بْنُ وَاهِبٍ عَنْ سَرَّارٍ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ أَوِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ ، وَعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ ، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ - يَعْنِي حَدِيثَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ .
فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لَسَوَّغَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَائِرَهُنَّ فِي بَقَاءِ الْعَشَرَةِ وَقَدْ أَسْلَمْنَ مَعَهُ ، فَلَمَّا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِ أَرْبَعٍ وَفِرَاقِ سَائِرِهِنَّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ بِحَالٍ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الدَّوَامِ ، فَفِي الِاسْتِئْنَافِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ : رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ حُمَيْضَةَ بْنِ الشَّمَرْدَلِ - وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : بِنْتِ الشَّمَرْدَلِ ، وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : الشَّمَرْذَلِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ . وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ : الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُمَيْرَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ : أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي ثَمَانِ نِسْوَةٍ ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا " .
وَهَذَا الْإِسْنَادُ حَسَنٌ ، وَمُجَرَّدُ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَا يَضُرُّ مِثْلُهُ ، لِمَا لِلْحَدِيثِ مِنَ الشَّوَاهِدِ .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ : قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي 212 مُسْنَدِهِ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ أَبِي الزِّنَادِ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الدِّيْلِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي خَمْسُ نِسْوَةٍ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اخْتَرْ أَرْبَعًا أَيَّتَهُنَّ شِئْتَ ، وَفَارِقِ الْأُخْرَى " ، فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً عَجُوزٍ عَاقِرٍ مَعِي مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً ، فَطَلَّقْتُهَا .
فَهَذِهِ كُلُّهَا شَوَاهِدُ بِصِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ غَيْلَانَ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) أَيْ : فَإِنْ خَشِيتُمْ مِنْ تَعْدَادِ النِّسَاءِ أَلَّا تَعْدِلُوا بَيْنَهُنَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) [ النِّسَاءِ : 129 ] فَمَنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ فَيَقْتَصِرُ عَلَى وَاحِدَةٍ ، أَوْ عَلَى الْجَوَارِي السَّرَارِي ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ قَسْمٌ بَيْنَهُنَّ ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ ، فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ .
وَقَوْلُهُ : ( ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ) قَالَ بَعْضُهُمْ : [ أَيْ ] أَدْنَى أَلَّا تَكْثُرَ عَائِلَتُكُمْ . قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ) أَيْ فَقْرًا ( فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) [ التَّوْبَةِ : 28 ] وَقَالَ الشَّاعِرُ
﴿﴾ فَمَا يَدْرِي الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ ﴿﴾ ﴿﴾ ومَا يَدرِي الْغَنِيُّ مَتَى يُعِيلُ ﴿﴾
وَتَقُولُ الْعَرَبُ : عَالَ الرَّجُلُ يُعِيلُ عَيْلَةً ، إِذَا افْتَقَرَ وَلَكِنْ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ هَاهُنَا نَظَرٌ; فَإِنَّهُ كَمَا يُخْشَى كَثْرَةُ الْعَائِلَةِ مِنْ تَعْدَادِ الْحَرَائِرِ ، كَذَلِكَ يُخْشَى مِنْ تَعْدَادِ السَّرَارِي أَيْضًا . وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ : ( ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ) أَيْ : لَا تَجُورُوا . يُقَالُ : عَالَ فِي الْحُكْمِ : إِذَا قَسَطَ وَظَلَمَ وَجَارَ ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ :
﴿﴾ بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يَخِيسُ شُعَيْرَةً ﴿﴾ ﴿﴾ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ ﴿﴾
وَقَالَ هُشَيْمٌ : عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : كَتَبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي شَيْءٍ عَاتَبُوهُ فِيهِ : إِنِّي لَسْتُ بِمِيزَانٍ لَا أَعُولُ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَأَبُو حَاتِمِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ) قَالَ : " لَا تَجُورُوا " .
213
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : قَالَ أَبِي : هَذَا حَدِيثٌ خَطَأٌ ، وَالصَّحِيحُ : عَنْ عَائِشَةَ . مَوْقُوفٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَأَبِي مَالِكٍ وَأَبِي رَزِينٍ وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، والسُّدِّيِّ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ : أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا تَمِيلُوا وَقَدِ اسْتَشْهَدَ عِكْرِمَةُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، بِبَيْتِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ ، وَلَكِنَّ مَا أَنْشَدَهُ كَمَا هُوَ الْمَرْوِيُّ فِي السِّيرَةِ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، ثُمَّ أَنْشَدَهُ جَيِّدًا ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : النِّحْلَةُ : الْمَهْرُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : نِحْلَةً : فَرِيضَةً . وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ : نِحْلَةً : أَيْ فَرِيضَةً . زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ : مُسَمَّاهُ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : النِّحْلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْوَاجِبُ ، يَقُولُ : لَا تَنْكِحْهَا إِلَّا بِشَيْءٍ وَاجِبٍ لَهَا ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً إِلَّا بِصَدَاقٍ وَاجِبٍ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَسْمِيَةُ الصَّدَاقِ كَذِبًا بِغَيْرِ حَقٍّ .
وَمَضْمُونُ كَلَامِهِمْ : أَنَّ الرَّجُلَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الصَّدَاقِ إِلَى الْمَرْأَةِ حَتْمًا ، وَأَنْ يَكُونَ طَيِّبَ النَّفْسِ بِذَلِكَ ، كَمَا يَمْنَحُ الْمَنِيحَةَ وَيُعْطِي النِّحْلَةَ طَيِّبًا بِهَا ، كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُعْطِيَ الْمَرْأَةَ صَدَاقَهَا طَيِّبًا بِذَلِكَ ، فَإِنْ طَابَتْ هِيَ لَهُ بِهِ بَعْدَ تَسْمِيَتِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَلْيَأْكُلْهُ حَلَالًا طَيِّبًا; وَلِهَذَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا )
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا ، فَلْيَسْأَلِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَلْيَبْتَعْ بِهَا عَسَلًا ثُمَّ لِيَأْخُذْ مَاءَ السَّمَاءِ فَيَجْتَمِعُ هَنِيئًا مَرِيئًا شِفَاءً مُبَارَكًا .
وَقَالَ هُشَيْمٌ ، عَنْ سَيَّارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ أَخَذَ صَدَاقَهَا دُونَهَا ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَنَزَلَ : ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عُمَيْرٍ الْخَثْعَمِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الطَّائِفِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ ؟ قَالَ : " مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ أَهْلُوهُمْ " .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " أَنْكِحُوا الْأَيَامَى " ثَلَاثًا ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ ؟ قَالَ : " مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ أَهْلُوهُمْ " .
214
ابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ ضَعِيفٌ ، ثُمَّ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَيْضًا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith