تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
page 296 · printed p. 206
تَفْسِيرُ سُورَةِ النِّسَاءِ [ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ ]
قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ بِالْمَدِينَةِ . وَكَذَا رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَرَوَى مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ ، عَنِ أَخِيهِ عِيسَى ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ۝ لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا حَبْسَ " .
وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْبَخْتَرِيِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ ، حَدَّثَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : إِنَّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ لَخَمْسَ آيَاتٍ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ) الْآيَةَ ، وَ ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) الْآيَةَ ، وَ ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) وَ ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ ) الْآيَةَ ، وَ ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) ثُمَّ قَالَ : هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِنْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ فِي خَمْسِ آيَاتٍ مِنَ النِّسَاءِ : لَهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ) وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ : ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ثَمَانِ آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ هِيَ خَيْرٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ ، أُولَاهُنَّ : ( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) وَالثَّانِيَةُ : ( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ) وَالثَّالِثَةُ : ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ) .
ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ سَوَاءً ، يَعْنِي فِي الْخَمْسَةِ . الْبَاقِيَةِ .
وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ; سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : سَلُونِي عَنْ سُورَةِ النِّسَاءِ ، فَإِنِّي قَرَأْتُ الْقُرْآنَ وَأَنَا صَغِيرٌ . ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ .
206 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ( 1 ) )

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا خَلْقَهُ بِتَقْوَاهُ ، وَهِيَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَمُنَبِّهًا لَهُمْ عَلَى قُدْرَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُمْ بِهَا مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، وَهِيَ آدَمُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ( وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) وَهِيَ حَوَّاءُ ، عَلَيْهَا السَّلَامُ ، خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِهِ الْأَيْسَرِ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ نَائِمٌ ، فَاسْتَيْقَظَ فَرَآهَا فَأَعْجَبَتْهُ ، فَأَنِسَ إِلَيْهَا وَأَنِسَتْ إِلَيْهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خُلِقَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ ، فَجُعِلَ نَهْمَتُهَا فِي الرَّجُلِ ، وَخُلِقَ الرَّجُلُ مِنَ الْأَرْضِ ، فَجُعِلَ نَهْمَتُهُ فِي الْأَرْضِ ، فَاحْبِسُوا نِسَاءَكُمْ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : ۝ " إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ ، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ) أَيْ : وَذَرَأَ مِنْهُمَا ، أَيْ : مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ، ونَشَرَهُمْ فِي أَقْطَارِ الْعَالَمِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ وَأَلْوَانِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ ، ثُمَّ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَعَادُ وَالْمَحْشَرُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ) أَيْ : وَاتَّقُوا اللَّهَ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ : ( الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ ) أَيْ : كَمَا يُقَالُ : أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وَبِالرَّحِمِ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي بِهِ تَعَاقَدُونَ وَتَعَاهَدُونَ ، وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا ، وَلَكِنْ بِرُّوهَا وَصِلُوهَا ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالرَّبِيعُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : ( وَالْأَرْحَامِ ) بِالْخَفْضِ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ فِي بِهِ ، أَيْ : تَسَاءَلُونَ بِاللَّهِ وَبِالْأَرْحَامِ ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) أَيْ : هُوَ مُرَاقِبٌ لِجَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ كَمَا قَالَ : ( وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) [ الْبُرُوجِ : 9 ] .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : " ۝ اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ " وَهَذَا إِرْشَادٌ وَأَمْرٌ بِمُرَاقَبَةِ الرَّقِيبِ ; وَلِهَذَا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ أَصْلَ الْخَلْقِ مِنْ أَبٍ [ وَاحِدٍ ] وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ; لِيَعْطِفَ بَعْضُهُمْ عَلَى 207 بَعْضٍ ، وَيُحَنِّنَهُمْ عَلَى ضُعَفَائِهِمْ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ۝ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ مُضَرَ - وَهُمْ مُجْتَابُو النِّمَارِ - أَيْ مِنْ عُرْيِهِمْ وَفَقْرِهِمْ - قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ : ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ وَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [ وَاتَّقُوا اللَّهَ ] ) [ الْحَشْرِ : 18 ] ثُمَّ حَضَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقَالَ : " تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ ، مِنْ دِرْهَمِهِ ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ ، صَاعِ تَمْرِهِ . . . " وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي خُطْبَةِ الْحَاجَةِ وَفِيهَا ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ هَذِهِ مِنْهَا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ] ) الْآيَةَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith