تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 ) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ( 15 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا زُيِّنَ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَلَاذِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينِ ، فَبَدَأَ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ بِهِنَّ أَشَدُّ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ " . فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِهِنَّ الْإِعْفَافَ وَكَثْرَةَ الْأَوْلَادِ ، فَهَذَا مَطْلُوبٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، كَمَا وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِالتَّرْغِيبِ فِي التَّزْوِيجِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ ، " وَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ أَكْثَرَهَا نِسَاءً " وَقَوْلُهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ، إِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ ، وَإِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ " وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ " وَقَالَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا الْخَيْلُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : مِنَ الْخَيْلِ إِلَّا النِّسَاءُ .
وَحُبُّ الْبَنِينَ تَارَةً يَكُونُ لِلتَّفَاخُرِ وَالزِّينَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا ، وَتَارَةً يَكُونُ لِتَكْثِيرِ النَّسْلِ ، وَتَكْثِيرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، فَهَذَا مَحْمُودٌ مَمْدُوحٌ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ : " تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
وَحُبُّ الْمَالِ - كَذَلِكَ - تَارَةً يَكُونُ لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَى الضُّعَفَاءِ ، وَالتَّجَبُّرِ عَلَى الْفُقَرَاءِ ، فَهَذَا مَذْمُومٌ ، وَتَارَةً يَكُونُ لِلنَّفَقَةِ فِي الْقُرُبَاتِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالْقَرَابَاتِ وَوُجُوهِ الْبِرِّ وَالطَّاعَاتِ ، فَهَذَا مَمْدُوحٌ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ شَرْعًا .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مِقْدَارِ الْقِنْطَارِ عَلَى أَقْوَالٍ ، وَحَاصِلُهَا : أَنَّهُ الْمَالُ الْجَزِيلُ ، كَمَا قَالَهُ 20 الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ ، وَقِيلَ : أَلْفُ دِينَارٍ . وَقِيلَ : أَلْفٌ وَمِائَتَا دِينَارٍ . وَقِيلَ : اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا . وَقِيلَ : أَرْبَعُونَ أَلْفًا . وَقِيلَ : سِتُّونَ أَلْفًا وَقِيلَ : سَبْعُونَ أَلْفًا . وَقِيلَ : ثَمَانُونَ أَلْفًا . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْقِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ ، كُلُّ أُوقِيَّةٍ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، بِهِ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَاصِمٍ - هُوَ ابْنُ بَهْدَلَةَ - عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا ، وَهَذَا أَصَحُّ . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَابْنِ عُمَرَ . وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : الْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الضَّرِيرُ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْقِنْطَارُ أَلْفُ أُوقِيَّةٍ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ " .
وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ أَيْضًا ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، كَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَبَذِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يُحَنَّشَ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ ، وَمَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ إِلَى أَلْفٍ أَصْبَحَ لَهُ قِنْطَارٌ مِنْ أَجْرٍ عِنْدَ اللَّهِ ، الْقِنْطَارُ مِنْهُ مِثْلُ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ " . وَرَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، بِمَعْنَاهُ وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ زَيْدٍ اللَّخْمِيُّ بِتَنِّيسَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، وَرَجُلٌ آخَرُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ ) قَالَ : " الْقِنْطَارُ أَلْفَا أُوقِيَّةٍ " . صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ، هَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ .
21 وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِلَفْظٍ آخَرَ فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ - حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ وَرَجُلٌ آخَرُ قَدْ سَمَّاهُ - يَعْنِي يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ - عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : قِنْطَارٌ ، يَعْنِي أَلْفَ دِينَارٍ " . وَهَكَذَا [ رَوَاهُ ] ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا عَنْهُ وَمَوْقُوفًا عَلَيْهِ : الْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا دِينَارٍ . وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ : الْقِنْطَارُ أَلْفُ دِينَارٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَارِمٌ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : [ الْقِنْطَارُ ] مِلْءُ مَسْكِ الثَّوْرِ ذَهَبًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، مَرْفُوعًا . وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ .
وَحُبُّ الْخَيْلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ، تَارَةً يَكُونُ رَبْطَهَا أَصْحَابُهَا مُعَدَّةً لِسَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ، مَتَى احْتَاجُوا إِلَيْهَا غَزَوْا عَلَيْهَا ، فَهَؤُلَاءِ يُثَابُونَ . وَتَارَةً تُرْبَطُ فَخْرًا وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ، فَهَذِهِ عَلَى صَاحِبِهَا وِزْرٌ . وَتَارَةً لِلتَّعَفُّفِ وَاقْتِنَاءِ نَسْلِهَا . وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا ، فَهَذِهِ لِصَاحِبِهَا سِتْرٌ ، كَمَا سَيَأْتِي الْحَدِيثُ بِذَلِكَ [ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ] ) [ الْأَنْفَالِ : 60 ] .
وَأَمَّا ( الْمُسَوَّمَةِ ) فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : الْمُسَوَّمَةُ الرَّاعِيَةُ ، وَالْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبْزَى ، وَالسُّدِّيِّ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَأَبِي سِنَانٍ وَغَيْرِهِمْ .
وَقَالَ مَكْحُولٌ : الْمُسَوَّمَةُ : الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ مِنْ فَرَسٍ عَرَبِيٍّ إِلَّا يُؤْذَنُ لَهُ مَعَ كُلِّ فَجْرٍ يَدْعُو بِدَعْوَتَيْنِ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ خَوَّلْتَنِي مَنْ خَوَّلْتَنِي مِنْ ] 22 بَنِي آدَمَ ، فَاجْعَلْنِي مِنْ أَحَبِّ مَالِهِ وَأَهْلِهِ إِلَيْهِ ، أَوْ أَحَبِّ أَهْلِهِ وَمَالِهِ إِلَيْهِ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَالْأَنْعَامِ ) يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ ( وَالْحَرْثِ ) يَعْنِي الْأَرْضَ الْمُتَّخَذَةَ لِلْغِرَاسِ وَالزِّرَاعَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ بُدَيْلٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ زُهَيْرٍ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " خَيْرُ مَالِ امْرِئٍ لَهُ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ ، أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ " الْمَأْمُورَةُ : الْكَثِيرَةُ النَّسْلِ ، وَالسِّكَّةُ : النَّخْلُ الْمُصْطَفُّ ، وَالْمَأْبُورَةُ : الْمُلَقَّحَةُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) أَيْ : إِنَّمَا هَذَا زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا الْفَانِيَةُ الزَّائِلَةُ ( وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) أَيْ : حُسْنُ الْمَرْجِعِ وَالثَّوَابِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَمَّا أُنْزِلَتْ : ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ) قُلْتُ : الْآنَ يَا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَهَا لَنَا فَنَزَلَتْ : ( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ] ) .
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ) أَيْ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ : أَأُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِمَّا زُيِّنَ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ زَهْرَتِهَا وَنَعِيمِهَا ، الَّذِي هُوَ زَائِلٌ لَا مَحَالَةَ . ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : ( لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) أَيْ : تَنْخَرِقُ بَيْنَ جَوَانِبِهَا وَأَرْجَائِهَا الْأَنْهَارُ ، مِنْ أَنْوَاعِ الْأَشْرِبَةِ ، مِنَ الْعَسَلِ وَاللَّبَنِ وَالْخَمْرِ وَالْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ .
( خَالِدِينَ فِيهَا ) أَيْ : مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدَ الْآبَادِ لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا .
( وَأَزْوَاجٌ مُطَّهَّرَةٌ ) أَيْ : مِنَ الدَّنَسِ ، وَالْخَبَثِ ، وَالْأَذَى ، وَالْحَيْضِ ، وَالنِّفَاسِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْتَرِي نِسَاءَ الدُّنْيَا .
( وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ) أَيْ : يَحِلُّ عَلَيْهِمْ رِضْوَانُهُ ، فَلَا يَسْخَطُ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي فِي ( بَرَاءَةٌ ) : ( وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ) [ التَّوْبَةِ : 72 ] أَيْ : أَعْظَمُ مِمَّا أَعْطَاهُمْ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، 23 ثُمَّ قَالَ [ تَعَالَى ] ( وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) أَيْ : يُعْطِي كُلًّا بِحَسْبِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعَطَاءِ .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا زُيِّنَ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَلَاذِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينِ ، فَبَدَأَ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ بِهِنَّ أَشَدُّ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ " . فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِهِنَّ الْإِعْفَافَ وَكَثْرَةَ الْأَوْلَادِ ، فَهَذَا مَطْلُوبٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، كَمَا وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِالتَّرْغِيبِ فِي التَّزْوِيجِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ ، " وَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ أَكْثَرَهَا نِسَاءً " وَقَوْلُهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ، إِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ ، وَإِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ " وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ " وَقَالَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا الْخَيْلُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : مِنَ الْخَيْلِ إِلَّا النِّسَاءُ .
وَحُبُّ الْبَنِينَ تَارَةً يَكُونُ لِلتَّفَاخُرِ وَالزِّينَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا ، وَتَارَةً يَكُونُ لِتَكْثِيرِ النَّسْلِ ، وَتَكْثِيرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، فَهَذَا مَحْمُودٌ مَمْدُوحٌ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ : " تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
وَحُبُّ الْمَالِ - كَذَلِكَ - تَارَةً يَكُونُ لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَى الضُّعَفَاءِ ، وَالتَّجَبُّرِ عَلَى الْفُقَرَاءِ ، فَهَذَا مَذْمُومٌ ، وَتَارَةً يَكُونُ لِلنَّفَقَةِ فِي الْقُرُبَاتِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالْقَرَابَاتِ وَوُجُوهِ الْبِرِّ وَالطَّاعَاتِ ، فَهَذَا مَمْدُوحٌ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ شَرْعًا .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مِقْدَارِ الْقِنْطَارِ عَلَى أَقْوَالٍ ، وَحَاصِلُهَا : أَنَّهُ الْمَالُ الْجَزِيلُ ، كَمَا قَالَهُ 20 الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ ، وَقِيلَ : أَلْفُ دِينَارٍ . وَقِيلَ : أَلْفٌ وَمِائَتَا دِينَارٍ . وَقِيلَ : اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا . وَقِيلَ : أَرْبَعُونَ أَلْفًا . وَقِيلَ : سِتُّونَ أَلْفًا وَقِيلَ : سَبْعُونَ أَلْفًا . وَقِيلَ : ثَمَانُونَ أَلْفًا . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْقِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ ، كُلُّ أُوقِيَّةٍ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، بِهِ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَاصِمٍ - هُوَ ابْنُ بَهْدَلَةَ - عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا ، وَهَذَا أَصَحُّ . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَابْنِ عُمَرَ . وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : الْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الضَّرِيرُ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْقِنْطَارُ أَلْفُ أُوقِيَّةٍ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ " .
وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ أَيْضًا ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، كَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَبَذِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يُحَنَّشَ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ ، وَمَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ إِلَى أَلْفٍ أَصْبَحَ لَهُ قِنْطَارٌ مِنْ أَجْرٍ عِنْدَ اللَّهِ ، الْقِنْطَارُ مِنْهُ مِثْلُ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ " . وَرَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، بِمَعْنَاهُ وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ زَيْدٍ اللَّخْمِيُّ بِتَنِّيسَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، وَرَجُلٌ آخَرُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ ) قَالَ : " الْقِنْطَارُ أَلْفَا أُوقِيَّةٍ " . صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ، هَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ .
21 وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِلَفْظٍ آخَرَ فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ - حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ وَرَجُلٌ آخَرُ قَدْ سَمَّاهُ - يَعْنِي يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ - عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : قِنْطَارٌ ، يَعْنِي أَلْفَ دِينَارٍ " . وَهَكَذَا [ رَوَاهُ ] ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا عَنْهُ وَمَوْقُوفًا عَلَيْهِ : الْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا دِينَارٍ . وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ : الْقِنْطَارُ أَلْفُ دِينَارٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَارِمٌ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : [ الْقِنْطَارُ ] مِلْءُ مَسْكِ الثَّوْرِ ذَهَبًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، مَرْفُوعًا . وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ .
وَحُبُّ الْخَيْلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ، تَارَةً يَكُونُ رَبْطَهَا أَصْحَابُهَا مُعَدَّةً لِسَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ، مَتَى احْتَاجُوا إِلَيْهَا غَزَوْا عَلَيْهَا ، فَهَؤُلَاءِ يُثَابُونَ . وَتَارَةً تُرْبَطُ فَخْرًا وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ، فَهَذِهِ عَلَى صَاحِبِهَا وِزْرٌ . وَتَارَةً لِلتَّعَفُّفِ وَاقْتِنَاءِ نَسْلِهَا . وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا ، فَهَذِهِ لِصَاحِبِهَا سِتْرٌ ، كَمَا سَيَأْتِي الْحَدِيثُ بِذَلِكَ [ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ] ) [ الْأَنْفَالِ : 60 ] .
وَأَمَّا ( الْمُسَوَّمَةِ ) فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : الْمُسَوَّمَةُ الرَّاعِيَةُ ، وَالْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبْزَى ، وَالسُّدِّيِّ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَأَبِي سِنَانٍ وَغَيْرِهِمْ .
وَقَالَ مَكْحُولٌ : الْمُسَوَّمَةُ : الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ مِنْ فَرَسٍ عَرَبِيٍّ إِلَّا يُؤْذَنُ لَهُ مَعَ كُلِّ فَجْرٍ يَدْعُو بِدَعْوَتَيْنِ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ خَوَّلْتَنِي مَنْ خَوَّلْتَنِي مِنْ ] 22 بَنِي آدَمَ ، فَاجْعَلْنِي مِنْ أَحَبِّ مَالِهِ وَأَهْلِهِ إِلَيْهِ ، أَوْ أَحَبِّ أَهْلِهِ وَمَالِهِ إِلَيْهِ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَالْأَنْعَامِ ) يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ ( وَالْحَرْثِ ) يَعْنِي الْأَرْضَ الْمُتَّخَذَةَ لِلْغِرَاسِ وَالزِّرَاعَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ بُدَيْلٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ زُهَيْرٍ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " خَيْرُ مَالِ امْرِئٍ لَهُ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ ، أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ " الْمَأْمُورَةُ : الْكَثِيرَةُ النَّسْلِ ، وَالسِّكَّةُ : النَّخْلُ الْمُصْطَفُّ ، وَالْمَأْبُورَةُ : الْمُلَقَّحَةُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) أَيْ : إِنَّمَا هَذَا زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا الْفَانِيَةُ الزَّائِلَةُ ( وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) أَيْ : حُسْنُ الْمَرْجِعِ وَالثَّوَابِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَمَّا أُنْزِلَتْ : ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ) قُلْتُ : الْآنَ يَا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَهَا لَنَا فَنَزَلَتْ : ( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ] ) .
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ) أَيْ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ : أَأُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِمَّا زُيِّنَ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ زَهْرَتِهَا وَنَعِيمِهَا ، الَّذِي هُوَ زَائِلٌ لَا مَحَالَةَ . ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : ( لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) أَيْ : تَنْخَرِقُ بَيْنَ جَوَانِبِهَا وَأَرْجَائِهَا الْأَنْهَارُ ، مِنْ أَنْوَاعِ الْأَشْرِبَةِ ، مِنَ الْعَسَلِ وَاللَّبَنِ وَالْخَمْرِ وَالْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ .
( خَالِدِينَ فِيهَا ) أَيْ : مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدَ الْآبَادِ لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا .
( وَأَزْوَاجٌ مُطَّهَّرَةٌ ) أَيْ : مِنَ الدَّنَسِ ، وَالْخَبَثِ ، وَالْأَذَى ، وَالْحَيْضِ ، وَالنِّفَاسِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْتَرِي نِسَاءَ الدُّنْيَا .
( وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ) أَيْ : يَحِلُّ عَلَيْهِمْ رِضْوَانُهُ ، فَلَا يَسْخَطُ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي فِي ( بَرَاءَةٌ ) : ( وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ) [ التَّوْبَةِ : 72 ] أَيْ : أَعْظَمُ مِمَّا أَعْطَاهُمْ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، 23 ثُمَّ قَالَ [ تَعَالَى ] ( وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) أَيْ : يُعْطِي كُلًّا بِحَسْبِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعَطَاءِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith