تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ( 15 ) )
179
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّنْ يَخَافُ مَقَامَ رَبِّهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إِذَا كَانَ غَائِبًا عَنِ النَّاسِ ، فَيَنْكَفُّ عَنِ الْمَعَاصِي وَيَقُومُ بِالطَّاعَاتِ ، حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ ، بِأَنَّهُ لَهُ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ، أَيْ : يُكَفِّرُ عَنْهُ ذُنُوبَهُ ، وَيُجَازَى بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ " ، فَذَكَرَ مِنْهُمْ : " رَجُلًا دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ، وَرَجُلًا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا ، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ " .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا طَالُوتُ بْنُ عَبَّادٍ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَكُونُ عِنْدَكَ عَلَى حَالٍ ، فَإِذَا فَارَقْنَاكَ كُنَّا عَلَى غَيْرِهِ ؟ قَالَ : " كَيْفَ أَنْتُمْ وَرَبُّكُمْ ؟ " قَالُوا : اللَّهُ رَبُّنَا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ . قَالَ : " لَيْسَ ذَلِكُمُ النِّفَاقُ " .
لَمْ يَرْوِهِ عَنْ ثَابِتٍ إِلَّا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ فِيمَا نَعْلَمُهُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ : ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) أَيْ : بِمَا خَطَرَ فِي الْقُلُوبِ .
( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ) ؟ أَيْ : أَلَا يَعْلَمُ الْخَالِقُ ؟ ! وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَلَا يَعْلَمُ اللَّهُ مَخْلُوقَهُ ؟ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، لِقَوْلِهِ : ( وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )
ثُمَّ ذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي تَسْخِيرِهِ لَهُمُ الْأَرْضَ ، وَتَذْلِيلِهِ إِيَّاهَا لَهُمْ ، بِأَنْ جَعَلَهَا قَارَّةً سَاكِنَةً لَا تَمْتَدُّ وَلَا تَضْطَرِبُ بِمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ ، وَأَنْبَعَ فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ، وَسَلَكَ فِيهَا مِنَ السُّبُلِ ، وَهَيَّأَهَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَمَوَاضِعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ ، فَقَالَ : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ) أَيْ : فَسَافِرُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ، وَتَرَدَّدُوا فِي أَقَالِيمِهَا وَأَرْجَائِهَا فِي أَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ وَالتِّجَارَاتِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ سَعْيَكُمْ لَا يُجْدِي عَلَيْكُمْ شَيْئًا ، إِلَّا أَنْ يُيَسِّرَهُ اللَّهُ لَكُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) فَالسَّعْيُ فِي السَّبَبِ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ ، أَخْبَرَنِي بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هُبَيْرَةَ يَقُولُ : إِنَّهُ سَمِعَ أَبَا تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيَّ يَقُولُ : إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا " .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . فَأَثْبَتَ لَهَا رَوَاحًا وَغُدُوًّا لِطَلَبِ الرِّزْقِ ، مَعَ تَوَكُّلِهَا عَلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَهُوَ الْمُسَخِّرُ الْمُسَيِّرُ الْمُسَبِّبُ . ) وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) أَيِ : الْمَرْجِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
180
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : ( مَنَاكِبِهَا ) أَطْرَافُهَا ، وَفِجَاجُهَا ، وَنَوَاحِيهَا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وقَتَادَةُ : ( مَنَاكِبِهَا ) الْجِبَالُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَكَّامٍ الْأَزْدِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ : أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ) فَقَالَ لِأُمِّ وَلَدٍ لَهُ : إِنْ عَلِمْتِ ) مَنَاكِبِهَا ) فَأَنْتِ عَتِيقَةٌ . فَقَالَتْ : هِيَ الْجِبَالُ . فَسَأَلَ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ : هِيَ الْجِبَالُ .
179
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّنْ يَخَافُ مَقَامَ رَبِّهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إِذَا كَانَ غَائِبًا عَنِ النَّاسِ ، فَيَنْكَفُّ عَنِ الْمَعَاصِي وَيَقُومُ بِالطَّاعَاتِ ، حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ ، بِأَنَّهُ لَهُ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ، أَيْ : يُكَفِّرُ عَنْهُ ذُنُوبَهُ ، وَيُجَازَى بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ " ، فَذَكَرَ مِنْهُمْ : " رَجُلًا دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ، وَرَجُلًا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا ، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ " .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا طَالُوتُ بْنُ عَبَّادٍ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَكُونُ عِنْدَكَ عَلَى حَالٍ ، فَإِذَا فَارَقْنَاكَ كُنَّا عَلَى غَيْرِهِ ؟ قَالَ : " كَيْفَ أَنْتُمْ وَرَبُّكُمْ ؟ " قَالُوا : اللَّهُ رَبُّنَا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ . قَالَ : " لَيْسَ ذَلِكُمُ النِّفَاقُ " .
لَمْ يَرْوِهِ عَنْ ثَابِتٍ إِلَّا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ فِيمَا نَعْلَمُهُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ : ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) أَيْ : بِمَا خَطَرَ فِي الْقُلُوبِ .
( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ) ؟ أَيْ : أَلَا يَعْلَمُ الْخَالِقُ ؟ ! وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَلَا يَعْلَمُ اللَّهُ مَخْلُوقَهُ ؟ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، لِقَوْلِهِ : ( وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )
ثُمَّ ذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي تَسْخِيرِهِ لَهُمُ الْأَرْضَ ، وَتَذْلِيلِهِ إِيَّاهَا لَهُمْ ، بِأَنْ جَعَلَهَا قَارَّةً سَاكِنَةً لَا تَمْتَدُّ وَلَا تَضْطَرِبُ بِمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ ، وَأَنْبَعَ فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ، وَسَلَكَ فِيهَا مِنَ السُّبُلِ ، وَهَيَّأَهَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَمَوَاضِعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ ، فَقَالَ : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ) أَيْ : فَسَافِرُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ، وَتَرَدَّدُوا فِي أَقَالِيمِهَا وَأَرْجَائِهَا فِي أَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ وَالتِّجَارَاتِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ سَعْيَكُمْ لَا يُجْدِي عَلَيْكُمْ شَيْئًا ، إِلَّا أَنْ يُيَسِّرَهُ اللَّهُ لَكُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) فَالسَّعْيُ فِي السَّبَبِ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ ، أَخْبَرَنِي بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هُبَيْرَةَ يَقُولُ : إِنَّهُ سَمِعَ أَبَا تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيَّ يَقُولُ : إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا " .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . فَأَثْبَتَ لَهَا رَوَاحًا وَغُدُوًّا لِطَلَبِ الرِّزْقِ ، مَعَ تَوَكُّلِهَا عَلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَهُوَ الْمُسَخِّرُ الْمُسَيِّرُ الْمُسَبِّبُ . ) وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) أَيِ : الْمَرْجِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
180
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : ( مَنَاكِبِهَا ) أَطْرَافُهَا ، وَفِجَاجُهَا ، وَنَوَاحِيهَا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وقَتَادَةُ : ( مَنَاكِبِهَا ) الْجِبَالُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَكَّامٍ الْأَزْدِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ : أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ) فَقَالَ لِأُمِّ وَلَدٍ لَهُ : إِنْ عَلِمْتِ ) مَنَاكِبِهَا ) فَأَنْتِ عَتِيقَةٌ . فَقَالَتْ : هِيَ الْجِبَالُ . فَسَأَلَ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ : هِيَ الْجِبَالُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith