تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1798 · printed p. 495
( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ( 26 ) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ( 27 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 28 ) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 30 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ سَيَذْهَبُونَ وَيَمُوتُونَ أَجْمَعُونَ ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ سِوَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ ; فَإِنَّ الرَّبَّ - تَعَالَى وَتَقَدَّسَ - لَا يَمُوتُ ، بَلْ هُوَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ أَبَدًا .
قَالَ قَتَادَةُ : أَنْبَأَ بِمَا خَلَقَ ، ثُمَّ أَنْبَأَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ .
وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ : يَا حَيُّ ، يَا قَيُّومُ ، يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، بِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ ، أَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ ، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : إِذَا قَرَأْتَ ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ) ، فَلَا تَسْكُتْ حَتَّى تَقْرَأَ : ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) [ الْقِصَصِ : 88 ] ، وَقَدْ نَعَتَ تَعَالَى وَجْهَهُ الْكَرِيمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّهُ ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) أَيْ : هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُجَلَّ فَلَا يُعْصَى ، وَأَنْ يُطَاعَ فَلَا يُخَالَفُ ، كَقَوْلِهِ : ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) [ الْكَهْفِ : 28 ] ، وَكَقَوْلِهِ إِخْبَارًا عَنِ الْمُتَصَدِّقِينَ : ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ) [ الْإِنْسَانِ : 9 ]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) ذُو الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ .
وَلَمَّا أَخْبَرَ عَنْ تَسَاوِي أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ فِي الْوَفَاةِ ، وَأَنَّهُمْ سَيَصِيرُونَ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ ، فَيَحْكُمُ فِيهِمْ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ بِحُكْمِهِ الْعَدْلِ قَالَ : ( فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .
وَقَوْلُهُ : ( يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ غِنَاهُ عَمَّا سِوَاهُ وَافْتِقَارِ الْخَلَائِقِ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْآنَاتِ ، وَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ بِلِسَانِ حَالِهِمْ وَقَالِهِمْ ، وَأَنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ .
495 قَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ : ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) ، قَالَ : مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُجِيبَ دَاعِيًا ، أَوْ يُعْطِيَ سَائِلًا أَوْ يَفُكَّ عَانِيًا ، أَوْ يَشْفِيَ سَقِيمًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ يُجِيبُ دَاعِيًا ، وَيَكْشِفُ كَرْبًا ، وَيُجِيبُ مُضْطَرًّا وَيَغْفِرُ ذَنْبًا .
وَقَالَ قَتَادَةُ : لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، يُحْيِي حَيًّا ، وَيُمِيتُ مَيِّتًا ، وَيُرَبِّي صَغِيرًا ، وَيَفُكُّ أَسِيرًا ، وَهُوَ مُنْتَهَى حَاجَاتِ الصَّالِحِينَ وَصَرِيخُهُمْ ، وَمُنْتَهَى شَكْوَاهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحِمْصِيُّ ، حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ جَبَلَةَ - هُوَ الْفَزَارِيُّ - قَالَ : إِنَّ رَبَّكُمْ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ، فَيُعْتِقُ رِقَابًا ، وَيُعْطِي رِغَابًا ، وَيُقْحِمُ عِقَابًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْغُزِّيُّ ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ السَّكْسَكِيُّ ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدَةَ بْنِ رَبَاحٍ الْغَسَّانِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُنِيبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيبٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ۝ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ : ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا ذَاكَ الشَّأْنُ ؟ قَالَ : " أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا ، وَيُفَرِّجَ كَرْبًا ، وَيَرْفَعَ قَوْمًا ، وَيَضَعَ آخَرِينَ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاسِطِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا الْوَزِيرُ بْنُ صَبِيحٍ الثَّقَفِيُّ أَبُو رَوْحٍ الدِّمَشْقِيُّ - وَالسِّيَاقُ لِهِشَامٍ - قَالَ : سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ ، يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) قَالَ : " مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا ، وَيُفَرِّجَ كَرْبًا ، وَيَرْفَعَ قَوْمًا ، وَيَضَعَ آخَرِينَ " .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، بِهِ . ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هَمَّامٍ الْوَلِيدِ بْنِ شُجَاعٍ ، عَنِ الْوَزِيرِ بْنِ صَبِيحٍ قَالَ : وَدَلَّنَا عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ . قَالَ : وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . يَعْنِي إِسْنَادَهُ الْأَوَّلَ .
قُلْتُ : وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا ، كَمَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ ، فَجَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
496 وَقَالَ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، ۝ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) ، قَالَ : " يَغْفِرُ ذَنْبًا ، وَيَكْشِفُ كَرْبًا " .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ ، قَلَمُهُ نُورٌ ، وَكِتَابُهُ نُورٌ ، عَرْضُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً ، يَخْلُقُ فِي كُلِّ نَظْرَةٍ ، وَيُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith