تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
( وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ( 17 ) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 18 ) )
( وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 19 ) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ( 20 ) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ( 21 ) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ( 22 ) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 23 ) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 ) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ( 27 ) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ( 28 ) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ( 29 ) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ( 30 ) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 32 ) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ ( 33 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : وَلَقَدِ اخْتَبَرْنَا قَبْلَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ، وَهُمْ قِبْطُ مِصْرَ ، ( وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ) يَعْنِي مُوسَى كَلِيمَهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ،
( أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ ) ، كَقَوْلِهِ : ( فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ) [ طه : 47 ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ) أَيْ : مَأْمُونٌ عَلَى مَا أُبَلِّغُكُمُوهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ) أَيْ : لَا تَسْتَكْبِرُوا عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِهِ ، وَالِانْقِيَادِ لِحُجَجِهِ وَالْإِيمَانِ بِبَرَاهِينِهِ ، كَقَوْلِهِ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) [ غَافِرٍ : 60 ] .
( إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ [ مُبِينٍ ] ) أَيْ : بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَاضِحَةٍ ، وَهِيَ مَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ .
252
( وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو صَالِحٍ : هُوَ الرَّجْمُ بِاللِّسَانِ وَهُوَ الشَّتْمُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : [ هُوَ ] الرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ .
أَيْ أَعُوذُ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَكُمْ [ مِنْ ] أَنْ تَصِلُوا إِلَيَّ بِسُوءٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ .
( وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ) أَيْ : فَلَا تَتَعَرَّضُوا إِلَيَّ ، وَدَعُوا الْأَمْرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مُسَالِمَةً إِلَى أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَنَا . فَلَمَّا طَالَ مَقَامُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، وَأَقَامَ حُجَجَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، كُلُّ ذَلِكَ وَمَا زَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا كُفْرًا وَعِنَادًا ، دَعَا رَبَّهُ عَلَيْهِمْ دَعْوَةً نَفَذَتْ فِيهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا ) [ يُونُسَ : 88 ، 89 ] . وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ) فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ فِرْعَوْنَ وَمُشَاوَرَتِهِ وَاسْتِئْذَانِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ) كَمَا قَالَ : ( وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ) [ طه : 77 ] .
وَقَوْلُهُ هَاهُنَا : ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ) وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا جَاوَزَ هُوَ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ، أَرَادَ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَصَاهُ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ ، لِيَصِيرَ حَائِلًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ فِرْعَوْنَ ، فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ . فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى حَالِهِ سَاكِنًا ، وَبَشَّرَهُ بِأَنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ فِيهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَخَافُ دَرَكًا وَلَا يَخْشَى .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) كَهَيْئَتِهِ وَامْضِهِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ) رَهْوًا ) طَرِيقًا يَبْسًا كَهَيْئَتِهِ ، يَقُولُ : لَا تَأْمُرْهُ يَرْجِعُ ، اتْرُكْهُ حَتَّى يَرْجِعَ آخِرُهُمْ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ ) وَهِيَ الْبَسَاتِينُ ( وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ ) وَالْمُرَادُ بِهَا الْأَنْهَارُ وَالْآبَارُ ، ( وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) وَهِيَ الْمَسَاكِنُ الْكَرِيمَةُ الْأَنِيقَةُ وَالْأَمَاكِنُ الْحَسَنَةُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ( وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) : الْمَنَابِرُ .
وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَافِرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : نِيلُ مِصْرَ سَيِّدُ الْأَنْهَارِ ، سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ نَهْرٍ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَذَلَّلَهُ لَهُ ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ نِيلَ مِصْرَ أَمَرَ كُلَّ نَهْرٍ أَنْ يَمُدَّهُ ، فَأَمَدَّتْهُ الْأَنْهَارُ بِمَائِهَا ، وَفَجَّرَ اللَّهُ لَهُ الْأَرْضَ عُيُونًا ، فَإِذَا انْتَهَى جَرْيُهُ إِلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى كُلِّ مَاءٍ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى عُنْصُرِهِ .
253
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ) قَالَ : كَانَتِ الْجِنَانُ بِحَافَّتَيْ هَذَا النِّيلِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فِي الشِّقَّيْنِ جَمِيعًا ، مَا بَيْنَ أَسْوَانَ إِلَى رَشِيدٍ ، وَكَانَ لَهُ تِسْعَةُ خُلُجٍ : خَلِيجُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، وَخَلِيجُ دِمْيَاطَ ، وَخَلِيجُ سَرْدُوسَ ، وَخَلِيجُ مَنْفٍ ، وَخَلِيجُ الْفَيُّومِ ، وَخَلِيجُ الْمَنْهَى ، مُتَّصِلَةٌ لَا يَنْقَطِعُ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ ، وَزُرُوعٌ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ ، كُلُّهُ مِنْ أَوَّلِ مِصْرَ إِلَى آخِرِ مَا يَبْلُغُهُ الْمَاءُ ، وَكَانَتْ جَمِيعُ أَرْضِ مِصْرَ تُرْوَى مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا ، لِمَا قَدَّرُوا وَدَبَّرُوا مِنْ قَنَاطِرِهَا وَجُسُورِهَا وَخُلُجِهَا .
( وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ) أَيْ عِيشَةٍ كَانُوا يَتَفَكَّهُونَ فِيهَا فَيَأْكُلُونَ مَا شَاءُوا وَيَلْبَسُونَ مَا أَحَبُّوا مَعَ الْأَمْوَالِ وَالْجَاهَاتِ وَالْحُكْمِ فِي الْبِلَادِ ، فَسُلِبُوا ذَلِكَ جَمِيعُهُ فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَفَارَقُوا الدُّنْيَا وَصَارُوا إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ وَتِلْكَ الْحَوَاصِلِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَالْمَمَالِكِ الْقِبْطِيَّةِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 59 ] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) [ الْأَعْرَافِ : 137 ] . وَقَالَ هَاهُنَا : ( كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ) وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَوْلُهُ : ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ) أَيْ : لَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ تَصْعَدُ فِي أَبْوَابِ السَّمَاءِ فَتَبْكِي عَلَى فَقْدِهِمْ ، وَلَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ بِقَاعٌ عَبَدُوا اللَّهَ فِيهَا فَقَدَتْهُمْ ; فَلِهَذَا اسْتَحَقُّوا أَلَّا يُنْظَرُوا وَلَا يُؤَخَّرُوا لِكُفْرِهِمْ وَإِجْرَامِهِمْ ، وَعُتُوِّهِمْ وَعِنَادِهِمْ .
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ فِي السَّمَاءِ بَابَانِ : بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِزْقُهُ ، وَبَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ عَمَلُهُ وَكَلَامُهُ ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدَاهُ وَبَكَيَا عَلَيْهِ " وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ) وَذَكَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَمِلُوا عَلَى الْأَرْضِ عَمَلًا صَالِحًا يَبْكِي عَلَيْهِمْ . وَلَمْ يَصْعَدْ لَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ كَلَامِهِمْ وَلَا مِنْ عَمَلِهِمْ كَلَامٌ طَيِّبٌ ، وَلَا عَمَلٌ صَالِحٌ فَتَفْقِدَهُمْ فَتَبْكِيَ عَلَيْهِمْ .
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ وَهُوَ الرَّبَذِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا . أَلَا لَا غُرْبَةَ عَلَى مُؤْمِنٍ مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ فِي غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ " . ثُمَّ 254 قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ) ثُمَّ قَالَ : " إِنَّهُمَا لَا يَبْكِيَانِ عَلَى الْكَافِرِ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبَى حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ - يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ - حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هَلْ تَبْكِي السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَلَى أَحَدٍ ؟ فَقَالَ لَهُ : لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ ، إِنَّهُ لَيْسَ [ مِنْ ] عَبْدٍ إِلَّا لَهُ مُصَلًّى فِي الْأَرْضِ ، وَمَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّمَاءِ . وَإِنَّ آلَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَلٌ صَالِحٌ فِي الْأَرْضِ ، وَلَا عَمَلٌ يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ ، ثُمَّ قَرَأَ عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ )
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مِنْهَالٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبَّاسٍ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ : ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ) فَهَلْ تَبْكِي السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَلَى أَحَدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ إِلَّا وَلَهُ بَابٌ فِي السَّمَاءِ مِنْهُ يَنْزِلُ رِزْقُهُ ، وَفِيهِ يَصْعَدُ عَمَلُهُ ، فَإِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ فَأُغْلِقَ بَابُهُ مِنَ السَّمَاءِ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ وَيَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ بَكَى عَلَيْهِ ، وَإِذَا فُقِدَ مُصَلَّاهُ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا وَيَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا بَكَتْ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ آثَارٌ صَالِحَةٌ ، وَلَمْ يَكُنْ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ خَيْرٌ ، فَلَمْ تَبْكِ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ .
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، نَحْوَ هَذَا .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] قَالَ : كَانَ يُقَالُ : تَبْكِي الْأَرْضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا : مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : أَتَبْكِي الْأَرْضُ ؟ فَقَالَ : أَتَعْجَبُ ؟ وَمَا لِلْأَرْضِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْدٍ ، كَانَ يُعَمِّرُهَا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ؟ وَمَا لِلسَّمَاءِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْدٍ كَانَ لِتَكْبِيرِهِ وَتَسْبِيحِهِ فِيهَا دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ ؟
وَقَالَ قَتَادَةُ : كَانُوا أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ تَبْكِيَ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ سَابِقٍ ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : مَا بَكَتِ السَّمَاءُ مُنْذُ كَانَتِ الدُّنْيَا إِلَّا عَلَى اثْنَيْنِ قُلْتُ لِعُبَيْدٍ : أَلَيْسَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ تَبْكِي عَلَى الْمُؤْمِنِ ؟ قَالَ : ذَاكَ مَقَامُهُ حَيْثُ يَصْعَدُ عَمَلُهُ . قَالَ : وَتَدْرِي مَا بُكَاءُ السَّمَاءِ ؟ قُلْتُ لَا قَالَ : تَحْمَرُّ وَتَصِيرُ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ، إِنَّ يَحْيَى 255 بْنَ زَكَرِيَّا لَمَّا قُتِلَ احْمَرَّتِ السَّمَاءُ وَقَطَرَتْ دَمًا . وَإِنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا قُتِلَ احْمَرَّتِ السَّمَاءُ .
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو - زُنَيْجٌ - حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، احْمَرَّتْ آفَاقُ السَّمَاءِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ . قَالَ يَزِيدُ : وَاحْمِرَارُهَا بُكَاؤُهَا . وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ الْكَبِيرُ .
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ : بُكَاؤُهَا : أَنْ تَحْمَرَّ أَطْرَافُهَا .
وَذَكَرُوا أَيْضًا فِي مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ مَا قُلِبَ حَجَرٌ يَوْمَئِذٍ إِلَّا وُجِدَ تَحْتَهُ دَمٌ عَبِيطٌ ، وَأَنَّهُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ، وَاحْمَرَّ الْأُفُقُ ، وَسَقَطَتْ حِجَارَةٌ . وَفِي كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ نَظَرٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ سَخَفِ الشِّيعَةِ وَكَذِبِهِمْ ، لِيُعَظِّمُوا الْأَمْرَ - وَلَا شَكَّ أَنَّهُ عَظِيمٌ - وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ هَذَا الَّذِي اخْتَلَقُوهُ وَكَذَبُوهُ ، وَقَدْ وَقَعَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ [ ذَلِكَ ] ، قُتِلَ الْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ قُتِلَ أَبُوهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَمْ يَقَعْ [ شَيْءٌ مِنْ ] ذَلِكَ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قُتِلَ مَحْصُورًا مَظْلُومًا ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قُتِلَ فِي الْمِحْرَابِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَكَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ تَطْرُقْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ سَيِّدُ الْبَشَرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَوْمَ مَاتَ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ . وَيَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ النَّاسُ : [ الشَّمْسُ ] خَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْكُسُوفِ ، وَخَطَبَهُمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ) يَمْتَنُّ عَلَيْهِمْ تَعَالَى بِذَلِكَ ، حَيْثُ أَنْقَذَهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ إِهَانَةِ فِرْعَوْنَ وَإِذْلَالِهِ لَهُمْ ، وَتَسْخِيرِهِ إِيَّاهُمْ فِي الْأَعْمَالِ الْمُهِينَةِ الشَّاقَّةِ .
وَقَوْلُهُ : ( مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا [ مِنَ الْمُسْرِفِينَ ] ) أَيْ : مُسْتَكْبِرًا جَبَّارًا عَنِيدًا ، كَقَوْلِهِ : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ [ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ] ) [ الْقِصَصِ : 4 ] .
وَقَوْلُهُ : ( فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 46 ] ، [ وَقَوْلُهُ ( فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ) ] [ الْعَنْكَبُوتِ : 39 ] ، [ فَكَانَ فِرْعَوْنَ ] سَرِفًا فِي أَمْرِهِ ، سَخِيفَ الرَّأْيِ عَلَى نَفْسِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : ( اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) عَلَى مَنْ هُمْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : اخْتِيرُوا عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِمْ ذَلِكَ . وَكَانَ يُقَالُ : إِنَّ 256 لِكُلِّ زَمَانٍ عَالَمًا . وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ ) [ الْأَعْرَافِ : 144 ] أَيْ : أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَكَقَوْلِهِ لِمَرْيَمَ : ( وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 42 ] أَيْ : فِي زَمَانِهَا ; فَإِنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا ، وَكَذَا آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، أَوْ مُسَاوِيَةٌ لَهَا فِي الْفَضْلِ ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ ) أَيْ : [ مِنَ ] الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ ( مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ ) أَيِ : اخْتِبَارٌ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ لِمَنِ اهْتَدَى بِهِ .
( وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 19 ) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ( 20 ) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ( 21 ) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ( 22 ) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 23 ) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 ) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ( 27 ) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ( 28 ) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ( 29 ) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ( 30 ) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 32 ) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ ( 33 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : وَلَقَدِ اخْتَبَرْنَا قَبْلَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ، وَهُمْ قِبْطُ مِصْرَ ، ( وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ) يَعْنِي مُوسَى كَلِيمَهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ،
( أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ ) ، كَقَوْلِهِ : ( فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ) [ طه : 47 ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ) أَيْ : مَأْمُونٌ عَلَى مَا أُبَلِّغُكُمُوهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ) أَيْ : لَا تَسْتَكْبِرُوا عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِهِ ، وَالِانْقِيَادِ لِحُجَجِهِ وَالْإِيمَانِ بِبَرَاهِينِهِ ، كَقَوْلِهِ : ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) [ غَافِرٍ : 60 ] .
( إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ [ مُبِينٍ ] ) أَيْ : بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَاضِحَةٍ ، وَهِيَ مَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ .
252
( وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو صَالِحٍ : هُوَ الرَّجْمُ بِاللِّسَانِ وَهُوَ الشَّتْمُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : [ هُوَ ] الرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ .
أَيْ أَعُوذُ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَكُمْ [ مِنْ ] أَنْ تَصِلُوا إِلَيَّ بِسُوءٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ .
( وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ) أَيْ : فَلَا تَتَعَرَّضُوا إِلَيَّ ، وَدَعُوا الْأَمْرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مُسَالِمَةً إِلَى أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَنَا . فَلَمَّا طَالَ مَقَامُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، وَأَقَامَ حُجَجَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، كُلُّ ذَلِكَ وَمَا زَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا كُفْرًا وَعِنَادًا ، دَعَا رَبَّهُ عَلَيْهِمْ دَعْوَةً نَفَذَتْ فِيهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا ) [ يُونُسَ : 88 ، 89 ] . وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ) فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ فِرْعَوْنَ وَمُشَاوَرَتِهِ وَاسْتِئْذَانِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ) كَمَا قَالَ : ( وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ) [ طه : 77 ] .
وَقَوْلُهُ هَاهُنَا : ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ) وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا جَاوَزَ هُوَ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ، أَرَادَ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَصَاهُ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ ، لِيَصِيرَ حَائِلًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ فِرْعَوْنَ ، فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ . فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى حَالِهِ سَاكِنًا ، وَبَشَّرَهُ بِأَنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ فِيهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَخَافُ دَرَكًا وَلَا يَخْشَى .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) كَهَيْئَتِهِ وَامْضِهِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ) رَهْوًا ) طَرِيقًا يَبْسًا كَهَيْئَتِهِ ، يَقُولُ : لَا تَأْمُرْهُ يَرْجِعُ ، اتْرُكْهُ حَتَّى يَرْجِعَ آخِرُهُمْ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ ) وَهِيَ الْبَسَاتِينُ ( وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ ) وَالْمُرَادُ بِهَا الْأَنْهَارُ وَالْآبَارُ ، ( وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) وَهِيَ الْمَسَاكِنُ الْكَرِيمَةُ الْأَنِيقَةُ وَالْأَمَاكِنُ الْحَسَنَةُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ( وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) : الْمَنَابِرُ .
وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَافِرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : نِيلُ مِصْرَ سَيِّدُ الْأَنْهَارِ ، سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ نَهْرٍ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَذَلَّلَهُ لَهُ ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ نِيلَ مِصْرَ أَمَرَ كُلَّ نَهْرٍ أَنْ يَمُدَّهُ ، فَأَمَدَّتْهُ الْأَنْهَارُ بِمَائِهَا ، وَفَجَّرَ اللَّهُ لَهُ الْأَرْضَ عُيُونًا ، فَإِذَا انْتَهَى جَرْيُهُ إِلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى كُلِّ مَاءٍ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى عُنْصُرِهِ .
253
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ) قَالَ : كَانَتِ الْجِنَانُ بِحَافَّتَيْ هَذَا النِّيلِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فِي الشِّقَّيْنِ جَمِيعًا ، مَا بَيْنَ أَسْوَانَ إِلَى رَشِيدٍ ، وَكَانَ لَهُ تِسْعَةُ خُلُجٍ : خَلِيجُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، وَخَلِيجُ دِمْيَاطَ ، وَخَلِيجُ سَرْدُوسَ ، وَخَلِيجُ مَنْفٍ ، وَخَلِيجُ الْفَيُّومِ ، وَخَلِيجُ الْمَنْهَى ، مُتَّصِلَةٌ لَا يَنْقَطِعُ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ ، وَزُرُوعٌ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ ، كُلُّهُ مِنْ أَوَّلِ مِصْرَ إِلَى آخِرِ مَا يَبْلُغُهُ الْمَاءُ ، وَكَانَتْ جَمِيعُ أَرْضِ مِصْرَ تُرْوَى مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا ، لِمَا قَدَّرُوا وَدَبَّرُوا مِنْ قَنَاطِرِهَا وَجُسُورِهَا وَخُلُجِهَا .
( وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ) أَيْ عِيشَةٍ كَانُوا يَتَفَكَّهُونَ فِيهَا فَيَأْكُلُونَ مَا شَاءُوا وَيَلْبَسُونَ مَا أَحَبُّوا مَعَ الْأَمْوَالِ وَالْجَاهَاتِ وَالْحُكْمِ فِي الْبِلَادِ ، فَسُلِبُوا ذَلِكَ جَمِيعُهُ فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَفَارَقُوا الدُّنْيَا وَصَارُوا إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ وَتِلْكَ الْحَوَاصِلِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَالْمَمَالِكِ الْقِبْطِيَّةِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 59 ] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) [ الْأَعْرَافِ : 137 ] . وَقَالَ هَاهُنَا : ( كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ) وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَوْلُهُ : ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ) أَيْ : لَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ تَصْعَدُ فِي أَبْوَابِ السَّمَاءِ فَتَبْكِي عَلَى فَقْدِهِمْ ، وَلَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ بِقَاعٌ عَبَدُوا اللَّهَ فِيهَا فَقَدَتْهُمْ ; فَلِهَذَا اسْتَحَقُّوا أَلَّا يُنْظَرُوا وَلَا يُؤَخَّرُوا لِكُفْرِهِمْ وَإِجْرَامِهِمْ ، وَعُتُوِّهِمْ وَعِنَادِهِمْ .
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ فِي السَّمَاءِ بَابَانِ : بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِزْقُهُ ، وَبَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ عَمَلُهُ وَكَلَامُهُ ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدَاهُ وَبَكَيَا عَلَيْهِ " وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ) وَذَكَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَمِلُوا عَلَى الْأَرْضِ عَمَلًا صَالِحًا يَبْكِي عَلَيْهِمْ . وَلَمْ يَصْعَدْ لَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ كَلَامِهِمْ وَلَا مِنْ عَمَلِهِمْ كَلَامٌ طَيِّبٌ ، وَلَا عَمَلٌ صَالِحٌ فَتَفْقِدَهُمْ فَتَبْكِيَ عَلَيْهِمْ .
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ وَهُوَ الرَّبَذِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا . أَلَا لَا غُرْبَةَ عَلَى مُؤْمِنٍ مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ فِي غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ " . ثُمَّ 254 قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ) ثُمَّ قَالَ : " إِنَّهُمَا لَا يَبْكِيَانِ عَلَى الْكَافِرِ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبَى حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ - يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ - حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هَلْ تَبْكِي السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَلَى أَحَدٍ ؟ فَقَالَ لَهُ : لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ ، إِنَّهُ لَيْسَ [ مِنْ ] عَبْدٍ إِلَّا لَهُ مُصَلًّى فِي الْأَرْضِ ، وَمَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّمَاءِ . وَإِنَّ آلَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَلٌ صَالِحٌ فِي الْأَرْضِ ، وَلَا عَمَلٌ يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ ، ثُمَّ قَرَأَ عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ )
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مِنْهَالٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبَّاسٍ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ : ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ) فَهَلْ تَبْكِي السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَلَى أَحَدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ إِلَّا وَلَهُ بَابٌ فِي السَّمَاءِ مِنْهُ يَنْزِلُ رِزْقُهُ ، وَفِيهِ يَصْعَدُ عَمَلُهُ ، فَإِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ فَأُغْلِقَ بَابُهُ مِنَ السَّمَاءِ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ وَيَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ بَكَى عَلَيْهِ ، وَإِذَا فُقِدَ مُصَلَّاهُ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا وَيَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا بَكَتْ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ آثَارٌ صَالِحَةٌ ، وَلَمْ يَكُنْ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ خَيْرٌ ، فَلَمْ تَبْكِ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ .
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، نَحْوَ هَذَا .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] قَالَ : كَانَ يُقَالُ : تَبْكِي الْأَرْضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا : مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : أَتَبْكِي الْأَرْضُ ؟ فَقَالَ : أَتَعْجَبُ ؟ وَمَا لِلْأَرْضِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْدٍ ، كَانَ يُعَمِّرُهَا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ؟ وَمَا لِلسَّمَاءِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْدٍ كَانَ لِتَكْبِيرِهِ وَتَسْبِيحِهِ فِيهَا دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ ؟
وَقَالَ قَتَادَةُ : كَانُوا أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ تَبْكِيَ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ سَابِقٍ ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : مَا بَكَتِ السَّمَاءُ مُنْذُ كَانَتِ الدُّنْيَا إِلَّا عَلَى اثْنَيْنِ قُلْتُ لِعُبَيْدٍ : أَلَيْسَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ تَبْكِي عَلَى الْمُؤْمِنِ ؟ قَالَ : ذَاكَ مَقَامُهُ حَيْثُ يَصْعَدُ عَمَلُهُ . قَالَ : وَتَدْرِي مَا بُكَاءُ السَّمَاءِ ؟ قُلْتُ لَا قَالَ : تَحْمَرُّ وَتَصِيرُ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ، إِنَّ يَحْيَى 255 بْنَ زَكَرِيَّا لَمَّا قُتِلَ احْمَرَّتِ السَّمَاءُ وَقَطَرَتْ دَمًا . وَإِنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا قُتِلَ احْمَرَّتِ السَّمَاءُ .
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو - زُنَيْجٌ - حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، احْمَرَّتْ آفَاقُ السَّمَاءِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ . قَالَ يَزِيدُ : وَاحْمِرَارُهَا بُكَاؤُهَا . وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ الْكَبِيرُ .
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ : بُكَاؤُهَا : أَنْ تَحْمَرَّ أَطْرَافُهَا .
وَذَكَرُوا أَيْضًا فِي مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ مَا قُلِبَ حَجَرٌ يَوْمَئِذٍ إِلَّا وُجِدَ تَحْتَهُ دَمٌ عَبِيطٌ ، وَأَنَّهُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ، وَاحْمَرَّ الْأُفُقُ ، وَسَقَطَتْ حِجَارَةٌ . وَفِي كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ نَظَرٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ سَخَفِ الشِّيعَةِ وَكَذِبِهِمْ ، لِيُعَظِّمُوا الْأَمْرَ - وَلَا شَكَّ أَنَّهُ عَظِيمٌ - وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ هَذَا الَّذِي اخْتَلَقُوهُ وَكَذَبُوهُ ، وَقَدْ وَقَعَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ [ ذَلِكَ ] ، قُتِلَ الْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ قُتِلَ أَبُوهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَمْ يَقَعْ [ شَيْءٌ مِنْ ] ذَلِكَ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قُتِلَ مَحْصُورًا مَظْلُومًا ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قُتِلَ فِي الْمِحْرَابِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَكَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ تَطْرُقْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ سَيِّدُ الْبَشَرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَوْمَ مَاتَ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ . وَيَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ النَّاسُ : [ الشَّمْسُ ] خَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْكُسُوفِ ، وَخَطَبَهُمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ) يَمْتَنُّ عَلَيْهِمْ تَعَالَى بِذَلِكَ ، حَيْثُ أَنْقَذَهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ إِهَانَةِ فِرْعَوْنَ وَإِذْلَالِهِ لَهُمْ ، وَتَسْخِيرِهِ إِيَّاهُمْ فِي الْأَعْمَالِ الْمُهِينَةِ الشَّاقَّةِ .
وَقَوْلُهُ : ( مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا [ مِنَ الْمُسْرِفِينَ ] ) أَيْ : مُسْتَكْبِرًا جَبَّارًا عَنِيدًا ، كَقَوْلِهِ : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ [ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ] ) [ الْقِصَصِ : 4 ] .
وَقَوْلُهُ : ( فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 46 ] ، [ وَقَوْلُهُ ( فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ) ] [ الْعَنْكَبُوتِ : 39 ] ، [ فَكَانَ فِرْعَوْنَ ] سَرِفًا فِي أَمْرِهِ ، سَخِيفَ الرَّأْيِ عَلَى نَفْسِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : ( اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) عَلَى مَنْ هُمْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : اخْتِيرُوا عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِمْ ذَلِكَ . وَكَانَ يُقَالُ : إِنَّ 256 لِكُلِّ زَمَانٍ عَالَمًا . وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ ) [ الْأَعْرَافِ : 144 ] أَيْ : أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَكَقَوْلِهِ لِمَرْيَمَ : ( وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 42 ] أَيْ : فِي زَمَانِهَا ; فَإِنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا ، وَكَذَا آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، أَوْ مُسَاوِيَةٌ لَهَا فِي الْفَضْلِ ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ ) أَيْ : [ مِنَ ] الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ ( مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ ) أَيِ : اخْتِبَارٌ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ لِمَنِ اهْتَدَى بِهِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith