تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1341 · printed p. 179
( إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 7 ) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 8 ) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 ) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 11 ) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ( 12 ) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 ) )
179
يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُذَكِّرًا لَهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ مُوسَى ، كَيْفَ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَكَلَّمَهُ ، وَنَاجَاهُ وَأَعْطَاهُ مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ الْبَاهِرَةِ ، وَالْأَدِلَّةِ الْقَاهِرَةِ ، وَابْتَعَثَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ، فَجَحَدُوا بِهَا وَكَفَرُوا وَاسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِهِ وَالِانْقِيَادِ لَهُ ، فَقَالَ تَعَالَى : ( إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ ) أَيِ : اذْكُرْ حِينَ سَارَ مُوسَى بِأَهْلِهِ ، فَأَضَلَّ الطَّرِيقَ ، وَذَلِكَ فِي لَيْلٍ وَظَلَامٍ ، فَآنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا ، أَيْ : رَأَى نَارًا تَأَجَّجُ وَتَضْطَرِمُ ، فَقَالَ ( لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ ) أَيْ : عَنِ الطَّرِيقِ ، ( أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) أَيْ : تَتَدَفَّئُونَ بِهِ . وَكَانَ كَمَا قَالَ ، فَإِنَّهُ رَجَعَ مِنْهَا بِخَبَرٍ عَظِيمٍ ، وَاقْتَبَسَ مِنْهَا نُورًا عَظِيمًا ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) أَيْ : فَلَمَّا أَتَاهَا رَأَى مَنْظَرًا هَائِلًا عَظِيمًا ، حَيْثُ انْتَهَى إِلَيْهَا ، وَالنَّارُ تَضْطَرِمُ فِي شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ ، لَا تَزْدَادُ النَّارُ إِلَّا تَوَقُّدًا ، وَلَا تَزْدَادُ الشَّجَرَةُ إِلَّا خُضْرَةً وَنَضْرَةً ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا نُورُهَا مُتَّصِلٌ بِعَنَانِ السَّمَاءِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ : لَمْ تَكُنْ نَارًا ، إِنَّمَا كَانَتْ نُورًا يَتَوَهَّجُ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : نُورُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . فَوَقَفَ مُوسَى مُتَعَجِّبًا مِمَّا رَأَى ، فَنُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : [ أَيْ ] قُدِّسَ .
( وَمَنْ حَوْلَهَا ) أَيْ : مِنَ الْمَلَائِكَةِ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنُ ، وقَتَادَةُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ - [ وَ ] هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَالْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، سَمِعَ أَبَا عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ " إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ . زَادَ الْمَسْعُودِيُّ : ۝ " وَحِجَابُهُ النُّورُ - أَوِ النَّارُ - لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ " . ثُمَّ قَرَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ : ( أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) 180 وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ لِمُسْلِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، بِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أَيِ : الَّذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَلَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَصْنُوعَاتِهِ ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، الْمُبَايِنُ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَلَا يَكْتَنِفُهُ الْأَرْضُ وَالسَّمَوَاتُ ، بَلْ هُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ ، الْمُنَزَّهُ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمُحْدَثَاتِ .
وَقَوْلُهُ : ( يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) أَعْلَمَهُ أَنَّ الَّذِي يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهِ هُوَ رَبُّهُ اللَّهُ الْعَزِيزُ ، الَّذِي عَزَّ كُلَّ شَيْءٍ وَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ ، الْحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ .
ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُلْقِيَ عَصَاهُ مِنْ يَدِهِ ; لِيُظْهِرَ لَهُ دَلِيلًا وَاضِحًا عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ الْمُخْتَارُ ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ . فَلَمَّا أَلْقَى مُوسَى تِلْكَ الْعَصَا مِنْ يَدِهِ انْقَلَبَتْ فِي الْحَالِ حَيَّةً عَظِيمَةً هَائِلَةً فِي غَايَةِ الْكِبَرِ ، وَسُرْعَةِ الْحَرَكَةِ مَعَ ذَلِكَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ) وَالْجَانُّ : ضَرْبٌ مِنَ الْحَيَّاتِ ، أَسْرَعُهُ حَرَكَةً ، وَأَكْثَرُهُ اضْطِرَابًا - وَفِي الْحَدِيثِ نَهْيٌ عَنْ قَتْلِ جِنَانِ الْبُيُوتِ - فَلَمَّا عَايَنَ مُوسَى ذَلِكَ ( وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ) أَيْ : لَمْ يَلْتَفِتْ مِنْ شِدَّةِ فَرَقِهِ ( يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) أَيْ : لَا تَخَفْ مِمَّا تَرَى ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَصْطَفِيَكَ رَسُولًا وَأَجْعَلَكَ نَبِيًّا وَجِيهًا .
وَقَوْلُهُ : ( إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ، وَفِيهِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْبَشَرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى [ عَمَلِ ] شَيْءٍ ثُمَّ أَقْلَعَ عَنْهُ ، وَرَجَعَ وَأَنَابَ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) [ طَهَ : 82 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) [ النِّسَاءِ : 110 ] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) هَذِهِ آيَةٌ أُخْرَى ، وَدَلِيلٌ بَاهِرٌ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ ، وَصِدْقِ مَنْ جَعَلَ لَهُ مُعْجِزَةً ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَهُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِهِ ، فَإِذَا أَدْخَلَهَا وَأَخْرَجَهَا خَرَجَتْ بَيْضَاءَ سَاطِعَةً ، كَأَنَّهَا قِطْعَةُ قَمَرٍ ، لَهَا لَمَعَانٌ يَتَلَأْلَأُ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ .
وَقَوْلُهُ : ( فِي تِسْعِ آيَاتٍ ) أَيْ : هَاتَانِ ثِنْتَانِ مِنْ تِسْعِ آيَاتٍ أُؤَيِّدُكَ بِهِنَّ ، وَأَجْعَلُهُنَّ بُرْهَانًا لَكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ( إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) .
وَهَذِهِ هِيَ الْآيَاتُ التِّسْعُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) [ الْإِسْرَاءِ : 101 ] كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ هُنَالِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً ) أَيْ : بَيِّنَةً وَاضِحَةً ظَاهِرَةً ، 181 ( قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ) وَأَرَادُوا مُعَارَضَتَهُ بِسِحْرِهِمْ فَغُلِبُوا [ هُنَالِكَ ] ( وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ) .
( وَجَحَدُوا بِهَا ) أَيْ : فِي ظَاهِرِ أَمْرِهِمْ ، ( وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) أَيْ : عَلِمُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أَنَّهَا حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ جَحَدُوهَا وَعَانَدُوهَا وَكَابَرُوهَا ، ( ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) أَيْ : ظُلْمًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، سَجِيَّةً مَلْعُونَةً ، ( وَعُلُوًّا ) أَيِ : اسْتِكْبَارًا عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) أَيِ : انْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ كُفْرِهِمْ ، فِي إِهْلَاكِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ ، وَإِغْرَاقِهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَفَحْوَى الْخِطَابِ يَقُولُ : احْذَرُوا أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ ، الْجَاحِدُونَ لِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى ; فَإِنَّ مُحَمَّدًا ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَشْرَفُ وَأَعْظَمُ مِنْ مُوسَى ، وَبُرْهَانُهُ أَدَلُّ وَأَقْوَى مِنْ بُرْهَانِ مُوسَى ، بِمَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ الدَّلَائِلِ الْمُقْتَرِنَةِ بِوُجُودِهِ فِي نَفْسِهِ وَشَمَائِلِهِ ، وَمَا سَبَقَهُ مِنَ الْبِشَارَاتِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ ، وَأَخْذِ الْمَوَاثِيقِ لَهُ ، عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith