تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1340 · printed p. 178
178 سُورَةُ النَّمْلِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ( 1 ) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 3 ) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ( 4 ) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ( 5 ) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ( 6 ) )
قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي " سُورَةِ الْبَقَرَةِ " عَلَى الْحُرُوفِ الْمُتَقَطِّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ .
وَقَوْلُهُ : ( تِلْكَ آيَاتُ ) أَيْ : هَذِهِ آيَاتُ ( الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ) أَيْ : بَيِّنٍ وَاضِحٍ .
( هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) أَيْ : إِنَّمَا تَحْصُلُ الْهِدَايَةُ وَالْبِشَارَةُ مِنَ الْقُرْآنِ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ ، وَآتَى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ، وَآمَنَ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ ، خَيْرِهَا وَشَرِّهَا ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) [ فُصِّلَتْ : 44 ] . وَقَالَ : ( لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ) [ مَرْيَمَ : 97 ] ; وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) أَيْ : يُكَذِّبُونَ بِهَا ، وَيَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهَا ( زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) أَيْ : حَسَّنَّا لَهُمْ مَا هُمْ فِيهِ ، وَمَدَدْنَا لَهُمْ فِي غَيِّهِمْ فَهُمْ يَتِيهُونَ فِي ضَلَالِهِمْ . وَكَانَ هَذَا جَزَاءً عَلَى مَا كَذَّبُوا بِهِ مِنَ الدَّارِ الْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) [ الْأَنْعَامِ : 110 ] ، ( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، ( وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ) أَيْ : لَيْسَ يَخْسَرُ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَحْشَرِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ) أَيْ : ( وَإِنَّكَ ) يَا مُحَمَّدُ - قَالَ قَتَادَةُ : ( لَتُلَقَّى ) أَيْ : لَتَأْخُذُ . ( الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ) أَيْ : مِنْ عِنْدِ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ، أَيْ : حَكِيمٌ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ ، عَلِيمٌ بِالْأُمُورِ جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا ، فَخَبَرُهُ هُوَ الصِّدْقُ الْمَحْضُ ، وَحُكْمُهُ هُوَ الْعَدْلُ التَّامُّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ) [ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ] ) [ الْأَنْعَامِ : 115 ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith