تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 ) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 ) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 ) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( 18 ) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 ) ) .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى عَبْدَيْهِ وَنَبِيَّيْهِ دَاوُدَ وَابْنِهِ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِمَا مِنَ اللَّهِ السَّلَامُ ، مِنَ النِّعَمِ الْجَزِيلَةِ ، وَالْمَوَاهِبِ الْجَلِيلَةِ ، وَالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ ، وَمَا جَمَعَ لَهُمَا بَيْنَ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَالْمُلْكِ وَالتَّمْكِينِ التَّامِّ فِي الدُّنْيَا ، وَالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فِي الدِّينِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذُكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ تَمَّامٍ : أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْعِمْ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَيْهَا ، إِلَّا كَانَ حَمْدُهُ أَفْضَلَ مِنْ نِعْمَتِهِ ، لَوْ كُنْتَ لَا تَعْرِفُ ذَلِكَ إِلَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) ، وَأَيُّ نِعْمَةٍ أَفْضَلُ مِمَّا أُوتِيَ دَاوُدُ 182 وَسُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ؟
وَقَوْلُهُ : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) أَيْ : فِي الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ وِرَاثَةَ الْمَالِ ; إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخُصَّ سُلَيْمَانَ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَوْلَادِ دَاوُدَ ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ لِدَاوُدَ مِائَةُ امْرَأَةٍ . وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ وِرَاثَةُ الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ ; فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا تُوَرَّثُ أَمْوَالُهُمْ ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ فِي قَوْلِهِ ] : نَحْنُ مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرَّثُ ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ .
وَقَوْلُهُ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) ، أَيْ : أَخْبَرَ سُلَيْمَانُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فِيمَا وَهَبَهُ لَهُ مِنَ الْمُلْكِ التَّامِّ ، وَالتَّمْكِينِ الْعَظِيمِ ، حَتَّى إِنَّهُ سَخَّرَ لَهُ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَالطَّيْرَ . وَكَانَ يَعْرِفُ لُغَةَ الطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ أَيْضًا ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ - فِيمَا عَلِمْنَاهُ - مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ . وَمَنْ زَعَمَ مِنَ الْجَهَلَةِ وَالرَّعَاعِ أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ كَانَتْ تَنْطِقُ كَنُطْقِ بَنِي آدَمَ قَبْلَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ - كَمَا يَتَفَوَّهُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ - فَهُوَ قَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ . وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ سُلَيْمَانَ بِذَلِكَ فَائِدَةٌ ; إِذْ كُلُّهُمْ يَسْمَعُ كَلَامَ الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ ، وَيَعْرِفُ مَا تَقُولُ ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا وَلَا كَمَا قَالُوا ، بَلْ لَمْ تَزَلِ الْبَهَائِمُ وَالطُّيُورُ وَسَائِرُ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ وَقْتِ خُلِقَتْ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا عَلَى هَذَا الشَّكْلِ وَالْمِنْوَالِ . وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، كَانَ قَدْ أَفْهَمُ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَا يَتَخَاطَبُ بِهِ الطُّيُورُ فِي الْهَوَاءِ ، وَمَا تَنْطِقُ بِهِ الْحَيَوَانَاتُ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) أَيْ : مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَلِكُ ، ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) أَيِ : الظَّاهِرُ الْبَيِّنُ لِلَّهِ عَلَيْنَا .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنِ الْمُطَّلِبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " كَانَ دَاوُدُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِيهِ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ ، فَكَانَ إِذَا خَرَجَ أُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ ، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَهْلِهِ أَحَدٌ حَتَّى يَرْجِعَ " . قَالَ : " فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَأُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ تَطَّلِعُ إِلَى الدَّارِ ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ وَسَطَ الدَّارِ ، فَقَالَتْ لِمَنْ فِي الْبَيْتِ : مِنْ أَيْنَ دَخَلَ هَذَا الرَّجُلُ ، وَالدَّارُ مُغْلَقَةٌ ؟ وَاللَّهِ لَنَفْتَضِحَنَّ بِدَاوُدَ ، فَجَاءَ دَاوُدُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَإِذَا الرَّجُلُ قَائِمٌ وَسَطَ الدَّارِ ، فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : الَّذِي لَا يَهَابُ الْمُلُوكَ ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنَ الْحُجَّابِ . فَقَالَ دَاوُدُ : أَنْتَ وَاللَّهِ إذًا مَلَكُ الْمَوْتِ . مَرْحَبًا بِأَمْرِ اللَّهِ ، فَتَزَمَّلَ دَاوُدُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَكَانَهُ حَتَّى قُبِضَتْ نَفْسُهُ ، حَتَّى فُرِغَ مِنْ شَأْنِهِ وَطَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لِلطَّيْرِ : أَظِلِّي عَلَى دَاوُدَ ، فَأَظَلَّتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ حَتَّى أَظْلَمَتْ عَلَيْهِمَا الْأَرْضَ ، 183 فَقَالَ لَهَا سُلَيْمَانُ : اقْبِضِي جَنَاحًا جَنَاحًا " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ فَعَلَتِ الطَّيْرُ ؟ فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ يَوْمئِذٍ الْمَضْرَحِيَّةُ .
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ : الْمَضْرَحِيَّةُ النُّسُورُ الْحُمُرُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) أَيْ : وَجُمِعَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ يَعْنِي : رَكِبَ فِيهِمْ فِي أُبَّهَةٍ وَعَظَمَةٍ كَبِيرَةٍ فِي الْإِنْسِ ، وَكَانُوا هُمُ الَّذِينَ يَلُونَهُ ، وَالْجِنُّ وَهُمْ بَعْدَهُمْ [ يَكُونُونَ ] فِي الْمَنْزِلَةِ ، وَالطَّيْرُ وَمَنْزِلَتُهَا فَوْقَ رَأْسِهِ ، فَإِنْ كَانَ حَرٌّ أَظَلَّتْهُ مِنْهُ بِأَجْنِحَتِهَا .
وَقَوْلُهُ : ( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) أَيْ : يَكُفُّ أَوَّلُهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ ; لِئَلَّا يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ عَنْ مَنْزِلَتِهِ الَّتِي هِيَ مَرْتَبَةٌ لَهُ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : جَعَلَ عَلَى كُلِّ صِنْفٍ وَزَعَةً ، يَرُدُّونَ أُولَاهَا عَلَى أُخْرَاهَا ، لِئَلَّا يَتَقَدَّمُوا فِي الْمَسِيرِ ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُلُوكُ الْيَوْمَ .
وَقَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ ) أَيْ : حَتَّى إِذَا مَرَّ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ وَالْجُنُودِ عَلَى وَادِي النَّمْلِ ، ( قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) .
أَوْرَدَ ابْنُ عَسَاكِرَ ، مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ اسْمَ هَذِهِ النَّمْلَةِ حَرَسُ ، وَأَنَّهَا مِنْ قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهُمْ : بَنُو الشَّيْصَانِ ، وَأَنَّهَا كَانَتْ عَرْجَاءُ ، وَكَانَتْ بِقَدْرِ الذِّيبِ .
أَيْ : خَافَتْ عَلَى النَّمْلِ أَنْ تَحْطِمَهَا الْخُيُولُ بِحَوَافِرِهَا ، فَأَمَرَتْهُمْ بِالدُّخُولِ إِلَى مَسَاكِنِهَا فَفَهِمَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مِنْهَا .
( فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ) أَيْ : أَلْهِمْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي مَنَنْتَ بِهَا عَلَيَّ ، مِنْ تَعْلِيمِي مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ ، وَعَلَى وَالِدَيَّ بِالْإِسْلَامِ لَكَ ، وَالْإِيمَانِ بِكَ ، ( وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ) أَيْ : عَمَلًا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ ، ( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) أَيْ : إِذَا تَوَفَّيْتَنِي فَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكَ ، وَالرَّفِيقِ الْأَعْلَى مِنْ أَوْلِيَائِكَ .
وَمَنْ قَالَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّ هَذَا الْوَادِيَ كَانَ بِأَرْضِ الشَّامِ أَوْ بِغَيْرِهِ ، وَإِنَّ هَذِهِ النَّمْلَةَ كَانَتْ ذَاتَ جَنَاحَيْنِ كَالذُّبَابِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقَاوِيلِ ، فَلَا حَاصِلَ لَهَا .
184
وَعَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ نَمْلُ سُلَيْمَانَ أَمْثَالَ الذِّئَابِ . هَكَذَا رَأَيْتُهُ مَضْبُوطًا بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ . وَإِنَّمَا هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَذَلِكَ تَصْحِيفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالْغَرَضُ أَنَّ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَهِمَ قَوْلَهَا ، وَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ جِدًّا .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَنْبَأَنَا مِسْعَرٌ ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ ، عَنْ أَبِي الصَّدِيقِ النَّاجِيِّ قَالَ : خَرَجَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْتَسْقِي ، فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَى ظَهْرِهَا ، رَافِعَةً قَوَائِمِهَا إِلَى السَّمَاءِ ، وَهِيَ تَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ ، وَلَا غِنَى بِنَا عَنْ سُقْيَاكَ ، وَإِلَّا تَسْقِنَا تُهْلِكْنَا . فَقَالَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ - عِنْدَ مُسْلِمٍ - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ قَالَ ] قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَمْلَةٌ ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ، أَفِي أَنْ قَرْصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ ؟ فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً ! " .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى عَبْدَيْهِ وَنَبِيَّيْهِ دَاوُدَ وَابْنِهِ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِمَا مِنَ اللَّهِ السَّلَامُ ، مِنَ النِّعَمِ الْجَزِيلَةِ ، وَالْمَوَاهِبِ الْجَلِيلَةِ ، وَالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ ، وَمَا جَمَعَ لَهُمَا بَيْنَ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَالْمُلْكِ وَالتَّمْكِينِ التَّامِّ فِي الدُّنْيَا ، وَالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فِي الدِّينِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذُكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ تَمَّامٍ : أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْعِمْ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَيْهَا ، إِلَّا كَانَ حَمْدُهُ أَفْضَلَ مِنْ نِعْمَتِهِ ، لَوْ كُنْتَ لَا تَعْرِفُ ذَلِكَ إِلَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) ، وَأَيُّ نِعْمَةٍ أَفْضَلُ مِمَّا أُوتِيَ دَاوُدُ 182 وَسُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ؟
وَقَوْلُهُ : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) أَيْ : فِي الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ وِرَاثَةَ الْمَالِ ; إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخُصَّ سُلَيْمَانَ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَوْلَادِ دَاوُدَ ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ لِدَاوُدَ مِائَةُ امْرَأَةٍ . وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ وِرَاثَةُ الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ ; فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا تُوَرَّثُ أَمْوَالُهُمْ ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ فِي قَوْلِهِ ] : نَحْنُ مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرَّثُ ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ .
وَقَوْلُهُ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) ، أَيْ : أَخْبَرَ سُلَيْمَانُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فِيمَا وَهَبَهُ لَهُ مِنَ الْمُلْكِ التَّامِّ ، وَالتَّمْكِينِ الْعَظِيمِ ، حَتَّى إِنَّهُ سَخَّرَ لَهُ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَالطَّيْرَ . وَكَانَ يَعْرِفُ لُغَةَ الطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ أَيْضًا ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ - فِيمَا عَلِمْنَاهُ - مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ . وَمَنْ زَعَمَ مِنَ الْجَهَلَةِ وَالرَّعَاعِ أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ كَانَتْ تَنْطِقُ كَنُطْقِ بَنِي آدَمَ قَبْلَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ - كَمَا يَتَفَوَّهُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ - فَهُوَ قَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ . وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ سُلَيْمَانَ بِذَلِكَ فَائِدَةٌ ; إِذْ كُلُّهُمْ يَسْمَعُ كَلَامَ الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ ، وَيَعْرِفُ مَا تَقُولُ ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا وَلَا كَمَا قَالُوا ، بَلْ لَمْ تَزَلِ الْبَهَائِمُ وَالطُّيُورُ وَسَائِرُ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ وَقْتِ خُلِقَتْ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا عَلَى هَذَا الشَّكْلِ وَالْمِنْوَالِ . وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، كَانَ قَدْ أَفْهَمُ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَا يَتَخَاطَبُ بِهِ الطُّيُورُ فِي الْهَوَاءِ ، وَمَا تَنْطِقُ بِهِ الْحَيَوَانَاتُ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) أَيْ : مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَلِكُ ، ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) أَيِ : الظَّاهِرُ الْبَيِّنُ لِلَّهِ عَلَيْنَا .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنِ الْمُطَّلِبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " كَانَ دَاوُدُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِيهِ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ ، فَكَانَ إِذَا خَرَجَ أُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ ، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَهْلِهِ أَحَدٌ حَتَّى يَرْجِعَ " . قَالَ : " فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَأُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ تَطَّلِعُ إِلَى الدَّارِ ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ وَسَطَ الدَّارِ ، فَقَالَتْ لِمَنْ فِي الْبَيْتِ : مِنْ أَيْنَ دَخَلَ هَذَا الرَّجُلُ ، وَالدَّارُ مُغْلَقَةٌ ؟ وَاللَّهِ لَنَفْتَضِحَنَّ بِدَاوُدَ ، فَجَاءَ دَاوُدُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَإِذَا الرَّجُلُ قَائِمٌ وَسَطَ الدَّارِ ، فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : الَّذِي لَا يَهَابُ الْمُلُوكَ ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنَ الْحُجَّابِ . فَقَالَ دَاوُدُ : أَنْتَ وَاللَّهِ إذًا مَلَكُ الْمَوْتِ . مَرْحَبًا بِأَمْرِ اللَّهِ ، فَتَزَمَّلَ دَاوُدُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَكَانَهُ حَتَّى قُبِضَتْ نَفْسُهُ ، حَتَّى فُرِغَ مِنْ شَأْنِهِ وَطَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لِلطَّيْرِ : أَظِلِّي عَلَى دَاوُدَ ، فَأَظَلَّتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ حَتَّى أَظْلَمَتْ عَلَيْهِمَا الْأَرْضَ ، 183 فَقَالَ لَهَا سُلَيْمَانُ : اقْبِضِي جَنَاحًا جَنَاحًا " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ فَعَلَتِ الطَّيْرُ ؟ فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ يَوْمئِذٍ الْمَضْرَحِيَّةُ .
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ : الْمَضْرَحِيَّةُ النُّسُورُ الْحُمُرُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) أَيْ : وَجُمِعَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ يَعْنِي : رَكِبَ فِيهِمْ فِي أُبَّهَةٍ وَعَظَمَةٍ كَبِيرَةٍ فِي الْإِنْسِ ، وَكَانُوا هُمُ الَّذِينَ يَلُونَهُ ، وَالْجِنُّ وَهُمْ بَعْدَهُمْ [ يَكُونُونَ ] فِي الْمَنْزِلَةِ ، وَالطَّيْرُ وَمَنْزِلَتُهَا فَوْقَ رَأْسِهِ ، فَإِنْ كَانَ حَرٌّ أَظَلَّتْهُ مِنْهُ بِأَجْنِحَتِهَا .
وَقَوْلُهُ : ( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) أَيْ : يَكُفُّ أَوَّلُهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ ; لِئَلَّا يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ عَنْ مَنْزِلَتِهِ الَّتِي هِيَ مَرْتَبَةٌ لَهُ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : جَعَلَ عَلَى كُلِّ صِنْفٍ وَزَعَةً ، يَرُدُّونَ أُولَاهَا عَلَى أُخْرَاهَا ، لِئَلَّا يَتَقَدَّمُوا فِي الْمَسِيرِ ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُلُوكُ الْيَوْمَ .
وَقَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ ) أَيْ : حَتَّى إِذَا مَرَّ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ وَالْجُنُودِ عَلَى وَادِي النَّمْلِ ، ( قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) .
أَوْرَدَ ابْنُ عَسَاكِرَ ، مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ اسْمَ هَذِهِ النَّمْلَةِ حَرَسُ ، وَأَنَّهَا مِنْ قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهُمْ : بَنُو الشَّيْصَانِ ، وَأَنَّهَا كَانَتْ عَرْجَاءُ ، وَكَانَتْ بِقَدْرِ الذِّيبِ .
أَيْ : خَافَتْ عَلَى النَّمْلِ أَنْ تَحْطِمَهَا الْخُيُولُ بِحَوَافِرِهَا ، فَأَمَرَتْهُمْ بِالدُّخُولِ إِلَى مَسَاكِنِهَا فَفَهِمَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مِنْهَا .
( فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ) أَيْ : أَلْهِمْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي مَنَنْتَ بِهَا عَلَيَّ ، مِنْ تَعْلِيمِي مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ ، وَعَلَى وَالِدَيَّ بِالْإِسْلَامِ لَكَ ، وَالْإِيمَانِ بِكَ ، ( وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ) أَيْ : عَمَلًا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ ، ( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) أَيْ : إِذَا تَوَفَّيْتَنِي فَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكَ ، وَالرَّفِيقِ الْأَعْلَى مِنْ أَوْلِيَائِكَ .
وَمَنْ قَالَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّ هَذَا الْوَادِيَ كَانَ بِأَرْضِ الشَّامِ أَوْ بِغَيْرِهِ ، وَإِنَّ هَذِهِ النَّمْلَةَ كَانَتْ ذَاتَ جَنَاحَيْنِ كَالذُّبَابِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقَاوِيلِ ، فَلَا حَاصِلَ لَهَا .
184
وَعَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ نَمْلُ سُلَيْمَانَ أَمْثَالَ الذِّئَابِ . هَكَذَا رَأَيْتُهُ مَضْبُوطًا بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ . وَإِنَّمَا هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَذَلِكَ تَصْحِيفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالْغَرَضُ أَنَّ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَهِمَ قَوْلَهَا ، وَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ جِدًّا .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَنْبَأَنَا مِسْعَرٌ ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ ، عَنْ أَبِي الصَّدِيقِ النَّاجِيِّ قَالَ : خَرَجَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْتَسْقِي ، فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَى ظَهْرِهَا ، رَافِعَةً قَوَائِمِهَا إِلَى السَّمَاءِ ، وَهِيَ تَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ ، وَلَا غِنَى بِنَا عَنْ سُقْيَاكَ ، وَإِلَّا تَسْقِنَا تُهْلِكْنَا . فَقَالَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ - عِنْدَ مُسْلِمٍ - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ قَالَ ] قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَمْلَةٌ ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ، أَفِي أَنْ قَرْصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ ؟ فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً ! " .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith