تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ( 35 ) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ( 36 ) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ( 37 ) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ( 38 ) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ( 39 ) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ( 40 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا مَنْ كَذَّبَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ وَمَنْ خَالَفَهُ ، وَمُحَذِّرَهُمْ مِنْ عِقَابِهِ وَأَلِيمِ عَذَابِهِ ، مِمَّا أَحَلَّهُ بِالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ الْمُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِ ، فَبَدَأَ بِذِكْرِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنَّهُ ابْتَعَثَهُ وَجَعَلَ مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ، أَيْ : نَبِيًّا مُوَازِرًا وَمُؤَيِّدًا وَنَاصِرًا ، فَكَذَّبَهُمَا فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ، فَ ( دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) [ مُحَمَّدٍ : 10 ] . ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهُ نُوحًا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَنْ كَذَّبَ بِرَسُولٍ فَقَدْ كَذَّبَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ ; إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ رَسُولٍ وَرَسُولٍ ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ كُلَّ رَسُولٍ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُكَذِّبُونَهُ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ) ، وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَيْهِمْ إِلَّا نُوحٌ فَقَطْ ، وَقَدْ لَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَيُحَذِّرُهُمْ نَقَمَهُ ، فَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ . وَلِهَذَا أَغْرَقَهُمُ اللَّهُ 111 جَمِيعًا ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ بَنِي آدَمَ سِوَى أَصْحَابِ السَّفِينَةِ فَقَطْ .
( وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ) أَيْ : عِبْرَةٌ يَعْتَبِرُونَ بِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) [ الْحَاقَّةِ : 11 : 12 ] . أَيْ : وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنَ السُّفُنِ مَا تَرْكَبُونَ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ ، لِتَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْجَائِكُمْ مِنَ الْغَرَقِ ، وَجَعْلِكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ أَمْرَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَعَادًا وَثَمُودَ ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قِصَّتَيْهِمَا فِي غَيْرِ مَا سُورَةٍ ، مِنْهَا فِي سُورَةِ " الْأَعْرَافِ " بِمَا أَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ .
وَأَمَّا أَصْحَابُ الرَّسِّ فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُمْ أَهْلُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى ثَمُودَ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ عِكْرِمَةُ : أَصْحَابُ الرَّسِّ بِفَلْجٍ وَهُمْ أَصْحَابُ يس . وَقَالَ قَتَادَةُ : فَلْجٌ مِنْ قُرَى الْيَمَامَةِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ [ النَّبِيلُ ] ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَبُو عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ) قَالَ : بِئْرٌ بِأَذَرْبَيْجَانَ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : الرَّسُّ بِئْرٌ رَسَوْا فِيهَا نَبِيَّهَمْ . أَيْ : دَفَنُوهُ بِهَا .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ [ الْقُرَظِيِّ ] قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى وَتَبَارَكَ - بَعَثَ نَبِيًّا إِلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ ، فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا ذَلِكَ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ عَدَوْا عَلَى النَّبِيِّ ، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَأَلْقَوْهُ فِيهَا ، ثُمَّ أَطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ قَالَ : " فَكَانَ ذَلِكَ الْعَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلَى ظَهْرِهِ ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ ، وَيَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا وَشَرَابًا ، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إِلَى تِلْكَ الْبِئْرِ ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ ، وَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، فَيُدْلِي إِلَيْهِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا كَمَا كَانَتْ " . قَالَ : " فَكَانَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ، ثُمَّ إِنَّهُ ذَهَبَ يوماً يَحْتَطِبُ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ ، فَجَمَعَ حَطَبَهُ وَحَزَّمَ وَفَرَغَ مِنْهَا فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَحْتَمِلَهَا وَجَدَ سِنَةً ، فَاضْطَجَعَ فَنَامَ ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ نَائِمًا ، ثُمَّ إِنَّهُ هَبَّ فَتَمَطَّى ، فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الْآخَرِ فَاضْطَجَعَ ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرَى ، ثُمَّ إِنَّهُ هَبَّ وَاحْتَمَلَ حُزْمَتَهُ وَلَا يَحْسَبُ إِلَّا أَنَّهُ نَامَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَجَاءَ إِلَى الْقَرْيَةِ فَبَاعَ حُزْمَتَهُ ، ثُمَّ اشْتَرَى طَعَامًا وَشَرَابًا كَمَا كَانَ يَصْنَعُ . ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الْحُفَيْرَةِ فِي مَوْضِعِهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ ، فَالْتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ . وَكَانَ قَدْ بَدَا لِقَوْمِهِ فِيهِ بَدَاءٌ ، فَاسْتَخْرَجُوهُ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ " . قَالَ : 112 فَكَانَ نَبِيُّهُمْ يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْأَسْوَدِ : مَا فَعَلَ؟ فَيَقُولُونَ لَهُ : لَا نَدْرِي . حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ النَّبِيَّ ، وَأَهَبَّ الْأَسْوَدَ مِنْ نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ " . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ ذَلِكَ الْأَسْوَدَ لَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ مُرْسَلًا . وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ ، وَلَعَلَّ فِيهِ إدْرَاجًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الرَّسِّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ; لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُ أَهْلَكَهُمْ ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ بَدَا لَهُمْ فَآمَنُوا بِنَبِيِّهِمْ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَدَثَ لَهُمْ أَحْدَاثٌ ، آمَنُوا بِالنَّبِيِّ بَعْدَ هَلَاكِ آبَائِهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَصْحَابِ الرَّسِّ هُمْ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ، الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ) أَيْ : وَأُمَمًا بَيْنَ أَضْعَافِ مَنْ ذُكِرَ أَهْلَكْنَاهُمْ كَثِيرَةً; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ) أَيْ : بَيَّنَّا لَهُمُ الْحُجَجَ ، وَوَضَّحْنَا لَهُمُ الْأَدِلَّةَ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ : أَزَحْنَا عَنْهُمُ الْأَعْذَارَ - ( وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) أَيْ : أَهْلَكْنَا إِهْلَاكًا ، كَقَوْلِهِ : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ) [ الْإِسْرَاءِ : 17 ] .
وَالْقَرْنُ : هُوَ الْأُمَّةُ مِنَ النَّاسِ ، كَقَوْلِهِ : ( ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 31 ] وَحَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً . وَقِيلَ : بِمِائَةِ سَنَةٍ . وَقِيلَ : بِثَمَانِينَ سَنَةً . وَقِيلَ : أَرْبَعِينَ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . وَالْأَظْهَرُ : أَنَّ الْقَرْنَ هُمُ الْأُمَّةُ الْمُتَعَاصِرُونَ فِي الزَّمَنِ الْوَاحِدِ; فَإِذَا ذَهَبُوا وَخَلَفَهُمْ جِيلٌ آخَرُ فَهُمْ قَرْنٌ ثَانٍ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " الْحَدِيثَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ) يَعْنِي : قَوْمَ لُوطٍ ، وَهِيَ سَدُومُ وَمُعَامَلَتُهَا الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّهُ بِالْقَلْبِ ، وَبِالْمَطَرِ الْحِجَارَةِ مِنْ سِجِّيلٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 173 ] وَقَالَ ( وَإِنَّكَمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) [ الصَّافَّاتِ : 137 - 138 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ) [ الْحِجْرِ : 76 ] وَقَالَ ( وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ ) [ الْحِجْرِ : 79 ] ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ) أَيْ : فَيَعْتَبِرُوا بِمَا حَلَّ بِأَهْلِهَا مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالرَّسُولِ وَمُخَالَفَتِهِمْ أَوَامِرَ اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ) يَعْنِي : الْمَارِّينَ بِهَا مِنَ الْكُفَّارِ لَا يَعْتَبِرُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ، أَيْ : مَعَادًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا مَنْ كَذَّبَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ وَمَنْ خَالَفَهُ ، وَمُحَذِّرَهُمْ مِنْ عِقَابِهِ وَأَلِيمِ عَذَابِهِ ، مِمَّا أَحَلَّهُ بِالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ الْمُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِ ، فَبَدَأَ بِذِكْرِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنَّهُ ابْتَعَثَهُ وَجَعَلَ مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ، أَيْ : نَبِيًّا مُوَازِرًا وَمُؤَيِّدًا وَنَاصِرًا ، فَكَذَّبَهُمَا فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ، فَ ( دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) [ مُحَمَّدٍ : 10 ] . ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهُ نُوحًا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَنْ كَذَّبَ بِرَسُولٍ فَقَدْ كَذَّبَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ ; إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ رَسُولٍ وَرَسُولٍ ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ كُلَّ رَسُولٍ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُكَذِّبُونَهُ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ) ، وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَيْهِمْ إِلَّا نُوحٌ فَقَطْ ، وَقَدْ لَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَيُحَذِّرُهُمْ نَقَمَهُ ، فَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ . وَلِهَذَا أَغْرَقَهُمُ اللَّهُ 111 جَمِيعًا ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ بَنِي آدَمَ سِوَى أَصْحَابِ السَّفِينَةِ فَقَطْ .
( وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ) أَيْ : عِبْرَةٌ يَعْتَبِرُونَ بِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) [ الْحَاقَّةِ : 11 : 12 ] . أَيْ : وَأَبْقَيْنَا لَكُمْ مِنَ السُّفُنِ مَا تَرْكَبُونَ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ ، لِتَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي إِنْجَائِكُمْ مِنَ الْغَرَقِ ، وَجَعْلِكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ أَمْرَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَعَادًا وَثَمُودَ ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قِصَّتَيْهِمَا فِي غَيْرِ مَا سُورَةٍ ، مِنْهَا فِي سُورَةِ " الْأَعْرَافِ " بِمَا أَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ .
وَأَمَّا أَصْحَابُ الرَّسِّ فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُمْ أَهْلُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى ثَمُودَ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ عِكْرِمَةُ : أَصْحَابُ الرَّسِّ بِفَلْجٍ وَهُمْ أَصْحَابُ يس . وَقَالَ قَتَادَةُ : فَلْجٌ مِنْ قُرَى الْيَمَامَةِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ [ النَّبِيلُ ] ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَبُو عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ) قَالَ : بِئْرٌ بِأَذَرْبَيْجَانَ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : الرَّسُّ بِئْرٌ رَسَوْا فِيهَا نَبِيَّهَمْ . أَيْ : دَفَنُوهُ بِهَا .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ [ الْقُرَظِيِّ ] قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى وَتَبَارَكَ - بَعَثَ نَبِيًّا إِلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ ، فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا ذَلِكَ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ عَدَوْا عَلَى النَّبِيِّ ، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَأَلْقَوْهُ فِيهَا ، ثُمَّ أَطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ قَالَ : " فَكَانَ ذَلِكَ الْعَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلَى ظَهْرِهِ ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ ، وَيَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا وَشَرَابًا ، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إِلَى تِلْكَ الْبِئْرِ ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ ، وَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، فَيُدْلِي إِلَيْهِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا كَمَا كَانَتْ " . قَالَ : " فَكَانَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ، ثُمَّ إِنَّهُ ذَهَبَ يوماً يَحْتَطِبُ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ ، فَجَمَعَ حَطَبَهُ وَحَزَّمَ وَفَرَغَ مِنْهَا فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَحْتَمِلَهَا وَجَدَ سِنَةً ، فَاضْطَجَعَ فَنَامَ ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ نَائِمًا ، ثُمَّ إِنَّهُ هَبَّ فَتَمَطَّى ، فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الْآخَرِ فَاضْطَجَعَ ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرَى ، ثُمَّ إِنَّهُ هَبَّ وَاحْتَمَلَ حُزْمَتَهُ وَلَا يَحْسَبُ إِلَّا أَنَّهُ نَامَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَجَاءَ إِلَى الْقَرْيَةِ فَبَاعَ حُزْمَتَهُ ، ثُمَّ اشْتَرَى طَعَامًا وَشَرَابًا كَمَا كَانَ يَصْنَعُ . ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الْحُفَيْرَةِ فِي مَوْضِعِهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ ، فَالْتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ . وَكَانَ قَدْ بَدَا لِقَوْمِهِ فِيهِ بَدَاءٌ ، فَاسْتَخْرَجُوهُ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ " . قَالَ : 112 فَكَانَ نَبِيُّهُمْ يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْأَسْوَدِ : مَا فَعَلَ؟ فَيَقُولُونَ لَهُ : لَا نَدْرِي . حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ النَّبِيَّ ، وَأَهَبَّ الْأَسْوَدَ مِنْ نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ " . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ ذَلِكَ الْأَسْوَدَ لَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ مُرْسَلًا . وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ ، وَلَعَلَّ فِيهِ إدْرَاجًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الرَّسِّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ; لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُ أَهْلَكَهُمْ ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ بَدَا لَهُمْ فَآمَنُوا بِنَبِيِّهِمْ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَدَثَ لَهُمْ أَحْدَاثٌ ، آمَنُوا بِالنَّبِيِّ بَعْدَ هَلَاكِ آبَائِهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَصْحَابِ الرَّسِّ هُمْ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ، الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ) أَيْ : وَأُمَمًا بَيْنَ أَضْعَافِ مَنْ ذُكِرَ أَهْلَكْنَاهُمْ كَثِيرَةً; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ) أَيْ : بَيَّنَّا لَهُمُ الْحُجَجَ ، وَوَضَّحْنَا لَهُمُ الْأَدِلَّةَ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ : أَزَحْنَا عَنْهُمُ الْأَعْذَارَ - ( وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) أَيْ : أَهْلَكْنَا إِهْلَاكًا ، كَقَوْلِهِ : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ) [ الْإِسْرَاءِ : 17 ] .
وَالْقَرْنُ : هُوَ الْأُمَّةُ مِنَ النَّاسِ ، كَقَوْلِهِ : ( ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 31 ] وَحَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً . وَقِيلَ : بِمِائَةِ سَنَةٍ . وَقِيلَ : بِثَمَانِينَ سَنَةً . وَقِيلَ : أَرْبَعِينَ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . وَالْأَظْهَرُ : أَنَّ الْقَرْنَ هُمُ الْأُمَّةُ الْمُتَعَاصِرُونَ فِي الزَّمَنِ الْوَاحِدِ; فَإِذَا ذَهَبُوا وَخَلَفَهُمْ جِيلٌ آخَرُ فَهُمْ قَرْنٌ ثَانٍ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " الْحَدِيثَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ) يَعْنِي : قَوْمَ لُوطٍ ، وَهِيَ سَدُومُ وَمُعَامَلَتُهَا الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّهُ بِالْقَلْبِ ، وَبِالْمَطَرِ الْحِجَارَةِ مِنْ سِجِّيلٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 173 ] وَقَالَ ( وَإِنَّكَمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) [ الصَّافَّاتِ : 137 - 138 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ) [ الْحِجْرِ : 76 ] وَقَالَ ( وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ ) [ الْحِجْرِ : 79 ] ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ) أَيْ : فَيَعْتَبِرُوا بِمَا حَلَّ بِأَهْلِهَا مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالرَّسُولِ وَمُخَالَفَتِهِمْ أَوَامِرَ اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ) يَعْنِي : الْمَارِّينَ بِهَا مِنَ الْكُفَّارِ لَا يَعْتَبِرُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ، أَيْ : مَعَادًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith