تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1211 · printed p. 426
( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 36 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى عِبَادِهِ فِيمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنَ الْبُدْنِ ، وَجَعَلَهَا مِنْ شَعَائِرِهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَهَا تُهْدَى إِلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ ، بَلْ هِيَ أَفْضَلُ مَا يُهْدَى [ إِلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ ] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ [ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ] ) الْآيَةَ : [ الْمَائِدَةِ : 2 ] .
قَالَ ابْنُ جُرَيجٍ : قَالَ عَطَاءٌ فِي قَوْلِهِ : ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) ، قَالَ : الْبَقَرَةُ ، وَالْبَعِيرُ . وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : إِنَّمَا الْبُدْنُ مِنَ الْإِبِلِ .
قُلْتُ : أَمَّا إِطْلَاقُ الْبَدَنَةِ عَلَى الْبَعِيرِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ إِطْلَاقِ الْبَدَنَةِ عَلَى الْبَقَرَةِ ، عَلَى قَوْلَيْنِ ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا ذَلِكَ شَرْعًا كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ .
ثُمَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ تُجْزِئُ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ ، كَمَا ثَبَتَ بِهِ الْحَدِيثُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [ وَغَيْرِهِ ] ، قَالَ : ۝ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْأَضَاحِيِّ ، 426 الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ .
[ وَقَالَ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ وَغَيْرُهُ : بَلْ تُجْزِئُ الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَالْبَعِيرُ عَنْ عَشَرَةٍ ] . وَقَدْ وَرَدَ بِهِ حَدِيثٌ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ) ، أَيْ : ثَوَابٌ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ .
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَزِيدَ الْكَعْبِيِّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ ، وَإِنَّهُ لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشْعَارِهَا ، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ ، قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا " . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : كَانَ أَبُو حَاتِمٍ يَسْتَدِينُ وَيَسُوقُ الْبُدْنَ ، فَقِيلَ لَهُ : تَسْتَدِينُ وَتَسُوقُ الْبُدْنَ؟ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ : ( لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ )
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَا أُنْفِقَتِ الْوَرِقُ فِي شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ نَحِيرَةٍ فِي يَوْمِ عِيدٍ " . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ) قَالَ : أَجْرٌ وَمَنَافِعُ .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : يَرْكَبُهَا وَيَحْلِبُهَا إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهَا .
وَقَوْلُهُ : ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ) وَعَنِ [ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ ، عَنْ ] جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ۝ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَ الْأَضْحَى ، فَلَمَّا انصَرَفَ أَتَى بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ ، فَقَالَ : " بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهِ أَكْبَرُ ، اللَّهُمَّ هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمَّ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي " .
رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : ۝ ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ فِي يَوْمِ عِيدٍ ، فَقَالَ حِينَ وَجَّهَهُمَا : " وَجَّهَتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّ صِلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ " . ثُمَّ سَمَّى اللَّهَ وَكَبَّرَ 427 وَذَبَحَ .
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ; ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا ضَحَّى اشْتَرَى كَبْشَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ ، فَإِذَا صَلَّى وَخَطَبَ النَّاسَ أُتِيَ بِأَحَدِهِمَا وَهُوَ قَائِمٌ فِي مُصَلَّاهُ فَذَبَحَهُ بِنَفْسِهِ بِالْمُدْيَةِ ، ثُمَّ يَقُولُ : " اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ أُمَّتِي جَمِيعِهَا ، مَنْ شَهِدَ لَكَ بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لِي بِالْبَلَاغِ " . ثُمَّ يُؤْتَى بِالْآخَرِ فَيَذْبَحُهُ بِنَفْسِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ : " هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ " فَيُطْعِمُهَا جَمِيعًا الْمَسَاكِينَ ، [ وَيَأْكُلُ ] هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْهُمَا .
رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ) ، قَالَ : قِيَامٌ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ ، مَعْقُولَةٌ يَدُهَا الْيُسْرَى ، يَقُولُ : " بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ " . وَكَذَلِكَ رَوَى مُجَاهِدٌ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، وَالْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، نَحْوَ هَذَا .
وَقَالَ لَيْثٌ . عَنْ مُجَاهِدٍ : إِذَا عُقِلَتْ رِجْلُهَا الْيُسْرَى قَامَتْ عَلَى ثَلَاثٍ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْهُ ، نَحْوَهُ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : تُعْقَلُ رِجْلٌ وَاحِدَةٌ فَتَكُونُ عَلَى ثَلَاثٍ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ۝ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ وَهُوَ يَنْحَرُهَا ، فَقَالَ : ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَنْ جَابِرٍ : ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبُدْنَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى ، قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ .
وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ : حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ : قِفْ مِنْ شِقِّهَا الْأَيْمَنِ ، وَانْحَرْ مِنْ شِقِّهَا الْأَيْسَرِ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، فِي صِفَةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ ، قَالَ فِيهِ : ۝ فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً ، جَعَلَ يَطْعَنُهَا بِحَرْبَةٍ فِي يَدِهِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " صَوَافِنَ " ، أَيْ : مُعْقَلَةً قِيَامًا . 428
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : مَنْ قَرَأَهَا " صَوَافِنَ " قَالَ : مَعْقُولَةٌ . وَمَنْ قَرَأَهَا ( صَوَافَّ ) قَالَ : تُصَفُّ بَيْنَ يَدَيْهَا .
وَقَالَ طَاوُسٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَغَيْرُهُمَا : " فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافِيَ " يَعْنِي : خَالِصَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ : " صَوَافِيَ " : لَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ كَشِرْكِ الْجَاهِلِيَّةِ لِأَصْنَامِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) قَالَ : ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَعْنِي : سَقَطَتْ إِلَى الْأَرْضِ .
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَذَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) يَعْنِي : نُحِرَتْ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) يَعْنِي : مَاتَتْ .
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنَ الْبَدَنَةِ إِذَا نُحِرَتْ حَتَّى تَمُوتَ وَتَبْرُدَ حَرَكَتُهَا . وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ : ۝ " وَلَا تَعْجَلُوا النُّفُوسَ أَنْ تَزْهَقَ " . وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ فُرَافِصَةَ الْحَنَفِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ; أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : ۝ " إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ " .
وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ ، فَهُوَ مَيْتَةٌ " .
رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : قَوْلُهُ : ( فَكُلُوا مِنْهَا ) أَمْرُ إِبَاحَةٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يَجِبُ . وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْقَانِعِ وَالْمُعْتَرِّ ، فَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْقَانِعُ : الْمُسْتَغْنِي بِمَا أَعْطَيْتَهُ ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ . وَالْمُعْتَرُّ : الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَكَ ، وَيُلِمُّ بِكَ أَنْ تُعْطِيَهُ مِنَ اللَّحْمِ ، وَلَا يَسْأَلُ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ . 429
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْقَانِعُ : الْمُتَعَفِّفُ . وَالْمُعْتَرُّ : السَّائِلُ . وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَمُجَاهِدٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَابْنُ الْكَلْبِيِّ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : الْقَانِعُ : هُوَ الَّذِي يَقْنَعُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ . وَالْمُعْتَرُّ : الَّذِي يَعْتَرِيكَ ، يَتَضَرَّعُ وَلَا يَسْأَلُكَ . وَهَذَا لَفْظُ الْحَسَنِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : الْقَانِعُ : هُوَ السَّائِلُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّمَّاخِ . ﴿﴾ لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ﴿﴾ ﴿﴾ مَفَاقِرَهُ ، أَعَفُّ مِنَ الْقُنُوعِ ﴿﴾
قَالَ : يَعْنِي مِنَ السُّؤَّالِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : الْقَانِعُ : الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ . وَالْمُعْتَرُّ : الصَّدِيقُ وَالضَّعِيفُ الَّذِي يَزُورُ . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَيْضًا .
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا : الْقَانِعُ : جَارُكَ الْغَنِيُّ [ الَّذِي يُبْصِرُ مَا يَدْخُلُ بَيْتَكَ ] وَالْمُعْتَرُّ : الَّذِي يَعْتَرِيكَ مِنَ النَّاسِ .
وَعَنْهُ : أَنَّ الْقَانِعَ : هُوَ الطَّامِعُ . وَالْمُعْتَرُّ : هُوَ الَّذِي يَعْتَرِ بِالْبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ .
وَعَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوُهُ ، وَعَنْهُ الْقَانِعُ : أَهْلُ مَكَّةَ .
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْقَانِعَ : هُوَ السَّائِلُ; لِأَنَّهُ مَنْ أَقْنَعَ بِيَدِهِ إِذَا رَفَعَهَا لِلسُّؤَالِ ، وَالْمُعْتَرُّ مِنَ الِاعْتِرَارِ ، وَهُوَ : الَّذِي يَتَعَرَّضُ لِأَكْلِ اللَّحْمِ .
وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْأُضْحِيَّةُ تُجَزَّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ : فَثُلُثٌ لِصَاحِبِهَا يَأْكُلُهُ [ مِنْهَا ] ، وَثُلُثٌ يُهْدِيهِ لِأَصْحَابِهِ ، وَثُلُثٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ; لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنَّاسِ : " إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، فَكَلُّوا وَادَّخِرُوا مَا بَدَا لَكُمْ " وَفِي رِوَايَةٍ : " فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُو ا " . وَفِي رِوَايَةٍ : " فَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَتَصَدَّقُو ا " .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : إِنَّ الْمُضَحِّيَ يَأْكُلُ النِّصْفَ وَيَتَصَدَّقُ بِالنِّصْفِ ، لِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ : ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ) [ الْحَجِّ : 28 ] ، وَلِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : ۝ " فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا " .
فَإِنْ أَكَلَ الْكُلَّ فَقِيلَ : لَا يُضَمِّنُ شَيْئًا . وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ . 430
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُضَمِّنُهَا كُلَّهَا بِمِثْلِهَا أَوْ قِيمَتِهَا . وَقِيلَ : يُضَمِّنُ نِصْفَهَا . وَقِيلَ : ثُلُثَهَا . وَقِيلَ : أَدْنَى جُزْءٍ مِنْهَا . وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .
وَأَمَّا الْجُلُودُ ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ فِي حَدِيثِ الْأَضَاحِيِّ : ۝ " فَكُلُوا وَتَصَّدَّقُوا ، وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا ، وَلَا تَبِيعُوهَا " .
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَخَّصَ [ فِي ذَلِكَ ] ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُقَاسِمُ الْفُقَرَاءَ ثَمَنَهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
[ مَسْأَلَةٌ ] .
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ . فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ [ عَجَّلَهُ ] لِأَهْلِهِ ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ " أَخْرَجَاهُ .
فَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : إِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْأَضْحَى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَمَضَى قَدْرُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْخُطْبَتَيْنِ . زَادَ أَحْمَدُ : وَأَنْ يَذْبَحَ الْإِمَامُ بَعْدَ ذَلِكَ ، لِمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : ۝ وَأَلَّا تَذْبَحُوا حَتَّى يَذْبَحَ الْإِمَامُ " .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَمَّا أَهْلُ السَّوَادِ مِنَ الْقُرَى وَنَحْوِهِمْ ، فَلَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، إِذْ لَا صَلَاةَ عِيدٍ عِنْدَهُ لَهُمْ . وَأَمَّا أَهْلُ الْأَمْصَارِ فَلَا يَذْبَحُوا حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ قِيلَ : لَا يُشْرَعُ الذَّبْحُ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ وَحْدَهُ . وَقِيلَ : يَوْمُ النَّحْرِ لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ ، لِتَيَسُّرِ الْأَضَاحِيِّ عِنْدَهُمْ ، وَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى فَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ بَعْدَهُ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . وَقِيلَ : يَوْمُ النَّحْرِ ، وَيَوْمٌ بَعْدَهُ لِلْجَمِيعِ . وَقِيلَ : وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ . وَقِيلَ : يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَهُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ; لِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّهَا ذَبْحٌ " . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ .
وَقِيلَ : إِنَّ وَقْتَ الذَّبْحِ يَمْتَدُّ إِلَى آخَرِ ذِي الْحِجَّةِ ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخْعِيُّ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ .
وَقَوْلُهُ : ( كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) : يَقُولُ تَعَالَى : مِنْ أَجْلِ هَذَا ( سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ) أَيْ : ذَلَّلْنَاهَا لَكُمْ ، أَيْ : جَعَلْنَاهَا مُنْقَادَةً لَكُمْ خَاضِعَةً ، إِنْ شِئْتُمْ رَكِبْتُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ حَلَبْتُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَبَحْتُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ . وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ . وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ) [ يس : 71 73 ] ، 431 وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : ( كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith