تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
page 121 · printed p. 376
( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ( 107 ) )
قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) مَا نُبَدِّلُ مِنْ آيَةٍ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) أَيْ : مَا نَمْحُ مِنْ آيَةٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) قَالَ : نُثْبِتُ خَطَّهَا وَنُبَدِّلُ حُكْمَهَا . حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، نَحْوَ ذَلِكَ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) مَا نُنْسِكَ . وَقَالَ عَطَاءٌ : أَمَّا ( مَا نَنْسَخْ ) فَمَا نَتْرُكُ مِنَ الْقُرْآنِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : يَعْنِي : تُرِكَ فَلَمْ يَنْزِلْ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) نَسْخُهَا : قَبْضُهَا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : يَعْنِي : قَبْضُهَا : رَفْعُهَا ، مِثْلُ قَوْلِهِ : الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ . وَقَوْلُهُ : ۝ " لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا " .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) مَا يُنْقَلُ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ إِلَى غَيْرِهِ فَنُبَدِّلُهُ وَنُغَيِّرُهُ ، وَذَلِكَ أَنْ يُحَوِّلَ الْحَلَالُ حَرَامًا وَالْحَرَامُ حَلَالًا وَالْمُبَاحُ مَحْظُورًا ، وَالْمَحْظُورُ مُبَاحًا . وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَظْرِ وَالْإِطْلَاقِ وَالْمَنْعِ وَالْإِبَاحَةِ . فَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَلَا يَكُونُ فِيهَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ . وَأَصْلُ النَّسْخِ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ ، وَهُوَ نَقْلُهُ مِنْ نُسْخَةٍ أُخْرَى إِلَى غَيْرِهَا ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى نَسْخِ الْحُكْمِ إِلَى غَيْرِهِ ، 376 إِنَّمَا هُوَ تَحْوِيلُهُ وَنَقْلُ عِبَادَةٍ إِلَى غَيْرِهَا . وَسَوَاءٌ نَسْخُ حُكْمِهَا أَوْ خَطِّهَا ، إِذْ هِيَ فِي كِلْتَا حَالَتَيْهَا مَنْسُوخَةٌ . وَأَمَّا عُلُمَاءُ الْأُصُولِ فَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي حَدِّ النَّسْخِ ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ ; لِأَنَّ مَعْنَى النَّسْخِ الشَّرْعِيِّ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، وَلَخَّصَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ . فَانْدَرَجَ فِي ذَلِكَ نَسْخُ الْأَخَفِّ بِالْأَثْقَلِ ، وَعَكْسِهِ ، وَالنَّسْخُ لَا إِلَى بَدَلٍ . وَأَمَّا تَفَاصِيلُ أَحْكَامِ النَّسْخِ وَذِكْرُ أَنْوَاعِهِ وَشُرُوطِهِ فَمَبْسُوطٌ فِي فَنِّ أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو شُبَيْلٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَاقِدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَرَأَ رَجُلَانِ سُورَةً أَقْرَأَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَا يَقْرَءَانِ بِهَا ، فَقَامَا ذَاتَ لَيْلَةٍ يُصَلِّيَانِ ، فَلَمْ يَقْدِرَا مِنْهَا عَلَى حَرْفٍ فَأَصْبَحَا غَادِيَيْنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِنَّهَا مِمَّا نُسِخَ وَأُنْسِي ، فَالْهُوَا عَنْهَا " . فَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقْرَؤُهَا : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ) بِضَمِّ النُّونِ خَفِيفَةً . سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ ضَعِيفٌ .
[ وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ نَصْرِ بْنِ دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ يُونُسَ وَعُبَيْدٍ وَعَقِيلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا ، ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ ] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( أَوْ نُنْسِهَا ) فَقُرِئَ عَلَى وَجْهَيْنِ : " نَنْسَأَهَا وَنُنْسِهَا " . فَأَمَّا مَنْ قَرَأَهَا : " نَنْسَأْهَا " بِفَتْحِ النُّونِ وَالْهَمْزَةِ بَعْدَ السِّينِ فَمَعْنَاهُ : نُؤَخِّرُهَا . قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِئْهَا ) يَقُولُ : مَا نُبَدِّلُ مِنْ آيَةٍ ، أَوْ نَتْرُكُهَا لَا نُبَدِّلُهَا .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( أَوْ نُنْسِئْهَا ) نُثْبِتُ خَطَّهَا وَنُبَدِّلُ حُكْمَهَا . وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ : ( أَوْ نُنْسِئْهَا ) نُؤَخِّرُهَا وَنُرْجِئُهَا . وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ : ( أَوْ نُنْسِئْهَا ) نُؤَخِّرُهَا فَلَا نَنْسَخُهَا . وَقَالَ السُّدِّيُّ مِثْلَهُ أَيْضًا ، وَكَذَا [ قَالَ ] الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِئْهَا ) يَعْنِي : النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِئْهَا ) أَيْ : نُؤَخِّرُهَا عِنْدَنَا .
وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا الْخَفَّافُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :
377
خَطَبَنَا عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ) أَيْ : نُؤَخِّرُهَا .
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ : ( أَوْ نُنْسِهَا ) فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ) قَالَ : كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُنْسِي نَبِيَّهُ مَا يَشَاءُ وَيَنْسَخُ مَا يَشَاءُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا سَوَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( أَوْ نُنْسِهَا ) قَالَ : إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُقْرِئَ قُرْآنًا ثُمَّ نَسِيَهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحَرَّانِيُّ ، عَنِ الْحَجَّاجِ يَعْنِي الْجَزَرِيَّ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ مِمَّا يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ بِاللَّيْلِ وَيَنْسَاهُ بِالنَّهَارِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا )
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرِ بْنُ نُفَيْلٍ : لَيْسَ هُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، هُوَ شَيْخٌ لَنَا جَزَرِيٌّ .
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ : ( أَوْ نُنْسِهَا ) نَرْفَعُهَا مِنْ عِنْدِكُمْ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقْرَأُ : " مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ تَنْسَهَا " قَالَ : قُلْتُ لَهُ : فَإِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقْرَأُ : " أَوْ تُنْسَهَا " . قَالَ : فَقَالَ سَعْدٌ : إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى الْمُسَيِّبِ وَلَا عَلَى آلِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ اللَّهُ ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ) [ الْأَعْلَى : 6 ] ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) [ الْكَهْفِ : 24 ] .
وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ هُشَيْمٍ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ ، عَنْ آدَمَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ، بِهِ . وَقَالَ : عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ ، نَحْوَ قَوْلِ سَعِيدٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ : عَلِيٌّ أَقْضَانَا ، وَأُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا ، وَإِنَّا لَنَدَعُ بَعْضَ مَا يَقُولُ أُبَيٌّ ، وَأُبَيٌّ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ، فَلَنْ أَدَعَهُ لِشَيْءٍ . وَاللَّهُ يَقُولُ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِأْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلَهَا ) .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ : أَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ ، وَأَقْضَانَا عَلِيٌّ ، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أُبَيٍّ ، وَذَلِكَ أَنَّ 378 أُبَيًّا يَقُولُ : لَا أَدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا )
وَقَوْلُهُ : ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) أَيْ : فِي الْحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِينَ ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ) يَقُولُ : خَيْرٌ لَكُمْ فِي الْمَنْفَعَةِ ، وَأَرْفُقُ بِكُمْ .
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) فَلَا نَعْمَلُ بِهَا ، ( أَوْ نُنْسِأْهَا ) أَيْ : نُرْجِئُهَا عِنْدَنَا ، نَأْتِ بِهَا أَوْ نَظِيرِهَا .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) يَقُولُ : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنَ الذِي نَسَخْنَاهُ ، أَوْ مِثْلَ الذِي تَرَكْنَاهُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) يَقُولُ : آيَةٌ فِيهَا تَخْفِيفٌ ، فِيهَا رُخْصَةٌ ، فِيهَا أَمْرٌ ، فِيهَا نَهْيٌ .
وَقَوْلُهُ : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ) يُرْشِدُ تَعَالَى بِهَذَا إِلَى أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ ، فَلَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ ، فَكَمَا خَلَقَهُمْ كَمَا يَشَاءُ ، وَيُسْعِدُ مَنْ يَشَاءُ ، وَيُشْقِي مَنْ يَشَاءُ ، وَيُصِحُّ مَنْ يَشَاءُ ، وَيُمْرِضُ مَنْ يَشَاءُ ، وَيُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ ، وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ ، كَذَلِكَ يَحْكُمُ فِي عِبَادِهِ بِمَا يَشَاءُ ، فَيَحِلُّ مَا يَشَاءُ ، وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ ، وَيُبِيحُ مَا يَشَاءُ ، وَيَحْظُرُ مَا يَشَاءُ ، وَهُوَ الذِي يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ . وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ . وَيَخْتَبِرُ عِبَادَهُ وَطَاعَتَهُمْ لِرُسُلِهِ بِالنَّسْخِ ، فَيَأْمُرُ بِالشَّيْءِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ التِي يَعْلَمُهَا تَعَالَى ، ثُمَّ يَنْهَى عَنْهُ لِمَا يَعْلَمُهُ تَعَالَى . . فَالطَّاعَةُ كُلُّ الطَّاعَةِ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ فِي تَصْدِيقِ مَا أَخْبَرُوا . وَامْتِثَالِ مَا أَمَرُوا . وَتَرْكِ مَا عَنْهُ زَجَرُوا . وَفِي هَذَا الْمَقَامِ رَدٌّ عَظِيمٌ وَبَيَانٌ بَلِيغٌ لِكُفْرِ الْيَهُودِ وَتَزْيِيفِ شُبْهَتِهِمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي دَعْوَى اسْتِحَالَةِ النَّسْخِ إِمَّا عَقْلًا كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ جَهْلًا وَكُفْرًا ، وَإِمَّا نَقْلًا كَمَا تَخَرَّصَهُ آخَرُونَ مِنْهُمُ افْتِرَاءً وَإِفْكًا .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : أَلَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ لِي مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَسُلْطَانَهُمَا دُونَ غَيْرِي ، أَحْكُمُ فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا بِمَا أَشَاءُ ، وَآمُرُ فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا بِمَا أَشَاءُ ، وَأَنْهَى عَمَّا أَشَاءُ ، وَأَنْسَخُ وَأُبَدِّلُ وَأُغَيِّرُ مِنْ أَحْكَامِي التِي أَحْكُمُ بِهَا فِي عِبَادِي مَا أَشَاءُ إِذَا أَشَاءُ ، وَأُقِرُّ فِيهِمَا مَا أَشَاءُ .
ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ كَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى خِطَابًا لَنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ عَظَمَتِهِ ، فَإِنَّهُ مِنْهُ تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا نَسْخَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ ، وَجَحَدُوا نُبُوَّةَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ ، عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ 379 وَالسَّلَامُ ، لِمَجِيئِهِمَا بِمَا جَاءَا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِتَغَيُّرِ مَا غَيَّرَ اللَّهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ . فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّ لَهُ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَسُلْطَانَهُمَا ، وَأَنَّ الْخَلْقَ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَأَنَّ لَهُ أَمْرَهُمْ بِمَا يَشَاءُ ، وَنَهْيَهُمْ عَمَّا يَشَاءُ ، وَنَسْخَ مَا يَشَاءُ ، وَإِقْرَارَ مَا يَشَاءُ ، وَإِنْشَاءَ مَا يَشَاءُ مِنْ إِقْرَارِهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ .
[ وَأَمَرَ إِبْرَاهِيمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِذَبْحِ وَلَدِهِ ، ثُمَّ نَسَخَهُ قَبْلَ الْفِعْلِ ، وَأَمَرَ جُمْهُورَ بَنَى إِسْرَائِيلَ بِقَتْلِ مَنْ عَبَدَ الْعِجْلَ مِنْهُمْ ، ثُمَّ رَفَعَ عَنْهُمُ الْقَتْلَ كَيْلَا يَسْتَأْصِلَهُمُ الْقَتْلُ ] .
قُلْتُ : الذِي يَحْمِلُ الْيَهُودَ عَلَى الْبَحْثِ فِي مَسْأَلَةِ النَّسْخِ ، إِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ وَالْعِنَادُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ يَحْكُمُ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَشَرَائِعِهِ الْمَاضِيَةِ ، كَمَا أَحَلَّ لِآدَمَ تَزْوِيجَ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ ، ثُمَّ حَرَّمَ ذَلِكَ ، وَكَمَا أَبَاحَ لِنُوحٍ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّفِينَةِ أَكْلَ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ ، ثُمَّ نَسَخَ حِلَّ بَعْضِهَا ، وَكَانَ نِكَاحُ الْأُخْتَيْنِ مُبَاحًا لِإِسْرَائِيلَ وَبَنِيهِ ، وَقَدْ حُرِّمَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ وَمَا بَعْدَهَا . وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، وَهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ وَيَصْدِفُونَ عَنْهُ . وَمَا يُجَابُ بِهِ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ بِأَجْوِبَةٍ لَفْظِيَّةٍ ، فَلَا تُصْرَفُ الدَّلَالَةُ فِي الْمَعْنَى ، إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ ، وَكَمَا فِي كُتُبِهِمْ مَشْهُورًا مِنَ الْبِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ عَمَلٌ إِلَّا عَلَى شَرِيعَتِهِ . وَسَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ الشَّرَائِعَ الْمُتَقَدِّمَةَ مُغَيَّاةٌ إِلَى بِعْثَتِهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ نَسْخًا كَقَوْلِهِ : ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) [ الْبَقَرَةِ : 187 ] ، وَقِيلَ : إِنَّهَا مُطْلَقَةٌ ، وَإِنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسَخَتْهَا ، فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَوُجُوبُ اتِّبَاعِهِ مُعَيَّنٌ لِأَنَّهُ جَاءَ بِكِتَابٍ هُوَ آخِرُ الْكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
فَفِي هَذَا الْمَقَامِ بَيَّنَ تَعَالَى جَوَازَ النَّسْخِ ، رَدًّا عَلَى الْيَهُودِ ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرُ ) الْآيَةَ ، فَكَمَا أَنَّ لَهُ الْمُلْكَ بِلَا مُنَازِعٍ ، فَكَذَلِكَ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا يَشَاءُ ، ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) [ الْأَعْرَافِ : 54 ] وَقُرِئَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، التِي نَزَلَ صَدْرُهَا خِطَابًا مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وُقُوعُ النَّسْخِ عِنْدَ الْيَهُودِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ) الْآيَةَ [ آلِ عِمْرَانَ : 93 ] كَمَا سَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا ، وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ الْبَالِغَةِ ، وَكُلُّهُمْ قَالَ بِوُقُوعِهِ . وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمُفَسِّرُ : لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَوْلُهُ هَذَا ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ مَرْذُولٌ . وَقَدْ تَعَسَّفَ فِي الْأَجْوِبَةِ عَمَّا وَقَعَ مِنَ النَّسْخِ ، فَمِنْ ذَلِكَ قَضِيَّةُ الْعِدَّةِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ يُجِبْ عَلَى ذَلِكَ بِكَلَامٍ مَقْبُولٍ ، وَقَضِيَّةُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إِلَى الْكَعْبَةِ ، عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يُجِبْ 380 بِشَيْءٍ ، وَمِنْ ذَلِكَ نَسْخُ مُصَابَرَةِ الْمُسْلِمِ لِعَشَرَةٍ مِنَ الْكَفَرَةِ إِلَى مُصَابَرَةِ الِاثْنَيْنِ ، وَمِنْ ذَلِكَ نَسْخُ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith