تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1133 · printed p. 281
( وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى ( 22 ) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ( 23 ) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ( 24 ) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 ) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هَارُونَ أَخِي ( 30 ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ( 31 ) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ( 32 ) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ( 33 ) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ( 34 ) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ( 35 ) ) .
وَهَذَا بُرْهَانٌ ثَانٍ لِمُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ، وَهَاهُنَا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ( وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ ) وَقَالَ فِي مَكَانٍ آخَرَ : ( وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ) [ الْقَصَصِ : 32 ] .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ ) كَفُّهُ تَحْتَ عَضُدِهِ .
وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَانَ إِذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا ، تَخْرُجُ تَتَلَأْلَأُ كَأَنَّهَا فَلْقَةُ قَمَرٍ .
وَقَوْلُهُ : ( تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) أَيْ : مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ وَلَا أَذًى ، وَمِنْ غَيْرِ شَيْنٍ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : أَخْرَجَهَا - وَاللَّهِ - كَأَنَّهَا مِصْبَاحٌ ، فَعَلِمَ مُوسَى أَنَّهُ قَدْ لَقِيَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ) .
وَقَالَ وَهْبٌ : قَالَ لَهُ رَبُّهُ : ادْنُهْ : فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِيهِ حَتَّى شَدَّ ظَهْرَهُ بِجِذْعِ الشَّجَرَةِ ، فَاسْتَقَرَّ وَذَهَبَتْ عَنْهُ الرِّعْدَةُ ، وَجَمَعَ يَدَهُ فِي الْعَصَا ، وَخَضَعَ بِرَأْسِهِ وَعُنُقِهِ .
وَقَوْلُهُ ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ) أَيِ : اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ ، الَّذِي خَرَجْتَ فَارًّا مِنْهُ 281 وَهَارِبًا ، فَادْعُهُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَمُرْهُ فَلْيُحْسِنْ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا يُعَذِّبْهُمْ ، فَإِنَّهُ قَدْ طَغَى وَبَغَى ، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ، وَنَسِيَ الرَّبَّ الْأَعْلَى .
قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : قَالَ اللَّهُ لِمُوسَى : انْطَلِقْ بِرِسَالَتِي فَإِنَّكَ بِعَيْنِي وَسَمْعِي ، وَإِنِّي مَعَكَ أَيْدِي وَنَصْرِي ، وَإِنِّي قَدْ أَلْبَسْتُكَ جُنَّةً مِنْ سُلْطَانِي لِتَسْتَكْمِلَ بِهَا الْقُوَّةَ فِي أَمْرِي ، فَأَنْتَ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنْدِي ، بَعَثْتُكَ إِلَى خَلْقٍ ضَعِيفٍ مِنْ خَلْقِي ، بَطَرَ نِعْمَتِي ، وَأَمِنَ مَكْرِي ، وَغَرَّتْهُ الدُّنْيَا عَنِّي ، حَتَّى جَحَدَ حَقِّي ، وَأَنْكَرَ رُبُوبِيَّتِي ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُنِي ، فَإِنِّي أُقْسِمُ بِعِزَّتِي لَوْلَا الْقَدَرُ الَّذِي وَضَعْتُ بَيْنِي وَبَيْنَ خَلْقِي ، لَبَطَشْتُ بِهِ بَطْشَةَ جَبَّارٍ ، يَغْضَبُ لِغَضَبِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَالْجِبَالُ وَالْبِحَارُ ، فَإِنْ أَمَرْتُ السَّمَاءَ حَصَبَتْهُ ، وَإِنْ أَمَرْتُ الْأَرْضَ ابْتَلَعَتْهُ ، وَإِنْ أَمَرْتُ الْجِبَالَ دَمَّرَتْهُ ، وَإِنْ أَمَرْتُ الْبِحَارَ غَرَّقَتْهُ ، وَلَكِنَّهُ هَانَ عَلَيَّ ، وَسَقَطَ مِنْ عَيْنِي ، وَوَسِعَهُ حِلْمِي ، وَاسْتَغْنَيْتُ بِمَا عِنْدِي ، وَحَقِّي إِنِّي أَنَا الْغَنِيُّ لَا غَنِيَّ غَيْرِي ، فَبَلِّغْهُ رِسَالَتِي ، وَادْعُهُ إِلَى عِبَادَتِي وَتَوْحِيدِي وَإِخْلَاصِي ، وَذَكِّرْهُ أَيَّامِي وَحَذِّرْهُ نِقْمَتِي وَبَأْسِي ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ شَيْءٌ لِغَضَبِي ، وَقُلْ لَهُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ، وَخَبِّرْهُ أَنِّي إِلَى الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ أَسْرَعُ مِنِّي إِلَى الْغَضَبِ وَالْعُقُوبَةِ ، وَلَا يُرَوِّعَنَّكَ مَا أَلْبَسْتُهُ مِنْ لِبَاسِ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ نَاصِيَتَهُ بِيَدِي ، لَيْسَ يَنْطِقُ وَلَا يَطْرِفُ وَلَا يَتَنَفَّسُ إِلَّا بِإِذْنِي ، وَقُلْ لَهُ : أَجِبْ رَبَّكَ فَإِنَّهُ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ، وَقَدْ أَمْهَلَكَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ ، فِي كُلِّهَا أَنْتَ مُبَارِزُهُ بِالْمُحَارَبَةِ ، تَسُبُّهُ وَتَتَمَثَّلُ بِهِ وَتَصُدُّ عِبَادَهُ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ يُمْطِرُ عَلَيْكَ السَّمَاءَ ، وَيُنْبِتُ لَكَ الْأَرْضَ ، و لَمْ تَسْقَمْ وَلَمْ تَهْرَمْ وَلَمْ تَفْتَقِرْ وَلَمْ تُغْلَبْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُعَجِّلَ لَكَ الْعُقُوبَةَ لَفَعَلَ ، وَلَكِنَّهُ ذُو أَنَاةٍ وَحِلْمٍ عَظِيمٍ . وَجَاهِدْهُ بِنَفْسِكَ وَأَخِيكَ وَأَنْتُمَا تَحْتَسِبَانِ بِجِهَادِهِ فَإِنِّي لَوْ شِئْتُ أَنْ آتِيهُ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُ بِهَا لَفَعَلْتُ ، وَلَكِنْ لِيَعْلَمَ هَذَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ الَّذِي قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ وَجُمُوعُهُ أَنَّ الْفِئَةَ الْقَلِيلَةَ - وَلَا قَلِيلَ مِنِّي - تَغْلِبُ الْفِئَةَ الْكَثِيرَةَ بِإِذْنِي ، وَلَا تُعْجِبَنَّكُمَا زِينَتُهُ ، وَلَا مَا مُتِّعَ بِهِ ، وَلَا تَمُدَّا إِلَى ذَلِكَ أَعْيُنُكُمَا ، فَإِنَّهَا زَهْرُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَزِينَةُ الْمُتْرَفِينَ . وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أُزَيِّنَكُمَا مِنَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ ، لِيَعْلَمَ فِرْعَوْنُ حِينَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَنَّ مَقْدِرَتَهُ تَعْجَزُ عَنْ مِثْلِ مَا أُوتِيتُمَا ، فَعَلْتُ ، وَلَكِنِّي أَرْغَبُ بِكُمَا عَنْ ذَلِكَ ، وَأَزْوِيهِ عَنْكُمَا . وَكَذَلِكَ أَفْعَلُ بِأَوْلِيَائِي ، وَقَدِيمًا مَا جَرَتْ عَادَتِي فِي ذَلِكَ . فَإِنِّي لَأَذُودُهُمْ عَنْ نَعِيمِهَا وَرَخَائِهَا ، كَمَا يَذُودُ الرَّاعِي الشَّفِيقُ إِبِلَهُ عَنْ مَبَارِكِ الْغِرَّةِ ، وَمَا ذَاكَ لِهَوَانِهِمْ عَلَيَّ ، وَلَكِنْ لِيَسْتَكْمِلُوا نَصِيبَهُمْ مِنْ كَرَامَتِي سَالِمًا مُوْفَرًا لَمْ تَكْلَمْهُ الدُّنْيَا .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَتَزَيَّنُ لِيَ الْعِبَادُ بِزِينَةٍ هِيَ أَبْلَغُ مِمَّا عِنْدِي - مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّهَا زِينَةُ الْمُتَّقِينَ ، عَلَيْهِمْ مِنْهَا لِبَاسٌ يُعْرَفُونَ بِهِ مِنَ السَّكِينَةِ وَالْخُشُوعِ ، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ، أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقًّا حَقًّا ، فَإِذَا لَقِيْتَهُمْ فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ ، وَذَلِّلْ قَلْبَكَ وَلِسَانَكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ أَهَانَ لِي 282 وَلِيًّا أَوْ أَخَافَهُ ، فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ ، وَبَادَأَنِي وَعَرَضَ لِي نَفْسَهُ وَدَعَانِي إِلَيْهَا ، وَأَنَا أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي ، أَفَيَظُنُّ الَّذِي يُحَارِبُنِي أَنْ يَقُومَ لِي ، أَمْ يَظُنُّ الَّذِي يُعَادِينِي أَنْ يُعْجِزَنِي ، أَمْ يَظُنُّ الَّذِي يُبَارِزُنِي أَنْ يَسْبِقَنِي أَوْ يَفُوتَنِي . وَكَيْفَ وَأَنَا الثَّائِرُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، لَا أَكِلُ مُضْطَرَّهُمْ إِلَى غَيْرِي .

رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
( قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ) هَذَا سُؤَالٌ مِنْ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَنْ يَشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ فِيمَا بَعَثَهُ بِهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ أَمَرَهُ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ ، وَخَطْبٍ جَسِيمٍ ، بَعَثَهُ إِلَى أَعْظَمِ مَلِكٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِذْ ذَاكَ ، وَأَجْبَرِهِمْ ، وَأَشَدِّهِمْ كُفْرًا ، وَأَكْثَرِهِمْ جُنُودًا ، وَأَعْمَرِهِمْ مُلْكًا ، وَأَطْغَاهُمْ وَأَبْلَغِهِمْ تَمَرُّدًا ، بَلَغَ مِنْ أَمْرِهِ أَنِ ادَّعَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ ، وَلَا يَعْلَمُ لِرَعَايَاهُ إِلَهًا غَيْرَهُ .
هَذَا وَقَدْ مَكَثَ مُوسَى فِي دَارِهِ مُدَّةً وَلِيدًا عِنْدَهُمْ ، فِي حَجْرِ فِرْعَوْنَ ، عَلَى فِرَاشِهِ ، ثُمَّ قَتَلَ مِنْهُمْ نَفْسًا فَخَافَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ هَذِهِ الْمُدَّةَ بِكَمَالِهَا . ثُمَّ بَعْدَ هَذَا بَعَثَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ نَذِيرًا يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ; وَلِهَذَا قَالَ : ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ) أَيْ : إِنْ لَمْ تَكُنْ أَنْتَ عَوْنِي وَنَصِيرِي ، وَعَضُدِي وَظَهِيرِي ، وَإِلَّا فَلَا طَاقَةَ لِي بِذَلِكَ .
( وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي ) وَذَلِكَ لِمَا كَانَ أَصَابَهُ مِنَ اللَّثَغِ ، حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ التَّمْرَةَ وَالْجَمْرَةَ ، فَأَخَذَ الْجَمْرَةَ فَوَضَعَهَا عَلَى لِسَانِهِ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ ، وَمَا سَأَلَ أَنْ يَزُولَ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ ، بَلْ بِحَيْثُ يَزُولُ الْعَيُّ ، وَيَحْصُلُ لَهُمْ فَهْمُ مَا يُرِيدُ مِنْهُ وَهُوَ قَدْرُ الْحَاجَةِ . وَلَوْ سَأَلَ الْجَمِيعَ لَزَالَ ، وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَسْأَلُونَ إِلَّا بِحَسْبِ الْحَاجَةِ ، وَلِهَذَا بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ) [ الزُّخْرُفِ : 52 ] أَيْ : يُفْصِحُ بِالْكَلَامِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : ( وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ) قَالَ : حُلَّ عُقْدَةً وَاحِدَةً ، وَلَوْ سَأَلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أُعْطِيَ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : شَكَا مُوسَى إِلَى رَبِّهِ مَا يَتَخَوَّفُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ فِي الْقَتِيلِ ، وَعُقْدَةَ لِسَانِهِ ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي لِسَانِهِ عُقْدَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ ، وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُعِينَهُ بِأَخِيهِ هَارُونَ يَكُونُ لَهُ رِدْءًا وَيَتَكَلَّمُ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمَّا لَا يُفْصِحُ بِهِ لِسَانُهُ ، فَآتَاهُ سُؤْلَهُ ، فَحَلَّ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذُكِرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، عَنْ أَرْطَاةَ بْنِ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْهُ قَالَ : أَتَاهُ ذُو قُرَابَةٍ لَهُ . فَقَالَ لَهُ : مَا بِكَ بَأْسٌ لَوْلَا أَنَّكَ تَلْحَنُ فِي كَلَامِكَ ، وَلَسْتَ تُعْرِبُ فِي قِرَاءَتِكَ ؟ فَقَالَ الْقُرَظِيُّ : يَا ابْنَ أَخِي ، أَلَسْتُ أُفْهِمُكَ إِذَا حَدَّثْتُكَ ؟ قَالَ : 283 نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِنَّمَا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَحُلَّ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِهِ كَيْ يَفْقَهَ بَنُو إِسْرَائِيلَ كَلَامَهُ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا . هَذَا لَفْظُهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ) : وَهَذَا أَيْضًا سُؤَالٌ مِنْ مُوسَى فِي أَمْرٍ خَارِجِيٍّ عَنْهُ ، وَهُوَ مُسَاعَدَةُ أَخِيهِ هَارُونَ لَهُ .
قَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : فَنُبِّئَ هَارُونُ سَاعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسَى ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذُكِرَ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا خَرَجَتْ فِيمَا كَانَتْ تَعْتَمِرُ ، فنَزَلَتْ بِبَعْضِ الْأَعْرَابِ ، فَسَمِعَتْ رَجُلًا يَقُولُ : أَيُّ أَخٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا أَنْفَعَ لِأَخِيهِ ؟ قَالُوا : مَا نَدْرِي . قَالَ : وَاللَّهِ أَنَا أَدْرِي . قَالَتْ : فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : فِي حَلِفِهِ لَا يَسْتَثْنِي ، إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَيَّ أَخٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا أَنْفَعَ لِأَخِيهِ . قَالَ : مُوسَى حِينَ سَأَلَ لِأَخِيهِ النُّبُوَّةَ . فَقُلْتُ : صَدَقَ وَاللَّهِ . قُلْتُ : وَفِي هَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الثَّنَاءِ عَلَى مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ) [ الْأَحْزَابِ : 69 ] .
وَقَوْلُهُ : ( اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) قَالَ مُجَاهِدٌ : ظَهْرِي .
( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي )
أَيْ : فِي مُشَاوَرَتِي .
( كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ) قَالَ مُجَاهِدٌ : لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا ، حَتَّى يَذْكُرَ اللَّهَ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ) أَيْ : فِي اصْطِفَائِكَ لَنَا ، وَإِعْطَائِكَ إِيَّانَا النُّبُوَّةَ ، وَبَعْثَتِكَ لَنَا إِلَى عَدُوِّكَ فِرْعَوْنَ ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith