تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
132 133
[ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ ] تَفْسِيرُ سُورَةِ الْكَهْفِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ .
ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِهَا ، وَالْعَشَرِ الْآيَاتِ مِنْ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا ، وَأَنَّهَا عِصْمَةٌ مِنَ الدَّجَّالِ :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ : قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ ، وَفِي الدَّارِ دَابَّةٌ ، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ ، فَنَظَرَ فَإِذَا ضَبَابَةٌ - أَوْ : سَحَابَةٌ - قَدْ غَشِيَتْهُ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " اقْرَأْ فُلَانُ ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ عِنْدَ الْقُرْآنِ ، أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ " .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، بِهِ . وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَتْلُوهَا هُوَ : أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ ، عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ " .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ بِهِ . وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ : " مَنْ حَفِظَ الثَّلَاثَ الْآيَاتَ مَنْ أَوَّلِ الْكَهْفِ " وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ ] الْإِمَامُ [ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ يُحَدِّثُ عَنْ مَعْدَانَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ قَرَأَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ " .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ، بِهِ . وَفِي لَفْظِ النَّسَائِيِّ : " مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنَ الْكَهْفِ " ، فَذَكَرَهُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي " الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ " عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ قَرَأَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ ، فَإِنَّهُ عِصْمَةٌ لَهُ مِنَ الدَّجَّالِ " .
فَيُحْتَمَلُ أَنَّ سَالِمًا سَمِعَهُ مِنْ ثَوْبَانَ وَمِنْ 134 أَبِي الدَّرْدَاءِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا زَبَّانُ بْنُ فَايِدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ قَرَأَ أَوَّلَ سُورَةِ الْكَهْفِ وَآخِرَهَا ، كَانَتْ لَهُ نُورًا مِنْ قَدَمِهِ إِلَى رَأْسِهِ ، وَمَنْ قَرَأَهَا كُلَّهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا مَا بَيْنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ " انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ [ فِي تَفْسِيرِهِ ] بِإِسْنَادٍ لَهُ غَرِيبٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، سَطَعَ لَهُ نُورٌ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ ، يُضِيءُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَغُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ " .
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي رَفْعِهِ نَظَرٌ ، وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِ الْوَقْفُ .
وَهَكَذَا رَوَى الْإِمَامُ : " سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ " فِي سُنَنِهِ ، عَنْ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ .
هَكَذَا وَقَعَ مَوْقُوفًا ، وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، بِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ .
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ " ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ ، عَنِ الْحَاكِمِ ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ كَمَا أُنْزِلَتْ كَانَتْ 135 لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] .
وَفِي " الْمُخْتَارَةِ " لِلْحَافِظِ الضِّيَاءِ الْمُقَدِّسِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ مَنْظُورِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَهُوَ مَعْصُومٌ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ ، وَإِنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ عُصِمَ مِنْهُ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ رَبِّ وَفِّقْنِي ]
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ( 1 ) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ( 2 ) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ( 3 ) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ( 4 ) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ( 5 ) ) .
قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ تَعَالَى يَحْمَدُ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ عِنْدَ فَوَاتِحَ الْأُمُورِ وَخَوَاتِيمِهَا ، فَإِنَّهُ الْمَحْمُودُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ؛ وَلِهَذَا حَمِدَ نَفْسَهُ عَلَى إِنْزَالِهِ كِتَابَهُ الْعَزِيزَ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ نِعْمَةً أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ؛ إِذْ أَخْرَجَهُمْ بِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ، حَيْثُ جَعَلَهُ كِتَابًا مُسْتَقِيمًا لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا زَيْغَ ، بَلْ يَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، بَيِّنًا وَاضِحًا جَلِيًّا نَذِيرًا لِلْكَافِرِينَ وَبَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ) أَيْ : لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ اعْوِجَاجًا وَلَا زَيْغًا وَلَا مَيْلًا بَلْ جَعَلَهُ مُعْتَدِلًا مُسْتَقِيمًا ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( قَيِّمًا ) أَيْ : مُسْتَقِيمًا .
( لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ ) أَيْ : لِمَنْ خَالَفَهُ وَكَذَّبَهُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ ، يُنْذِرُهُ بَأْسًا شَدِيدًا ، عُقُوبَةً عَاجِلَةً فِي الدُّنْيَا وَآجِلَةً فِي الْآخِرَةِ ) مِنْ لَدُنْهُ ) أَيْ : مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ، وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ .
( وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ) أَيْ : بِهَذَا الْقُرْآنِ الَّذِينَ صَدَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ ) أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ) أَيْ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ جَمِيلَةً
( مَاكِثِينَ فِيهِ ) فِي ثَوَابِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ ، وَهُوَ الْجَنَّةُ ، خَالِدِينَ فِيهِ ) أَبَدًا ) دَائِمًا لَا زَوَالَ لَهُ وَلَا انْقِضَاءَ .
( وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَهُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ : نَحْنُ 136 نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ ، وَهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ .
( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ) أَيْ : بِهَذَا الْقَوْلِ الَّذِي افْتَرَوْهُ وَائْتَفَكُوهُ مِنْ عِلْمٍ ) وَلَا لِآبَائِهِمْ ) أَيْ : أَسْلَافِهِمْ .
( كَبُرَتْ كَلِمَةً ) : نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ ، تَقْدِيرُهُ : كَبُرَتْ كَلِمَتُهُمْ هَذِهِ كَلِمَةً .
وَقِيلَ : عَلَى التَّعَجُّبِ ، تَقْدِيرُهُ : أَعْظِمْ بِكَلِمَتِهِمْ كَلِمَةً ، كَمَا تَقُولُ : أَكْرِمْ بِزَيْدٍ رَجُلًا ؛ قَالَهُ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ : " كَبُرَتْ كَلِمَةٌ " كَمَا يُقَالُ : عَظُمَ قَوْلُكَ ، وَكَبُرَ شَأْنُكَ .
وَالْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ أَظْهَرُ ؛ فَإِنَّ هَذَا تَبْشِيعٌ لِمَقَالَتِهِمْ وَاسْتِعْظَامٌ لِإِفْكِهِمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) أَيْ : لَيْسَ لَهَا مُسْتَنَدٌ سِوَى قَوْلِهِمْ ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَيْهَا إِلَّا كَذِبُهُمْ وَافْتِرَاؤُهُمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ) .
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ قَدِمَ عَلَيْنَا مُنْذُ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ، إِلَى أَحْبَارِ يَهُودَ بِالْمَدِينَةِ ، فَقَالُوا لَهُمْ : سَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ ، وَصِفُوا لَهُمْ صِفَتَهُ ، وَأَخْبِرُوهُمْ بِقَوْلِهِ ؛ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ ، وَعِنْدَهُمْ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ . فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ ، فَسَأَلُوا أَحْبَارَ يَهُودَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَوَصَفُوا لَهُمْ أَمْرَهُ وَبَعْضَ قَوْلِهِ ، وَقَالَا إِنَّكُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ ، وَقَدْ جِئْنَاكُمْ لِتُخْبِرُونَا عَنْ صَاحِبِنَا هَذَا . قَالَ : فَقَالَتْ لَهُمْ : سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثٍ نَأْمُرُكُمْ بِهِنَّ ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ ، فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ : سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ ، مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ ؟ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجِيبٌ . وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ، مَا كَانَ نَبَؤُهُ ؟ [ وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ ، مَا هُوَ ؟ ] فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِذَلِكَ فَهُوَ نَبِيٌّ فَاتَّبِعُوهُ ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْكُمْ فَإِنَّهُ رَجُلٌ مُتَقَوِّلٌ ، فَاصْنَعُوا فِي أَمْرِهِ مَا بَدَا لَكُمْ .
فَأَقْبَلَ النَّضْرُ وَعُقْبَةُ حَتَّى قَدِمَا عَلَى قُرَيْشٍ ، فَقَالَا : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، قَدْ جِئْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ ، قَدْ أَمَرَنَا أَحْبَارُ يَهُودَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ أُمُورٍ ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِهَا ، فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، أَخْبِرْنَا : فَسَأَلُوهُ عَمَّا أَمَرُوهُمْ بِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُخْبِرُكُمْ غَدًا بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ " . وَلَمْ يَسْتَثْنِ ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ ، وَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، لَا يُحْدِثُ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَحْيًا ، وَلَا يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حَتَّى أَرْجَفَ أَهْلُ مَكَّةَ وَقَالُوا : وَعَدَنَا مُحَمَّدٌ غَدًا ، وَالْيَوْمُ خَمْسَ عَشْرَةَ قَدْ أَصْبَحْنَا فِيهَا ، لَا يُخْبِرُنَا بِشَيْءٍ عَمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ . وَحَتَّى أَحْزَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكْثُ الْوَحْيِ عَنْهُ ، وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِسُورَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ، فِيهَا مُعَاتَبَتُهُ إِيَّاهُ عَلَى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ ، وَخَبَرُ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْفِتْيَةِ وَالرَّجُلِ الطَّوَّافِ ، وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 85 ]
[ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ ] تَفْسِيرُ سُورَةِ الْكَهْفِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ .
ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِهَا ، وَالْعَشَرِ الْآيَاتِ مِنْ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا ، وَأَنَّهَا عِصْمَةٌ مِنَ الدَّجَّالِ :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ : قَرَأَ رَجُلٌ الْكَهْفَ ، وَفِي الدَّارِ دَابَّةٌ ، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ ، فَنَظَرَ فَإِذَا ضَبَابَةٌ - أَوْ : سَحَابَةٌ - قَدْ غَشِيَتْهُ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " اقْرَأْ فُلَانُ ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ عِنْدَ الْقُرْآنِ ، أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ " .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، بِهِ . وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَتْلُوهَا هُوَ : أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ ، عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ " .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ بِهِ . وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ : " مَنْ حَفِظَ الثَّلَاثَ الْآيَاتَ مَنْ أَوَّلِ الْكَهْفِ " وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ ] الْإِمَامُ [ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ يُحَدِّثُ عَنْ مَعْدَانَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ قَرَأَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ " .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ، بِهِ . وَفِي لَفْظِ النَّسَائِيِّ : " مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنَ الْكَهْفِ " ، فَذَكَرَهُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي " الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ " عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ قَرَأَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ ، فَإِنَّهُ عِصْمَةٌ لَهُ مِنَ الدَّجَّالِ " .
فَيُحْتَمَلُ أَنَّ سَالِمًا سَمِعَهُ مِنْ ثَوْبَانَ وَمِنْ 134 أَبِي الدَّرْدَاءِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا زَبَّانُ بْنُ فَايِدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ قَرَأَ أَوَّلَ سُورَةِ الْكَهْفِ وَآخِرَهَا ، كَانَتْ لَهُ نُورًا مِنْ قَدَمِهِ إِلَى رَأْسِهِ ، وَمَنْ قَرَأَهَا كُلَّهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا مَا بَيْنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ " انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ [ فِي تَفْسِيرِهِ ] بِإِسْنَادٍ لَهُ غَرِيبٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، سَطَعَ لَهُ نُورٌ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ ، يُضِيءُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَغُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ " .
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي رَفْعِهِ نَظَرٌ ، وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِ الْوَقْفُ .
وَهَكَذَا رَوَى الْإِمَامُ : " سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ " فِي سُنَنِهِ ، عَنْ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ .
هَكَذَا وَقَعَ مَوْقُوفًا ، وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، بِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ .
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ " ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ ، عَنِ الْحَاكِمِ ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ كَمَا أُنْزِلَتْ كَانَتْ 135 لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] .
وَفِي " الْمُخْتَارَةِ " لِلْحَافِظِ الضِّيَاءِ الْمُقَدِّسِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ مَنْظُورِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَهُوَ مَعْصُومٌ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ ، وَإِنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ عُصِمَ مِنْهُ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ رَبِّ وَفِّقْنِي ]
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ( 1 ) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ( 2 ) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ( 3 ) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ( 4 ) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ( 5 ) ) .
قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ تَعَالَى يَحْمَدُ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ عِنْدَ فَوَاتِحَ الْأُمُورِ وَخَوَاتِيمِهَا ، فَإِنَّهُ الْمَحْمُودُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ؛ وَلِهَذَا حَمِدَ نَفْسَهُ عَلَى إِنْزَالِهِ كِتَابَهُ الْعَزِيزَ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ نِعْمَةً أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ؛ إِذْ أَخْرَجَهُمْ بِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ، حَيْثُ جَعَلَهُ كِتَابًا مُسْتَقِيمًا لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا زَيْغَ ، بَلْ يَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، بَيِّنًا وَاضِحًا جَلِيًّا نَذِيرًا لِلْكَافِرِينَ وَبَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ) أَيْ : لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ اعْوِجَاجًا وَلَا زَيْغًا وَلَا مَيْلًا بَلْ جَعَلَهُ مُعْتَدِلًا مُسْتَقِيمًا ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( قَيِّمًا ) أَيْ : مُسْتَقِيمًا .
( لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ ) أَيْ : لِمَنْ خَالَفَهُ وَكَذَّبَهُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ ، يُنْذِرُهُ بَأْسًا شَدِيدًا ، عُقُوبَةً عَاجِلَةً فِي الدُّنْيَا وَآجِلَةً فِي الْآخِرَةِ ) مِنْ لَدُنْهُ ) أَيْ : مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ، وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ .
( وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ) أَيْ : بِهَذَا الْقُرْآنِ الَّذِينَ صَدَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ ) أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ) أَيْ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ جَمِيلَةً
( مَاكِثِينَ فِيهِ ) فِي ثَوَابِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ ، وَهُوَ الْجَنَّةُ ، خَالِدِينَ فِيهِ ) أَبَدًا ) دَائِمًا لَا زَوَالَ لَهُ وَلَا انْقِضَاءَ .
( وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَهُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ : نَحْنُ 136 نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ ، وَهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ .
( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ) أَيْ : بِهَذَا الْقَوْلِ الَّذِي افْتَرَوْهُ وَائْتَفَكُوهُ مِنْ عِلْمٍ ) وَلَا لِآبَائِهِمْ ) أَيْ : أَسْلَافِهِمْ .
( كَبُرَتْ كَلِمَةً ) : نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ ، تَقْدِيرُهُ : كَبُرَتْ كَلِمَتُهُمْ هَذِهِ كَلِمَةً .
وَقِيلَ : عَلَى التَّعَجُّبِ ، تَقْدِيرُهُ : أَعْظِمْ بِكَلِمَتِهِمْ كَلِمَةً ، كَمَا تَقُولُ : أَكْرِمْ بِزَيْدٍ رَجُلًا ؛ قَالَهُ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ : " كَبُرَتْ كَلِمَةٌ " كَمَا يُقَالُ : عَظُمَ قَوْلُكَ ، وَكَبُرَ شَأْنُكَ .
وَالْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ أَظْهَرُ ؛ فَإِنَّ هَذَا تَبْشِيعٌ لِمَقَالَتِهِمْ وَاسْتِعْظَامٌ لِإِفْكِهِمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) أَيْ : لَيْسَ لَهَا مُسْتَنَدٌ سِوَى قَوْلِهِمْ ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَيْهَا إِلَّا كَذِبُهُمْ وَافْتِرَاؤُهُمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ) .
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ قَدِمَ عَلَيْنَا مُنْذُ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ، إِلَى أَحْبَارِ يَهُودَ بِالْمَدِينَةِ ، فَقَالُوا لَهُمْ : سَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ ، وَصِفُوا لَهُمْ صِفَتَهُ ، وَأَخْبِرُوهُمْ بِقَوْلِهِ ؛ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ ، وَعِنْدَهُمْ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ . فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ ، فَسَأَلُوا أَحْبَارَ يَهُودَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَوَصَفُوا لَهُمْ أَمْرَهُ وَبَعْضَ قَوْلِهِ ، وَقَالَا إِنَّكُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ ، وَقَدْ جِئْنَاكُمْ لِتُخْبِرُونَا عَنْ صَاحِبِنَا هَذَا . قَالَ : فَقَالَتْ لَهُمْ : سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثٍ نَأْمُرُكُمْ بِهِنَّ ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ ، فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ : سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ ، مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ ؟ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجِيبٌ . وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ، مَا كَانَ نَبَؤُهُ ؟ [ وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ ، مَا هُوَ ؟ ] فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِذَلِكَ فَهُوَ نَبِيٌّ فَاتَّبِعُوهُ ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْكُمْ فَإِنَّهُ رَجُلٌ مُتَقَوِّلٌ ، فَاصْنَعُوا فِي أَمْرِهِ مَا بَدَا لَكُمْ .
فَأَقْبَلَ النَّضْرُ وَعُقْبَةُ حَتَّى قَدِمَا عَلَى قُرَيْشٍ ، فَقَالَا : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، قَدْ جِئْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ ، قَدْ أَمَرَنَا أَحْبَارُ يَهُودَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ أُمُورٍ ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِهَا ، فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، أَخْبِرْنَا : فَسَأَلُوهُ عَمَّا أَمَرُوهُمْ بِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُخْبِرُكُمْ غَدًا بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ " . وَلَمْ يَسْتَثْنِ ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ ، وَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، لَا يُحْدِثُ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَحْيًا ، وَلَا يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حَتَّى أَرْجَفَ أَهْلُ مَكَّةَ وَقَالُوا : وَعَدَنَا مُحَمَّدٌ غَدًا ، وَالْيَوْمُ خَمْسَ عَشْرَةَ قَدْ أَصْبَحْنَا فِيهَا ، لَا يُخْبِرُنَا بِشَيْءٍ عَمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ . وَحَتَّى أَحْزَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكْثُ الْوَحْيِ عَنْهُ ، وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِسُورَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ، فِيهَا مُعَاتَبَتُهُ إِيَّاهُ عَلَى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ ، وَخَبَرُ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْفِتْيَةِ وَالرَّجُلِ الطَّوَّافِ ، وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 85 ]
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith