البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الرابع
page 1981 · printed p. 40 · commentary
40 ( قَوْلُهُ وَصَوَابُهُ إنْ عَنَى الرَّجْعِيَّ يَقَعُ إلَخْ ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ : بَلْ الصَّوَابُ مَا فِي الْقُنْيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَحَدُ هَذَيْنِ وَبِهَذَا لَا يَكُونُ الرَّجْعِيُّ لَغْوًا وَإِنْ نَوَاهُ بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى الْبَائِنَ وَأَمَّا الْبَائِنُ فَلَيْسَ لَغْوًا عَلَى كُلِّ حَالٍ ا هـ .
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ ، وَأَنَا أَقُولُ : الْحَقُّ مَا فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى الرَّجْعِيَّ فَجُمْلَةُ أَنْتِ طَالِقٌ تُفِيدُهُ فَكَأَنَّ قَوْلَهُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى أَحَدِ هَذَيْنِ لَغْوًا بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى الْبَائِنَ فَإِنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ لَا تُفِيدُهُ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا لَغْوًا فَإِنْ قُلْت لَمَّا نَوَى الْبَائِنَ كَانَ قَوْلُهُ رَجْعِيًّا لَغْوًا إذْ كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنًا .
قُلْت هُوَ تَرْكِيبٌ صَحِيحٌ لُغَةً وَشَرْعًا كَمَا فِي إحْدَى امْرَأَتَيَّ طَالِقٌ وَحَيْثُ كَانَ مَقْصُودُهُ الْبَائِنَ وَكَانَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ غَيْرَ مُفِيدٍ لِلْبَائِنِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا وَيَنْوِيَ الْبَائِنَ وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنًا . قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ يَا طَالِقُ يَا زَانِيَةُ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْكُلِّ قَالَ الرَّمْلِيُّ هُنَا غَلَطٌ وَلَعَلَّهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ بِهِ حَدٌّ وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْكُلِّ إلَخْ وَلَمْ أَجِدْ هَذَا فِي نُسَخِ الْبَحْرِ الَّتِي عِنْدِي ، وَلَا فِي نُسَخِ الْبَزَّازِيَّةِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ ا هـ .
قُلْت وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَكَذَا أَنْتِ طَالِقٌ يَا صَبِيَّةُ صَوَابُهُ وَلَوْ قَالَ أَنْتِ إلَخْ وَيُوَضِّحُ الْأَمْرَ ، عِبَارَةُ التَّتَارْخَانِيَّة وَنَصُّهَا وَفِي نَوَادِرِ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا قَالَ لَهَا أَنْت طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ الْقَذْفُ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهَا أَنْت طَالِقٌ يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ يَا خَبِيثَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْكُلِّ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ كَأَنَّهُ قَالَ يَا فُلَانَةُ وَذَكَرَ ثَمَّةَ أَصْلًا فَقَالَ الْمَذْكُورُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ إذَا كَانَ يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ أَوْ يَجِبُ بِهِ حَدٌّ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِهِ يَا زَانِيَةُ وَيَا طَالِقُ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ بِهِ حَدٌّ وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْكُلِّ وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ يَا خَبِيثَةُ انْتَهَتْ .
وَاعْلَمْ أَنَّا كَتَبْنَا أَوَائِلَ فَصْلِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ عَنْ شَرْحِ التَّلْخِيصِ مَا مُلَخَّصُهُ أَنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ إنْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ أَوْ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ كَانَ قَذْفًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُعَدُّ الْمُتَخَلِّلُ فَاصِلًا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ لِلْحَالِ وَيَجِبُ اللِّعَانُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ وَيَجِبُ اللِّعَانُ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ يَا زَانِيَةُ وَإِنْ كَانَ جَزَاءً إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ النَّفْيُ دُونَ التَّحْقِيقِ وَلِأَنَّهُ نِدَاءٌ لِلْإِعْلَامِ فَلَا يُفْصَلُ فَيَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ فَكَذَا الْقَذْفُ بِالْأَوْلَى لِقُرْبِهِ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالتَّتَارْخَانِيَّةِ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، وَعِبَارَةُ مَتْنِ التَّلْخِيصِ قَدَّمَهَا الْمُؤَلِّفُ أَوَّلَ بَابِ التَّعْلِيقِ ( قَوْلُهُ وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ خِلَافًا إلَى قَوْلِهِ انْتَهَى ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هُوَ بِجُمْلَتِهِ مَنْقُولُ الْخَانِيَّةِ عَنْ النَّوَادِرِ فَقَوْلُهُ : وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ مِنْ كَلَامِ النَّوَادِرِ لَا مِنْ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ ا هـ .
41 وَكَتَبَ قَبْلَهُ أَقُولُ : وَحَيْثُمَا وَقَعَ خِلَافٌ وَتَرْجِيحٌ لِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ مَا عَدَاهَا لَيْسَ مَذْهَبًا لِأَصْحَابِنَا ، وَأَيْضًا كَمَا غَلَبَ الْفَسَادُ فِي الرِّجَالِ غَلَبَ فِي النِّسَاءِ فَقَدْ تَكُونُ كَارِهَةً لَهُ فَتَطْلُبُ الْخَلَاصَ مِنْهُ فَتَفْتَرِي عَلَيْهِ فَيُفْتِي الْمُفْتِي بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الَّذِي هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَيُفَوِّضُ بَاطِنَ الْأَمْرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَتَأَمَّلْ وَأَنْصِفْ مِنْ نَفْسِك ( قَوْلُهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ ) قَالَ فِي النَّهْرِ اعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ الْوُقُوعِ فِي مَا شَاءَ اللَّهُ مُسَلَّمٌ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ مَا مَصْدَرِيَّةً ظَرْفِيَّةً لَا مَا إذَا قَدَّرْت مَوْصُولًا اسْمِيًّا أَيْ الَّذِي شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْوَاقِعِ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ، وَلَا شَكَّ فِي أَنْتِ طَالِقٌ الْمَذْكُورِ هُنَا فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت كَذَا فِي الْفَتْحِ ، وَلَكِنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ بِتَقْدِيرِ إرَادَةِ الْمِقْدَارِ الَّذِي شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ لِجَوَازِ أَنْ يُرَادَ الطَّلَاقُ الَّذِي شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَمَشِيئَتُهُ لَا تُعْلَمُ فَلَمْ يَقَعْ إذْ الْعِصْمَةُ ثَابِتَةٌ بِيَقِينٍ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ .
( قَوْلُهُ إلَّا فِي قَوْلِهِ طَالِقٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ ) قَالَ فِي الْفَتْحِ لِأَنَّ فِي بِمَعْنَى الشَّرْطِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا بِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَلَا يَقَعُ إلَّا فِي الْعِلْمِ لِأَنَّهُ يَذْكُرُ لِلْمَعْلُومِ ، وَهُوَ وَاقِعٌ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ تَعَالَى بِحَالٍ فَكَانَ تَعْلِيقًا بِأَمْرٍ مَوْجُودٍ فَيَكُونُ تَنْجِيزًا ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْقُدْرَةُ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا هُنَا التَّقْدِيرُ ، وَقَدْ يُقَدِّرُ شَيْئًا ، وَقَدْ لَا يُقَدِّرُهُ حَتَّى إذَا أَرَادَ حَقِيقَةَ قُدْرَتِهِ تَعَالَى يَقَعُ فِي الْحَالِ كَذَا فِي الْكَافِي ، وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُرَادَ الْعِلْمُ عَلَى مَفْهُومِهِ ، وَإِذَا كَانَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهَا طَالِقٌ فَهُوَ فَرْعُ تَحَقُّقِ طَلَاقِهَا ، وَكَذَا نَقُولُ الْقُدْرَةُ عَلَى مَفْهُومِهَا ، وَلَا يَقَعُ لِأَنَّ مَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ إنَّ فِي قُدْرَتِهِ تَعَالَى وُقُوعُهُ ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ سَبْقَ تَحَقُّقِهِ يُقَالُ لِلْفَاسِدِ الْحَالُ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ صَلَاحُهُ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِهِ فِي الْحَالِ ، وَفِيهِ أَيْضًا أَيْ فِي الْكَافِي ، وَإِنْ أَضَافَ إلَى الْعَبْدِ بِفِي كَانَ تَمْلِيكًا فِي الْأَرْبَعِ الْأُوَلِ ، وَمَا بِمَعْنَاهُ مِنْ الْهَوَى ، وَالرُّؤْيَةِ تَعْلِيقًا فِي السِّتَّةِ الْأَوَاخِرِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّنْجِيزِ بِقَوْلِهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ يَأْتِي فِي قَوْلِهِ فِي إرَادَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ فَيَلْزَمُ الْوُقُوعُ بِخِلَافِ تَوْجِيهِنَا ( قَوْلُهُ وَإِنْ أَتَى بِالْبَاءِ إلَخْ ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَعْنِي مَا إذَا لَمْ يُعَلِّقْ بِأَنَّ عَلَيَّ سِتِّينَ وَجْهًا ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْعَشَرَةِ إمَّا أَنْ يُضَافَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إلَى الْعَبْدِ ، وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى ثَلَاثَةٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْبَاءِ أَوْ اللَّامِ أَوْ بِفِي ا هـ .
وَإِذَا ضُرِبَتْ هَذِهِ السِّتُّونَ فِي الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ الْآتِيَةِ ، وَهِيَ مَا إذَا تَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ أَوْ كَتَبَهَا أَوْ كَتَبَ الْأَوَّلَ فَقَطْ أَوْ بِالْعَكْسِ بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، وَبِضَمِّ إنْ إلَى الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ تَبْلُغُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَرُبَّمَا بَلَغَتْ أَضْعَافَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ 42 تَقْدِيمِ الْمَشِيئَةِ أَوْ تَأْخِيرِهَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ( قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ إبْطَالًا ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هُوَ عِلَّةٌ لِصِحَّةِ الْمَشِيئَةِ مَعَ تَقْدِيمِهَا ، وَعَدَمِ الْإِيتَانِ بِالْفَاءِ ، وَقَوْلُهُ : وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى أَيْ عَلَى صِحَّةِ الْمَشِيئَةِ ، وَعَدَمُ الطَّلَاقِ لَا عَلَى عَكْسِهِ الَّذِي هُوَ الْوُقُوعُ ، وَعَدَمُ صِحَّتِهَا تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ ) كَأَنَّهُ عَزَاهُ إلَى الْخَانِيَّةِ مُجَارَاةً لِصَاحِبِ الْفَتْحِ ، وَإِلَّا فَسَيَذْكُرُ قَرِيبًا أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ تَعْلِيقٌ لَا إبْطَالٌ .
( قَوْلُهُ هَذَا مَا يَقْتَضِيه مَا فِي الْمَتْنِ ) أَيْ مَتْنِ الْمَجْمَعِ قَالَ فِي النَّهْرِ يَأْبَاهُ قَوْلُهُ وَهُمَا تَطْلِيقًا إذْ مُقَابَلَةُ التَّعْلِيقِ بِالتَّطْلِيقِ تَقْتَضِي عَدَمَ الْوُقُوعِ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَالْوُقُوعَ عَلَى الثَّانِي فَنِسْبَةُ صَاحِبِ الْفَتْحِ الْغَلَطَ إلَى شَرْحِ الْمَجْمَعِ بِقَوْلِهِ ، وَهُوَ غَلَطٌ فَاجْتَنِبْهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ وَاقِعٌ فِي الْمَتْنِ أَيْضًا ا هـ . مُلَخَّصًا .
يَعْنِي : أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ عِبَارَةِ الْمَجْمَعِ هُوَ مَا ذَكَرَ شَارِحُهُ مِنْ أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَعْلِيقٌ فَلَا يَقَعُ ، وَعِنْدَهُمَا تَطْلِيقٌ فَيَقَعُ مُنَجَّزًا لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ بِسَبَبِ إسْقَاطِ الْفَاءَ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ صَاحِبَ الْمَجْمَعِ حَيْثُ شَرَحَ مَتْنَهُ بِذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادُهُ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ أَدْرَى ، وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ أَوَّلًا بِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَجْعَلُهُ تَعْلِيقًا لِأَنَّ الْمُبْطِلَ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْإِيجَابِ أَبْطَلَ حُكْمَهُ ثُمَّ قَالَ وَجَعَلَاهُ تَنْجِيزًا لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى رَابِطُ الْجُمْلَتَيْنِ ، وَهُوَ الْفَاءُ هُنَا بَقِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ مُنَجَّزًا إلَخْ ، وَقَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة ، وَإِنْ ذَكَرَ الطَّلَاقَ بِدُونِ حَرْفِ الْفَاءِ بِأَنْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ ، وَبِهِ نَأْخُذُ ، وَفِي الْمُحِيطِ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ فِي الْقَضَاءِ ، وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ أَرَادَ بِهِ الِاسْتِثْنَاءَ ، وَذَكَرَ الْخِلَافَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي الْقُدُورِيِّ ، وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا تَطْلُقُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، وَتَطْلُقُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ . ا هـ .
قُلْت : وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ قَبْلَ هَذَا فِي أَوَائِلِ بَابِ التَّعْلِيقِ عَكْسَ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا هَذِهِ ، وَمِنْهَا لَوْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْت طَالِقٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْجَزَاءِ لَا يَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ إلَّا بِحُرُوفِ الْجَزَاءِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْت طَالِقٌ يَكُونُ تَنْجِيزًا ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ لِأَنَّ عِنْدَهُ الِاسْتِثْنَاءُ إبْطَالٌ ، وَلَيْسَ بِتَعْلِيقٍ فَيَصِحُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ ا هـ .
( قَوْلُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ إلَخْ ) أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ إلَخْ فَلَا مَعْنَى لِلرَّدِّ هُنَا فَكَانَ الْأَصْوَبُ أَنْ يَقُولَ لَمَّا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ 43 ( قَوْلُهُ فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَائِلٌ بِأَنَّهَا يَمِينٌ إلَخْ ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ : أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مُقْتَضَى الْإِبْطَالِ الْمُقَابِلِ لِلتَّعْلِيقِ عَدَمُ الْوُقُوعِ فِيمَا إذَا قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ فَقَوْلُهُ فِي الْفَتْحِ إلَّا أَنَّهُ عَزَى إلَيْهِ الْإِبْطَالَ أَيْ الْمُومِي إلَيْهِ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ لَا خُصُوصُ هَذَا اللَّفْظِ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي الْبَحْرِ فَجَزَمَ بِأَنَّهُ سَهْوٌ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَخْرُجَ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعْلِيقِ إذْ لَا يُعْرَفُ ثُبُوتُهُ مَعَ عَدَمِ الرَّابِطِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الْإِبْطَالِ فَعَلَيْك أَبَدًا بِالتَّدَبُّرِ فِي كَلَامِ هَذَا الْإِمَامِ مَخَافَةَ أَنْ تَزِلَّ بِك الْأَقْدَامُ ، وَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الثَّانِي مِنْ الْحِنْثِ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَحْلِفُ مُخَرَّجٌ عَلَى التَّعْلِيقِ ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ بَعْضَ مَشَايِخِنَا نَسَبَهُ إلَيْهِ ، وَمَا فِيهَا أَيْضًا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ فَالِاسْتِثْنَاءُ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَوَّلِ ، وَيَقَعُ الثَّانِي ، وَقَالَ زُفَرُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ ، وَكَذَا أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْت طَالِقٌ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ فِي الْحَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَعْنِي التَّعْلِيقَ وَالْإِبْطَالَ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ الْأُولَى ، وَتَوَهَّمَ فِي الْبَحْرِ بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ لَهُ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ التَّعْلِيقُ مَعَ عَدَمِ الرَّابِطِ ، وَلَا يَقَعُ فَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ زُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوعِ فِي إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ ، وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْت مَا هُوَ الْوَاقِعُ .
( قَوْلُهُ وَلَكِنْ فِيهِ إشْكَالٌ إلَخْ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ جَوَابُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ إعْدَامُ الْحُكْمِ لَا التَّعْلِيقِ ، وَفِي الْإِعْدَامِ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَرْفِ الْجَزَاءِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّعْلِيقُ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا ، وَقَدْ فَرَّقَ بِذَلِكَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ فِي الْفَصْلِ الثَّلَاثِينَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ قَاضِي خَانْ مِنْ قَوْلِهِ لِكَوْنِهِ إبْطَالًا صَرِيحٌ فِي الْفَرْقِ أَيْضًا . ا هـ .
وَعَلَى هَذَا فَالْإِبْطَالُ مُرَادِفٌ لِلتَّعْبِيرِ بِالتَّعْلِيقِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ إبْطَالُ الْإِيجَابِ السَّابِقِ لِكَوْنِهِ تَعْلِيقًا عَلَى غَيْرِ مَعْلُومِ الثُّبُوتِ ، وَبِهِ يَصِحُّ مَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ مِنْ نِسْبَةِ الْإِبْطَالِ إلَى مَا فِي الْخَانِيَّةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ( قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُفْتَى بِهِ قَوْلُ زُفَرَ إلَخْ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ لَا مِنْ كَلَامِ الْبَزَّازِيِّ ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ فِيمَا اسْتَدَلَّ لِأَنَّهُ فِيمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى جَزَاءٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْتِ طَالِقٌ ، وَلَا كَذَلِكَ هُنَا ، وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ لِلْمُتَأَمِّلِ ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ النَّهْرِ أَتَى بِمِثْلِ مَا ذَكَرْته فَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ 44 ( قَوْلُهُ وَفِي الْمُحِيطِ ، وَلَوْ حَرَّكَ لِسَانَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ إلَخْ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ ، وَإِذَا حَرَّكَ لِسَانَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ صَحَّ إذَا تَكَلَّمَ بِالْحُرُوفِ سَوَاءٌ كَانَ مَسْمُوعًا أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الِاسْتِثْنَاءُ مَا لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا ا هـ . فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَرْجَحِيَّةِ الْأَوَّلِ تَأَمَّلْ ا هـ .
لَكِنْ صَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ مَا ذَكَرَهُ الْهِنْدُوَانِيُّ ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرُوهُ فِي الصَّلَاةِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith