رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
page 747 · printed p. 570 · commentary
( قَوْلُهُ وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا ) لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ " إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَنْزَلَ الرَّحْمَةَ عَلَى الْجَمَاعَةِ يُنَزِّلُهَا أَوَّلًا عَلَى الْإِمَامِ ، ثُمَّ تَتَجَاوَزُ عَنْهُ إلَى مَنْ بِحِذَائِهِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ إلَى الْمَيَامِنِ ، ثُمَّ إلَى الْمَيَاسِرِ ، ثُمَّ إلَى الصَّفِّ الثَّانِي " وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ : [ تَنْبِيهٌ ]
قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ : الْأَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ فِي الصَّفِّ الْآخَرِ إذَا خَافَ إيذَاءَ أَحَدٍ . قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " { ۝ مَنْ تَرَكَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْذِيَ مُسْلِمًا أُضْعِفَ لَهُ أَجْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ } " وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ ، وَفِي كَرَاهَةِ تَرْكِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ مَعَ إمْكَانِهِ خِلَافٌ ا هـ أَيْ لَوْ تَرَكَهُ مَعَ عَدَمِ خَوْفِ الْإِيذَاءِ ، وَهَذَا لَوْ قَبْلَ الشُّرُوعِ ; فَلَوْ شَرَعُوا وَفِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فُرْجَةٌ لَهُ خَرْقُ الصُّفُوفِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا . مَطْلَبٌ فِي جَوَازِ الْإِيثَارِ بِالْقُرْبِ
وَفِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ لِلْحَمَوِيِّ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ عَنْ النِّصَابِ : وَإِنْ سَبَقَ أَحَدٌ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَدَخَلَ رَجُلٌ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا أَوْ أَهْلُ عِلْمٍ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَخَّرَ وَيُقَدِّمَهُ تَعْظِيمًا لَهُ ا هـ فَهَذَا يُفِيدُ جَوَازَ الْإِيثَارِ بِالْقُرْبِ بِلَا كَرَاهَةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ . وَقَالَ فِي الْأَشْبَاهِ : لَمْ أَرَهُ لِأَصْحَابِنَا . وَنَقَلَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ فُرُوعًا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } وَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ " { ۝ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ أَصْغَرُ الْقَوْمِ وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْغُلَامِ : أَتَأْذَنُ لِي فِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ لَا وَاَللَّهِ ، فَأَعْطَاهُ الْغُلَامَ } " إذْ لَا رَيْبَ أَنَّ مُقْتَضَى طَلَبِ الْإِذْنِ مَشْرُوعِيَّةُ ذَلِكَ بِلَا كَرَاهَةٍ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ أَفْضَلَ . ا هـ .
أَقُولُ : وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا عَارَضَ تِلْكَ الْقُرْبَةَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا ; كَاحْتِرَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْأَشْيَاخِ ، كَمَا أَفَادَهُ الْفَرْعُ السَّابِقُ وَالْحَدِيثُ فَإِنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَمِنْ إعْطَاءِ الْإِنَاءِ لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ وَهُوَ مَنْ عَلَى الْيَمِينِ ، فَيَكُونُ الْإِيثَارُ بِالْقُرْبَةِ انْتِقَالًا مِنْ قُرْبَةٍ إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا وَهُوَ الِاحْتِرَامُ الْمَذْكُورُ . أَمَّا لَوْ آثَرَهُ عَلَى مَكَانِهِ فِي الصَّفِّ مَثَلًا مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ يَكُونُ أَعْرَضَ عَنْ الْقُرْبَةِ بِلَا دَاعٍ ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ مَا فِي النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ : وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ ذَكَرُوا أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَلَمَّا أُقِيمَتْ آثَرَ بِهِ وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ . ا هـ . مَطْلَبٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ [ تَنْبِيهٌ آخَرُ ]
قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي آخِرِ بَابِ الْجُمُعَةِ : تَكَلَّمُوا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، قِيلَ هُوَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الْمَقْصُورَةَ ، وَقِيلَ مَا يَلِي الْمَقْصُورَةَ ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ لِأَنَّهُ يُمْنَعُ الْعَامَّةُ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْمَقْصُورَةِ فَلَا تَتَوَصَّلُ الْعَامَّةُ إلَى نَيْلِ فَضِيلَةِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ . ا هـ .
أَقُولُ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقْصُورَةَ فِي زَمَانِهِمْ اسْمٌ لِبَيْتٍ فِي دَاخِلِ الْجِدَارِ الْقِبْلِيِّ مِنْ الْمَسْجِدِ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا الْأُمَرَاءُ الْجُمُعَةَ وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنْ دُخُولِهَا خَوْفًا مِنْ الْعَدُوِّ ، فَعَلَى هَذَا اُخْتُلِفَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، هَلْ هُوَ مَا يَلِي الْإِمَامَ مِنْ دَاخِلِهَا أَمْ مَا يَلِي الْمَقْصُورَةَ مِنْ خَارِجِهَا ؟ فَأَخَذَ الْفَقِيهُ بِالثَّانِي تَوْسِعَةً عَلَى الْعَامَّةِ كَيْ لَا تَفُوتَهُمْ الْفَضِيلَةُ ، وَيُعْلَمُ مِنْهُ بِالْأَوْلَى أَنَّ مِثْلَ مَقْصُورَةِ دِمَشْقَ الَّتِي هِيَ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ خَارِجَ الْحَائِطِ الْقِبْلِيِّ يَكُونُ الصَّفُّ بِبِنَائِهَا ، كَمَا لَا يَنْقَطِعُ بِالْمِنْبَرِ الَّذِي هُوَ دَاخِلُهَا فِيمَا يَظْهَرُ ، وَصَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ وَقَفَ فِي الصَّفِّ الثَّانِي دَاخِلَهَا قَبْلَ اسْتِكْمَالِ 570 الصَّفِّ الْأَوَّلِ مِنْ خَارِجِهَا يَكُونُ مَكْرُوهًا . وَيُؤْخَذُ مِنْ تَعْرِيفِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ بِمَا هُوَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَيْ لَا خَلْفَ مُقْتَدٍ آخَرَ أَنَّ مَنْ قَامَ فِي الصَّفِّ الثَّانِي بِحِذَاءِ بَابِ الْمِنْبَرِ يَكُونُ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ خَلْفَ مُقْتَدٍ آخَرَ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ( قَوْلُهُ فِي غَيْرِ جِنَازَةٍ ) أَمَّا فِيهَا فَآخِرُهَا إظْهَارًا لِلتَّوَاضُعِ لِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ فَهُوَ أَحْرَى بِقَبُولِ شَفَاعَتِهِمْ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا تَعَدُّدُ الصُّفُوفِ ، فَلَوْ فَضَلَ الْأَوَّلُ امْتَنَعُوا عَنْ التَّأَخُّرِ عِنْدَ قِلَّتِهِمْ رَحْمَتِيٌّ ( قَوْلُهُ ثُمَّ وَثُمَّ ) أَيْ ثُمَّ الصَّفُّ الثَّانِي أَفْضَلُ مِنْ الثَّالِثِ ، وَفِي الْجِنَازَةِ مَا يَلِي الْأَخِيرَ أَفْضَلُ مِمَّا تَقَدَّمَهُ رَحْمَتِيٌّ ( قَوْلُهُ كُرِهَ ) لِأَنَّ فِيهِ تَرْكًا لِإِكْمَالِ الصُّفُوفِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى فِيهِ الْمُبَلِّغُ فِي مِثْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِأَجْلِ أَنْ يَصِلَ صَوْتُهُ إلَى أَطْرَافِ الْمَسْجِدِ لَا يُكْرَهُ ( قَوْلُهُ كَقِيَامِهِ فِي صَفٍّ إلَخْ ) هَلْ الْكَرَاهَةُ فِيهِ تَنْزِيهِيَّةٌ أَوْ تَحْرِيمِيَّةٌ ، وَيُرْشِدُ إلَى الثَّانِي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَمَنْ قَطَعَهُ قَطَعَهُ اللَّهُ " ط .
بَقِيَ مَا إذَا رَأَى الْفُرْجَةَ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ هَلْ يَمْشِي إلَيْهَا ؟ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا . وَظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ نَعَمْ ، وَيُفِيدُهُ مَسْأَلَةُ مَنْ جَذَبَ غَيْرَهُ مِنْ الصَّفِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجِيبَهُ لِتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ عَنْ الْجَاذِبِ ، فَمَشْيُهُ لِنَفْيِ الْكَرَاهَةِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ . ثُمَّ رَأَيْت فِي مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ مِنْ الْحِلْيَةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ إنْ كَانَ فِي صَفِّ الثَّانِي فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْأَوَّلِ فَمَشَى إلَيْهَا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْمُرَاصَّةِ . قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " { ۝ تَرَاصُّوا فِي الصُّفُوفِ } " وَلَوْ كَانَ فِي الصَّفِّ الثَّالِثِ تَفْسُدُ ا هـ أَيْ لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ . وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ بِالْأَمْرِ أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ الْمَشْيُ إلَيْهَا تَأَمَّلْ .
[ فَائِدَةٌ ] قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ : إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَشُرُوعُهُ لِتَحْصِيلِ الرَّكْعَةِ فِي الصَّفِّ الْأَخِيرِ أَفْضَلُ مِنْ وَصْلِ الصَّفِّ . ا هـ . أَمَّا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ الصَّفَّ الْأَخِيرَ فَلَا يَقِفُ وَحْدَهُ ، بَلْ يَمْشِي إلَيْهِ إنْ كَانَ فِيهِ فُرْجَةٌ ، وَإِنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ كَمَا فِي آخِرِ شَرْحِ الْمُنْيَةِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ تَرْكَ الْمَكْرُوهِ أَوْلَى مِنْ إدْرَاكِ الْفَضِيلَةِ تَأَمَّلْ ، وَيَشْهَدُ لَهُ " { ۝ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ دَبَّ إلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : زَادَك اللَّهُ حِرْصًا ، وَلَا تَعُدْ } " ( قَوْلُهُ وَهَذَا الْفِعْلُ مُفَوِّتٌ إلَخْ ) هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّ شَرْطَ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَهُمْ أَنْ تُؤَدَّى بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَعِنْدَنَا يَنَالُ التَّضْعِيفَ وَيَلْزَمُهُ مُقْتَضَى الْكَرَاهَةِ أَوْ الْحُرْمَةِ كَمَا لَوْ صَلَّاهَا فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ رَحْمَتِيٌّ وَنَحْوُهُ فِي ط ( قَوْلُهُ لِتَقْصِيرِهِمْ ) يُفِيدُ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا شَرَعُوا . وَفِي الْقُنْيَةِ قَامَ فِي آخِرِ صَفٍّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّفُوفِ مَوَاضِعُ خَالِيَةٌ فَلِلدَّاخِلِ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَصِلَ الصُّفُوفَ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حُرْمَةَ نَفْسِهِ فَلَا يَأْثَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، دَلَّ عَلَيْهِ مَا فِي الْفِرْدَوْسِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { ۝ مَنْ نَظَرَ إلَى فُرْجَةٍ فِي صَفٍّ فَلْيَسُدَّهَا بِنَفْسِهِ ; فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَمَرَّ مَارٌّ فَلْيَتَخَطَّ عَلَى رَقَبَتِهِ فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ } " أَيْ فَلْيَتَخَطَّ الْمَارُّ عَلَى رَقَبَةِ مَنْ لَمْ يَسُدَّ الْفُرْجَةَ . ا هـ . ( قَوْلُهُ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلَاةِ ) الْمَعْنَى إذَا وَضَعَ مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الصَّفِّ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِ الْمُصَلِّي لِأَنَّ لَهُ ط عَنْ الْمُنَاوِيِّ ( قَوْلُهُ كَمَا بُسِطَ فِي الْبَحْرِ ) أَيْ نَقْلًا عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ حَيْثُ قَالَ : وَيَظُنُّ أَنَّ فَسْحَهُ لَهُ رِيَاءٌ بِسَبَبِ أَنْ يَتَحَرَّكَ لِأَجْلِهِ ، بَلْ ذَاكَ إعَانَةٌ عَلَى إدْرَاكِ الْفَضِيلَةِ وَإِقَامَةٌ 571 لِسَدِّ الْفُرُجَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي الصَّفِّ ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا شَهِيرَةٌ كَثِيرَةٌ . ا هـ . ( قَوْلُهُ لَكِنْ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ إلَخْ ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا اسْتَنْبَطَهُ فِي الْبَحْرِ وَالْفَتْحِ مِنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ فِي الْمَسْأَلَةِ . وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمِنَحِ بَعْدَ أَنَّ ذَكَرَ : لَوْ جَذَبَهُ آخَرُ فَتَأَخَّرَ الْأَصَحُّ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ . وَفِي الْقُنْيَةِ : قِيلَ لِمُصَلٍّ مُنْفَرِدٍ تَقَدَّمَ بِأَمْرِهِ أَوْ دَخَلَ رَجُلٌ فُرْجَةَ الصَّفِّ فَتَقَدَّمَ الْمُصَلِّي حَتَّى وَسِعَ الْمَكَانُ عَلَيْهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَمْكُثَ سَاعَةً ثُمَّ يَتَقَدَّمَ بِرَأْيِ نَفْسِهِ ، وَعَلَّلَهُ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ بِأَنَّهُ امْتِثَالٌ لِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى .
أَقُولُ : مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَصْحِيحِ صَلَاةِ مَنْ تَأَخَّرَ رُبَّمَا يُفِيدُ تَصْحِيحَ عَدَمِ الْفَسَادِ فِي مَسْأَلَةِ الْقُنْيَةِ لِأَنَّهُ مَعَ تَأَخُّرِهِ بِجَذْبِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ كَوْنِ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ أَمْ لَا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا تَأَخَّرَ لَا بِأَمْرِهِ فَتَكُونُ مَسْأَلَةً أُخْرَى فَتَأَمَّلْ ا هـ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ حَمْلَ الْأُولَى عَلَى مَا إذَا تَأَخَّرَ بِمُجَرَّدِ الْجَذْبِ بِدُونِ أَمْرٍ ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى مَا إذَا فَسَخَ لَهُ بِأَمْرِهِ ، فَتَفْسُدُ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ اُمْتُثِلَ أَمْرَ الْمَخْلُوقِ وَهُوَ فِعْلٌ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْأُولَى ( قَوْلُهُ فَهَلْ ثَمَّ فَرْقٌ ) قَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ بِدُونِ أَمْرٍ فِيهِمَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ التَّصْحِيحُ وَارِدًا فِيهِمَا وَإِنْ تَأَخَّرَ بِالْأَمْرِ فِي إحْدَاهُمَا فَهُنَاكَ فَرْقٌ وَهُوَ إجَابَتُهُ أَمْرَ الْمَخْلُوقِ فَيَكُونُ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَتَيْنِ مُخْتَلِفًا .
هَذَا ، وَقَدْ ذَكَرَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ مَا مَرَّ عَنْ الْقُنْيَةِ وَشَرْحِ الْقُدُورِيِّ ، ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّ امْتِثَالَهُ إنَّمَا هُوَ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَضُرُّ ا هـ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ تَبْقَى الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ ظَاهِرَةً ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَجْزِمْ بِصِحَّةِ الْفَرْقِ الَّذِي أَبْدَاهُ الْمُصَنِّفُ فَلِذَا قَالَ فَلْيُحَرَّرْ ، وَجَزَمَ فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ وَفِي مُفْسِدَاتِهَا بِمَا فِي الْقُنْيَةِ تَبَعًا لِشَرْحِ الْمُنْيَةِ . وَقَالَ ط : لَوْ قِيلَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ كَوْنِهِ اُمْتُثِلَ أَمْرَ الشَّارِعِ فَلَا تَفْسُدُ وَبَيْنَ كَوْنِهِ امْتَثَلَ أَمْرَ الدَّاخِلِ مُرَاعَاةً لَخَاطَرَهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِأَمْرِ الشَّارِعِ فَتَفْسُدُ لَكَانَ حَسَنًا ( قَوْلُهُ ظَاهِرُهُ يَعُمُّ الْعَبِيدَ ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْبُلُوغَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحُرِّيَّةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { ۝ لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى } " أَيْ الْبَالِغُونَ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ حَيْثُ قَدَّمَ الصِّبْيَانَ الْأَحْرَارَ عَلَى الْعَبِيدِ الْبَالِغِينَ . ا هـ . ح عَنْ الْبَحْرِ ، نَعَمْ يُقَدَّمُ الْبَالِغُ الْحُرُّ عَلَى الْبَالِغِ الْعَبْدِ ، وَالصَّبِيُّ الْحُرُّ عَلَى الصَّبِيِّ الْعَبْدِ ، وَالْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى الْأَمَةِ الْبَالِغَةِ ، وَالصَّبِيَّةُ الْحُرَّةُ عَلَى الصَّبِيَّةِ الْأَمَةِ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ فَلَوْ وَاحِدًا دَخَلَ الصَّفَّ ) ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَحْثًا ، قَالَ : وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُقْتَدِي رَجُلًا وَصَبِيًّا يَصُفُّهُمَا خَلْفَهُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ { ۝ فَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا } " وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّهَا تَتَأَخَّرُ مُطْلَقًا كَالْمُتَعَدِّدَاتِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ( قَوْلُهُ اثْنَا عَشَرَ ) لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ إمَّا ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى ، وَعَلَى كُلٍّ فَإِمَّا بَالِغٌ أَوْ لَا ، وَعَلَى كُلٍّ فَإِمَّا حُرٌّ أَوْ لَا . ا هـ . ح .
فَيُقَدَّمُ الْأَحْرَارُ الْبَالِغُونَ ثُمَّ صِبْيَانُهُمْ ، ثُمَّ الْعَبِيدُ الْبَالِغُونَ ثُمَّ صِبْيَانُهُمْ ، ثُمَّ الْأَحْرَارُ الْخَنَاثِي الْكِبَارُ ثُمَّ صِغَارُهُمْ ، ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ الْخَنَاثِي الْكِبَارُ ثُمَّ صِغَارُهُمْ ، ثُمَّ الْحَرَائِرُ الْكِبَارُ ثُمَّ صِغَارُهُنَّ ، ثُمَّ الْإِمَاءُ الْكِبَارُ ثُمَّ صِغَارُهُنَّ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ ( قَوْلُهُ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ إلَخْ ) جَوَابٌ عَمَّا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْحِلْيَةِ مِنْ جَعْلِ الْخَنَاثَى أَرْبَعَةَ صُفُوفٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ الصُّفُوفِ الْمُمْكِنَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ كُلُّهَا ، لِمَا فِي الْإِمْدَادِ مِنْ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ مُحَاذَاةُ الْخُنْثَى مِثْلُهُ وَلَا تَأَخُّرُهُ عَنْهُ لِاحْتِمَالِ أُنُوثَةِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَحَدِ الْمُتَحَاذِيَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : فَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْخَنَاثَى صَفًّا وَاحِدًا بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ فُرْجَةٌ أَوْ حَائِلٌ لِيَمْنَعَ الْمُحَاذَاةَ ، وَهَذَا مِمَّا مَنَّ اللَّهُ بِالتَّنْبِيهِ لَهُ ا هـ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ جَوَابٌ 572 لَا اعْتِرَاضٌ فَافْهَمْ ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الصُّفُوفَ الصَّحِيحَةَ تِسْعَةٌ لَكِنْ ذَكَرَ ح أَنَّهُ سَيَأْتِي اشْتِرَاطُ التَّكْلِيفِ فِي إفْسَادِ صَلَاةِ مَنْ حَاذَتْهُ امْرَأَةٌ ، وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ ، وَالتَّقَدُّمُ فِي حُكْمِ الْمُحَاذَاةِ بَلْ هُوَ مِنْ أَفْرَادِهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ فَحِينَئِذٍ فَلَا يُشْتَرَطُ جَعْلُ الْخَنَاثَى صَفًّا وَاحِدًا إلَّا إذَا كَانُوا بَالِغِينَ فَيَجْعَلُهُمْ صَفًّا وَاحِدًا الْأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ سَوَاءٌ بِشَرْطِ الْفُرْجَةِ أَوْ الْحَائِلِ . أَمَّا الصِّبْيَانُ مِنْهُمْ فَيَجْعَلُ أَحْرَارَهُمْ صَفًّا آخَرَ ثُمَّ أَرِقَّاءَهُمْ صَفًّا ثَالِثًا تَرْجِيحًا لِلْحُرِّيَّةِ ، لِانْعِدَامِ الْفَسَادِ بِمُحَاذَاةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أَوْ بِالتَّقَدُّمِ ، بِخِلَافِ الْبَالِغِينَ مِنْهُمْ ; وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ الصُّفُوفُ أَحَدَ عَشَرَ ، هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي فَافْهَمْ .
أَقُولُ : وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْقُنْيَةِ بِأَنَّ اقْتِدَاءَ الْخُنْثَى بِمِثْلِهِ فِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَأَنَّ رِوَايَةَ الْجَوَازِ اسْتِحْسَانٌ لَا قِيَاسٌ . ا هـ .
وَيَلْزَمُ مِنْ رِوَايَةِ الْجَوَازِ أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِمُحَاذَاتِهِ لِمِثْلِهِ وَلَا بِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ بَالِغًا أَوْ غَيْرَهُ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا مَرَّ عَنْ الْإِمْدَادِ ، نَعَمْ جَزَمَ الشَّارِحُ فِيمَا سَيَأْتِي تَبَعًا لِلْبَحْرِ بِرِوَايَةِ عَدَمِ الْجَوَازِ فَتَأَمَّلْ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith