رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
( قَوْلُهُ وَإِزْعَاجُ الْأَعْضَاءِ ) قَالَ فِي الْهِنْدِيَّةِ : رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْوَعْظِ مَكْرُوهٌ ، وَمَا يَفْعَلُهُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْوَجْدَ وَالْمَحَبَّةَ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَيُمْنَعُ الصُّوفِيَّةُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ وَتَخْرِيقِ الثِّيَابِ ، كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ . ا هـ . ( قَوْلُهُ وَحَرِّرْ أَنَّهَا قَدْ تُرَدُّ ) أَيْ لَا تُقْبَلُ .
وَالْقَبُولُ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ كَتَرْتِيبِ الثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الطَّاعَةِ شُرُوطَهَا وَأَرْكَانَهَا الْقَبُولُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ ، قَالَ لِأَنَّ الْقَبُولَ لَهُ شَرْطٌ صَعْبٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ } أَيْ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى صِدْقِ الْعَزِيمَةِ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَتَفَضَّلُ الْمَوْلَى تَعَالَى بِالثَّوَابِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بِمَحْضِ فَضْلِهِ لَا بِإِيجَابٍ عَلَيْهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ وَاَللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ، نَعَمْ حَيْثُ وَعَدَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ وَنَحْوِ الْأَلَمِ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا بِمَحْضِ فَضْلِهِ تَعَالَى لَا بُدَّ مِنْ 520 وُجُودِهِ لِوَعْدِهِ الصَّادِقِ . قَالَ تَعَالَى { أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ } وَعَلَى هَذَا فَعَدَمُ الْقَبُولِ لِبَعْضِ الْأَعْمَالِ إنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْقَبُولِ : كَعَدَمِ الْخُشُوعِ فِي نَحْوِ الصَّلَاةِ ، أَوْ عَدَمِ حِفْظِ الْجَوَارِحِ فِي الصَّوْمِ ، أَوْ عَدَمِ طِيبِ الْمَالِ فِي الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ ، أَوْ عَدَمِ الْإِخْلَاصِ مُطْلَقًا ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْعَوَارِضِ . وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تُرَدُّ عَدَمُ إثَابَةِ الْعَبْدِ عَلَيْهَا لِعَارِضٍ كَاسْتِعْمَالِهَا عَلَى مُحَرَّمٍ كَمَا مَرَّ ، أَوْ لِإِتْيَانِهِ بِهَا مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ أَوْ لِرِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ ; كَمَا أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ مِنْهَا لَوْ أَتَى بِهَا نِفَاقًا أَوْ رِيَاءً لَا تُقْبَلُ : وَأَمَّا إذَا خَلَتْ مِنْ هَذِهِ الْعَوَارِضِ وَنَحْوِهَا فَالظَّاهِرُ الْقَبُولُ حَتْمًا إنْجَازًا لِلْوَعْدِ الصَّادِقِ كَغَيْرِهَا مِنْ الطَّاعَاتِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَكِنْ وَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرِينَ مَا يَقْتَضِي الْقَبُولَ مُطْلَقًا ; فَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِمُصَنِّفِهِ أَنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الدُّعَاءِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ لِمَا بَعْدَهَا مِنْ الدُّعَاءِ فَإِنَّ الْكَرِيمَ لَا يَسْتَجِيبُ بَعْضَ الدُّعَاءِ وَيَرُدُّ بَعْضَهُ . ا هـ . وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِهِ لِابْنِ مَلَكٍ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ الْفَاسِيُّ فِي شَرْحِ الدَّلَائِلِ : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ فِي شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ : الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجَابَةٌ عَلَى الْقَطْعِ ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِهَا السُّؤَالُ شُفِعَتْ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ فَقُبِلَ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَذْكُورٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ الصَّالِحِ .
وَاسْتَشْكَلَ كَلَامَهُ هَذَا الشَّيْخُ السَّنُوسِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَجِدُوا لَهُ مُسْتَنِدًا ، وَقَالُوا : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَطْعٌ فَلَا مِرْيَةَ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ وَقُوَّةِ الرَّجَاءِ . ا هـ .
وَذُكِرَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ دَلَائِلِ الْخَيْرَاتِ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ حَاجَتَهُ فَلْيُكْثِرْ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ ، وَلْيَخْتِمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّلَاتَيْنِ ، وَهُوَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَدَعَ مَا بَيْنَهُمَا . ا هـ . مَطْلَبٌ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تُرَدُّ أَمْ لَا
قَالَ الْفَاسِيُّ فِي شَرْحِهِ : وَمِنْ تَمَامِ كَلَامِ أَبِي سُلَيْمَانَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ : وَكُلُّ الْأَعْمَالِ فِيهَا الْمَقْبُولُ وَالْمَرْدُودُ إلَّا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهَا مَقْبُولَةٌ غَيْرُ مَرْدُودَةٍ : وَرَوَى الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : إذَا دَعَوْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَاجْعَلْ فِي دُعَائِك الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مَقْبُولَةٌ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَقْبَلَ بَعْضًا وَيَرُدَّ بَعْضًا ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ وَحُجَّةِ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيِّ : وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ : لَمْ أَجِدْهُ مَرْفُوعًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ : وَمَنْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إلَى شَرْحِ الدَّلَائِلِ . وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَبُولِهَا قَطْعًا أَنَّهَا لَا تُرَدُّ أَصْلًا مَعَ أَنَّ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ قَدْ تُرَدُّ فَلِذَا اسْتَشْكَلَهُ السَّنُوسِيُّ وَغَيْرُهُ . وَاَلَّذِي يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ السَّلَفِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ دُعَاءً وَالدُّعَاءُ مِنْهُ الْمَقْبُولُ وَمِنْهُ الْمَرْدُودُ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُجِيبُ السَّائِلَ بِعَيْنِ مَا دَعَاهُ وَقَدْ يُجِيبُهُ بِغَيْرِهِ لِمُقْتَضَى حِكْمَتِهِ خَرَجَتْ الصَّلَاةُ مِنْ عُمُومِ الدُّعَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ الْمُفِيدِ لِلِاسْتِمْرَارِ التَّجَدُّدِيِّ مَعَ الِافْتِتَاحِ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّوْكِيدِ وَابْتِدَائِهَا بِإِنَّ لِزِيَادَةِ التَّوْكِيدِ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَزَالُ مُصَلِّيًا عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ امْتَنَّ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ أَيْضًا لِيَحْصُلَ لَهُمْ بِذَلِكَ زِيَادَةُ فَضْلٍ وَشَرَفٍ وَإِلَّا فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَغْنٍ بِصَلَاةِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ دُعَاءُ الْمُؤْمِنِ بِطَلَبِ الصَّلَاةِ مِنْ رَبِّهِ 521 تَعَالَى مَقْبُولًا قَطْعًا أَيْ مَجَّانًا لِإِخْبَارِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِأَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ أَنْوَاعِ الدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُثَابُ عَلَيْهَا أَوْ لَا يُثَابُ ، بَلْ مَعْنَاهُ وَأَنَّ الطَّلَبَ وَالدُّعَاءَ مَقْبُولٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ .
وَأَمَّا الثَّوَابُ فَهُوَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْعَوَارِضِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ ، وَأَنَّ لَهُ سَنَدًا قَوِيًّا وَهُوَ إخْبَارُهُ تَعَالَى الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الْعَظِيمَ الَّذِي هُوَ مِنْ فَيْضِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ ، ثُمَّ رَأَيْت الرَّحْمَتِيَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ ( قَوْلُهُ فَقَيَّدَ الْمَأْمُولَ ) أَيْ قَيَّدَ الثَّوَابَ الَّذِي يُؤَمِّلُهُ الْعَبْدُ وَيَرْجُوهُ ، وَهُوَ هُنَا مَحْوُ الذُّنُوبِ بِالْقَبُولِ : أَيْ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى صِدْقِ الْعَزِيمَةِ وَعَدَمِ الْمَوَانِعِ ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَ هَذَا الدُّعَاءِ مُجَابًا قَطْعًا . مَطْلَبٌ فِي الدُّعَاءِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ ( قَوْلُهُ وَحَرُمَ بِغَيْرِهَا ) أَقُولُ : نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الْإِمَامِ الْقَرَافِيِّ الْمَالِكِيِّ مُعَلِّلًا بِاحْتِمَالِهِ عَلَى مَا يُنَافِي التَّعْظِيمَ . ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ اللَّقَانِيَّ الْمَالِكِيَّ نَقَلَ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى مَنْظُومَتِهِ الْمُسَمَّاةِ جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ كَلَامَ الْقَرَافِيِّ ، وَقَيَّدَ الْأَعْجَمِيَّةَ بِالْمَجْهُولَةِ الْمَدْلُولِ أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِهِ بِجَوَازِ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا يُنَافِي جَلَالَ الرُّبُوبِيَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَاحْتَرَزْنَا بِذَلِكَ عَمَّا إذَا عُلِمَ مَدْلُولُهَا ، فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا } { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ } . ا هـ . لَكِنَّ الْمَنْقُولَ عِنْدَنَا الْكَرَاهَةُ ; فَقَدْ قَالَ فِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ : وَكُرِهَ الدُّعَاءُ بِالْعَجَمِيَّةِ ، لِأَنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْ رَطَانَةِ الْأَعَاجِمِ . ا هـ . وَالرَّطَانَةُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ : الْكَلَامُ بِالْأَعْجَمِيَّةِ .
وَرَأَيْت فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ فِي بَحْثِ التَّكْبِيرِ بِالْفَارِسِيَّةِ أَنَّ التَّكْبِيرَ عِبَادَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُحِبُّ غَيْرَ الْعَرَبِيَّةِ ، وَلِهَذَا كَانَ الدُّعَاءُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ ، فَلَا يَقَعُ غَيْرُهَا مِنْ الْأَلْسُنِ فِي الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ لَهَا مَوْقِعَ كَلَامِ الْعَرَبِ . ا هـ . وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ خِلَافُ الْأَوْلَى ، وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِ تَنْزِيهِيَّةٌ . هَذَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْفَصْلِ أَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا بِعَدَمِ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ . وَأَمَّا صِحَّةُ الشُّرُوعِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَكَذَا جَمِيعُ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ فَهِيَ عَلَى الْخِلَافِ ; فَعِنْدَهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهَا مُطْلَقًا خِلَافًا لَهُمَا كَمَا حَقَّقَهُ الشَّارِحُ هُنَاكَ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصِّحَّةَ عِنْدَهُ لَا تَنْفِي الْكَرَاهَةَ ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِهَا فِي الشُّرُوعِ . وَأَمَّا بَقِيَّةُ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ فَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ فِيهَا بِالْكَرَاهَةِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ بِالْفَارِسِيَّةِ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا فِي الصَّلَاةِ وَتَنْزِيهًا خَارِجَهَا ، فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُرَاجَعْ ( قَوْلُهُ لِنَفْسِهِ وَأَبَوَيْهِ وَأُسْتَاذِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا إذَا كَانُوا كُفَّارًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ كَمَا يَأْتِي ، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَعَا لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ وَلِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَمَا فَعَلَ فِي الْمُنْيَةِ لِأَنَّ السُّنَّةَ التَّعْمِيمُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } وَلِلْحَدِيثِ { مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَدْعُ فِيهَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فَهِيَ خِدَاجٌ } ، كَمَا فِي الْبَحْرِ ، وَلِخَبَرِ الْمُسْتَغْفِرِيِّ { مَا مِنْ دُعَاءٍ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ مِنْ قَوْلِ الْعَبْدِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ مَغْفِرَةً عَامَّةً }
وَفِي رِوَايَةٍ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ، فَقَالَ : وَيْحَك لَوْ عَمَّمْت لَاسْتُجِيبَ لَك } وَفِي أُخْرَى { أَنَّهُ ضَرَبَ مَنْكِبَ مَنْ قَالَ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : عَمِّمْ فِي دُعَائِك ، فَإِنَّ بَيْنَ الدُّعَاءِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ : مِنْ سُنَنِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ الدُّعَاءُ بِمَا شَاءَ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ 522 وَأُسْتَاذِهِ وَجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ . ا هـ . قَالَ : وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَأُسْتَاذِي لَا يُفْسِدُ مَعَ أَنَّ الْأُسْتَاذَ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ، فَيُقْضَى عَدَمُ الْفَسَادِ فِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِزَيْدٍ
وَالْقَبُولُ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ كَتَرْتِيبِ الثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الطَّاعَةِ شُرُوطَهَا وَأَرْكَانَهَا الْقَبُولُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ ، قَالَ لِأَنَّ الْقَبُولَ لَهُ شَرْطٌ صَعْبٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ } أَيْ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى صِدْقِ الْعَزِيمَةِ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَتَفَضَّلُ الْمَوْلَى تَعَالَى بِالثَّوَابِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بِمَحْضِ فَضْلِهِ لَا بِإِيجَابٍ عَلَيْهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ وَاَللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ، نَعَمْ حَيْثُ وَعَدَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ وَنَحْوِ الْأَلَمِ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا بِمَحْضِ فَضْلِهِ تَعَالَى لَا بُدَّ مِنْ 520 وُجُودِهِ لِوَعْدِهِ الصَّادِقِ . قَالَ تَعَالَى { أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ } وَعَلَى هَذَا فَعَدَمُ الْقَبُولِ لِبَعْضِ الْأَعْمَالِ إنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْقَبُولِ : كَعَدَمِ الْخُشُوعِ فِي نَحْوِ الصَّلَاةِ ، أَوْ عَدَمِ حِفْظِ الْجَوَارِحِ فِي الصَّوْمِ ، أَوْ عَدَمِ طِيبِ الْمَالِ فِي الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ ، أَوْ عَدَمِ الْإِخْلَاصِ مُطْلَقًا ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْعَوَارِضِ . وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تُرَدُّ عَدَمُ إثَابَةِ الْعَبْدِ عَلَيْهَا لِعَارِضٍ كَاسْتِعْمَالِهَا عَلَى مُحَرَّمٍ كَمَا مَرَّ ، أَوْ لِإِتْيَانِهِ بِهَا مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ أَوْ لِرِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ ; كَمَا أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ مِنْهَا لَوْ أَتَى بِهَا نِفَاقًا أَوْ رِيَاءً لَا تُقْبَلُ : وَأَمَّا إذَا خَلَتْ مِنْ هَذِهِ الْعَوَارِضِ وَنَحْوِهَا فَالظَّاهِرُ الْقَبُولُ حَتْمًا إنْجَازًا لِلْوَعْدِ الصَّادِقِ كَغَيْرِهَا مِنْ الطَّاعَاتِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَكِنْ وَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرِينَ مَا يَقْتَضِي الْقَبُولَ مُطْلَقًا ; فَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِمُصَنِّفِهِ أَنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الدُّعَاءِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ لِمَا بَعْدَهَا مِنْ الدُّعَاءِ فَإِنَّ الْكَرِيمَ لَا يَسْتَجِيبُ بَعْضَ الدُّعَاءِ وَيَرُدُّ بَعْضَهُ . ا هـ . وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِهِ لِابْنِ مَلَكٍ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ الْفَاسِيُّ فِي شَرْحِ الدَّلَائِلِ : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ فِي شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ : الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجَابَةٌ عَلَى الْقَطْعِ ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِهَا السُّؤَالُ شُفِعَتْ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ فَقُبِلَ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَذْكُورٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ الصَّالِحِ .
وَاسْتَشْكَلَ كَلَامَهُ هَذَا الشَّيْخُ السَّنُوسِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَجِدُوا لَهُ مُسْتَنِدًا ، وَقَالُوا : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَطْعٌ فَلَا مِرْيَةَ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ وَقُوَّةِ الرَّجَاءِ . ا هـ .
وَذُكِرَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ دَلَائِلِ الْخَيْرَاتِ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ حَاجَتَهُ فَلْيُكْثِرْ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ ، وَلْيَخْتِمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّلَاتَيْنِ ، وَهُوَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَدَعَ مَا بَيْنَهُمَا . ا هـ . مَطْلَبٌ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تُرَدُّ أَمْ لَا
قَالَ الْفَاسِيُّ فِي شَرْحِهِ : وَمِنْ تَمَامِ كَلَامِ أَبِي سُلَيْمَانَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ : وَكُلُّ الْأَعْمَالِ فِيهَا الْمَقْبُولُ وَالْمَرْدُودُ إلَّا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهَا مَقْبُولَةٌ غَيْرُ مَرْدُودَةٍ : وَرَوَى الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : إذَا دَعَوْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَاجْعَلْ فِي دُعَائِك الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مَقْبُولَةٌ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَقْبَلَ بَعْضًا وَيَرُدَّ بَعْضًا ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ وَحُجَّةِ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيِّ : وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ : لَمْ أَجِدْهُ مَرْفُوعًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ : وَمَنْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إلَى شَرْحِ الدَّلَائِلِ . وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَبُولِهَا قَطْعًا أَنَّهَا لَا تُرَدُّ أَصْلًا مَعَ أَنَّ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ قَدْ تُرَدُّ فَلِذَا اسْتَشْكَلَهُ السَّنُوسِيُّ وَغَيْرُهُ . وَاَلَّذِي يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ السَّلَفِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ دُعَاءً وَالدُّعَاءُ مِنْهُ الْمَقْبُولُ وَمِنْهُ الْمَرْدُودُ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُجِيبُ السَّائِلَ بِعَيْنِ مَا دَعَاهُ وَقَدْ يُجِيبُهُ بِغَيْرِهِ لِمُقْتَضَى حِكْمَتِهِ خَرَجَتْ الصَّلَاةُ مِنْ عُمُومِ الدُّعَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ الْمُفِيدِ لِلِاسْتِمْرَارِ التَّجَدُّدِيِّ مَعَ الِافْتِتَاحِ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّوْكِيدِ وَابْتِدَائِهَا بِإِنَّ لِزِيَادَةِ التَّوْكِيدِ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَزَالُ مُصَلِّيًا عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ امْتَنَّ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ أَيْضًا لِيَحْصُلَ لَهُمْ بِذَلِكَ زِيَادَةُ فَضْلٍ وَشَرَفٍ وَإِلَّا فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَغْنٍ بِصَلَاةِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ دُعَاءُ الْمُؤْمِنِ بِطَلَبِ الصَّلَاةِ مِنْ رَبِّهِ 521 تَعَالَى مَقْبُولًا قَطْعًا أَيْ مَجَّانًا لِإِخْبَارِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِأَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ أَنْوَاعِ الدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُثَابُ عَلَيْهَا أَوْ لَا يُثَابُ ، بَلْ مَعْنَاهُ وَأَنَّ الطَّلَبَ وَالدُّعَاءَ مَقْبُولٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ .
وَأَمَّا الثَّوَابُ فَهُوَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْعَوَارِضِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ ، وَأَنَّ لَهُ سَنَدًا قَوِيًّا وَهُوَ إخْبَارُهُ تَعَالَى الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الْعَظِيمَ الَّذِي هُوَ مِنْ فَيْضِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ ، ثُمَّ رَأَيْت الرَّحْمَتِيَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ ( قَوْلُهُ فَقَيَّدَ الْمَأْمُولَ ) أَيْ قَيَّدَ الثَّوَابَ الَّذِي يُؤَمِّلُهُ الْعَبْدُ وَيَرْجُوهُ ، وَهُوَ هُنَا مَحْوُ الذُّنُوبِ بِالْقَبُولِ : أَيْ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى صِدْقِ الْعَزِيمَةِ وَعَدَمِ الْمَوَانِعِ ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَ هَذَا الدُّعَاءِ مُجَابًا قَطْعًا . مَطْلَبٌ فِي الدُّعَاءِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ ( قَوْلُهُ وَحَرُمَ بِغَيْرِهَا ) أَقُولُ : نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الْإِمَامِ الْقَرَافِيِّ الْمَالِكِيِّ مُعَلِّلًا بِاحْتِمَالِهِ عَلَى مَا يُنَافِي التَّعْظِيمَ . ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ اللَّقَانِيَّ الْمَالِكِيَّ نَقَلَ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى مَنْظُومَتِهِ الْمُسَمَّاةِ جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ كَلَامَ الْقَرَافِيِّ ، وَقَيَّدَ الْأَعْجَمِيَّةَ بِالْمَجْهُولَةِ الْمَدْلُولِ أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِهِ بِجَوَازِ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا يُنَافِي جَلَالَ الرُّبُوبِيَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَاحْتَرَزْنَا بِذَلِكَ عَمَّا إذَا عُلِمَ مَدْلُولُهَا ، فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا } { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ } . ا هـ . لَكِنَّ الْمَنْقُولَ عِنْدَنَا الْكَرَاهَةُ ; فَقَدْ قَالَ فِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ : وَكُرِهَ الدُّعَاءُ بِالْعَجَمِيَّةِ ، لِأَنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْ رَطَانَةِ الْأَعَاجِمِ . ا هـ . وَالرَّطَانَةُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ : الْكَلَامُ بِالْأَعْجَمِيَّةِ .
وَرَأَيْت فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ فِي بَحْثِ التَّكْبِيرِ بِالْفَارِسِيَّةِ أَنَّ التَّكْبِيرَ عِبَادَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُحِبُّ غَيْرَ الْعَرَبِيَّةِ ، وَلِهَذَا كَانَ الدُّعَاءُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ ، فَلَا يَقَعُ غَيْرُهَا مِنْ الْأَلْسُنِ فِي الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ لَهَا مَوْقِعَ كَلَامِ الْعَرَبِ . ا هـ . وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ خِلَافُ الْأَوْلَى ، وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِ تَنْزِيهِيَّةٌ . هَذَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْفَصْلِ أَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا بِعَدَمِ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ . وَأَمَّا صِحَّةُ الشُّرُوعِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَكَذَا جَمِيعُ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ فَهِيَ عَلَى الْخِلَافِ ; فَعِنْدَهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهَا مُطْلَقًا خِلَافًا لَهُمَا كَمَا حَقَّقَهُ الشَّارِحُ هُنَاكَ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصِّحَّةَ عِنْدَهُ لَا تَنْفِي الْكَرَاهَةَ ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِهَا فِي الشُّرُوعِ . وَأَمَّا بَقِيَّةُ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ فَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ فِيهَا بِالْكَرَاهَةِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ بِالْفَارِسِيَّةِ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا فِي الصَّلَاةِ وَتَنْزِيهًا خَارِجَهَا ، فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُرَاجَعْ ( قَوْلُهُ لِنَفْسِهِ وَأَبَوَيْهِ وَأُسْتَاذِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا إذَا كَانُوا كُفَّارًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ كَمَا يَأْتِي ، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَعَا لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ وَلِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَمَا فَعَلَ فِي الْمُنْيَةِ لِأَنَّ السُّنَّةَ التَّعْمِيمُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } وَلِلْحَدِيثِ { مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَدْعُ فِيهَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فَهِيَ خِدَاجٌ } ، كَمَا فِي الْبَحْرِ ، وَلِخَبَرِ الْمُسْتَغْفِرِيِّ { مَا مِنْ دُعَاءٍ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ مِنْ قَوْلِ الْعَبْدِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ مَغْفِرَةً عَامَّةً }
وَفِي رِوَايَةٍ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ، فَقَالَ : وَيْحَك لَوْ عَمَّمْت لَاسْتُجِيبَ لَك } وَفِي أُخْرَى { أَنَّهُ ضَرَبَ مَنْكِبَ مَنْ قَالَ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : عَمِّمْ فِي دُعَائِك ، فَإِنَّ بَيْنَ الدُّعَاءِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ : مِنْ سُنَنِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ الدُّعَاءُ بِمَا شَاءَ مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ 522 وَأُسْتَاذِهِ وَجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ . ا هـ . قَالَ : وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَأُسْتَاذِي لَا يُفْسِدُ مَعَ أَنَّ الْأُسْتَاذَ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ، فَيُقْضَى عَدَمُ الْفَسَادِ فِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِزَيْدٍ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث