رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الخامس
مَطْلَبٌ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِغَيْرِ مَذْهَبِهِ
. ( قَوْلُهُ : قَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ ) أَيْ فِي أَمْرٍ يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِدَلِيلٍ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ ، وَقَوْلُهُ : بِخِلَافِ رَأْيِهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَضَى ، وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقَضَاءِ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ أَيْ لِمَذْهَبِهِ مُجْتَهِدًا كَانَ أَوْ مُقَلِّدًا ، فَلَوْ قَضَى بِخِلَافِهِ لَا يَنْفُذُ ، لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ ، وَيُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ اجْتَهَدَ فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى مَذْهَبِ الْغَيْرِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ رِسَالَةِ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ مُسْتَدِلًّا بِمَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فَرَاجِعْهُ ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ تَعَجُّبُ صَاحِبِ الْبَحْرِ مِنْ صَاحِبِ الْبَدَائِعِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْقَاضِي عَالِمًا بِالْخِلَافِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ سَابِقًا . مَطْلَبُ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِمَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ أَوْ مُحَمَّدٍ حُكْمٌ بِمَذْهَبِهِ
. ( قَوْلُهُ : أَيْ مَذْهَبِهِ ) أَيْ أَصْلِ الْمَذْهَبِ كَالْحَنَفِيِّ إذَا حَكَمَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَأَمَّا إذَا حَكَمَ الْحَنَفِيُّ بِمَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ أَوْ مُحَمَّدٍ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ فَلَيْسَ حُكْمًا بِخِلَافِ رَأْيِهِ ، دُرَرٌ أَيْ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْإِمَامِ مَا قَالُوا بِقَوْلٍ إلَّا قَدْ قَالَ بِهِ الْإِمَامُ كَمَا أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي شَرْحِ مَنْظُومِي فِي رَسْمِ الْمُفْتِي عِنْدَ قَوْلِي فِيهَا : 408 ﴿﴾ وَاعْلَمْ بِأَنَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﴿﴾ ﴿﴾ جَاءَتْ رِوَايَاتٌ غَدَتْ مُنِيفَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ اخْتَارَ مِنْهَا بَعْضَهَا وَالْبَاقِي ﴿﴾ ﴿﴾ يَخْتَارُ مِنْهُ سَائِرُ الرِّفَاقِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ جَوَابُ ﴿﴾ ﴿﴾ كَمَا عَلَيْهِ أَقْسَمَ الْأَصْحَابُ ﴿﴾
. ( قَوْلُهُ : وَابْنُ كَمَالٍ ) قَالَ فِي شَرْحِهِ لَمْ يَقُلْ بِخِلَافِ رَأْيِهِ لِإِيهَامِهِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي الْمُجْتَهِدِ خَاصَّةً ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ .
( قَوْلُهُ : لَا يَنْفُذُ مُطْلَقًا إلَخْ ) قَالَ فِي الْفَتْحِ : لَوْ قَضَى فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ نَاسِيًا لِمَذْهَبِهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَنْفَدُ فِي الْوَجْهَيْنِ أَيْ وَجْهَيْ النِّسْيَانِ وَالْعَمْدِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهَا ، وَذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ ، فَقَدْ اخْتَلَفَ فِي الْفَتْوَى وَالْوَجْهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنْ يُفْتَى بِقَوْلِهِمَا ; لِأَنَّ التَّارِكَ لِمَذْهَبِهِ عَمْدًا لَا يَفْعَلُهُ ، إلَّا لِهَوًى بَاطِلٍ لَا لِقَصْدٍ جَمِيلٍ ، وَأَمَّا النَّاسِي فَلِأَنَّ الْمُقَلِّدَ مَا قَلَّدَهُ إلَّا لِيَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ لَا بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ ، فَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَإِنَّمَا وَلَّاهُ لِيَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَمْلِكُ الْمُخَالَفَةَ فَيَكُونُ مَعْزُولًا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ ا هـ . قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْبُرْهَانِ : وَهَذَا صَرِيحُ الْحَقِّ الَّذِي يُعَضُّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ ا هـ . وَقَالَ فِي النَّهْرِ : وَادَّعَى فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمُقَلِّدَ إذَا قَضَى بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ أَوْ بِرِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ أَوْ بِقَوْلٍ ضَعِيفٍ نَفَذَ . وَأَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا وَقَضَى بِالْفَتْوَى عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ نَفَذَ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ وَلَهُ نَقْضُهُ ، كَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَقَالَ الثَّانِي لَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ ا هـ . وَمَا فِي الْفَتْحِ يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ ، وَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْهُمَا إذْ قُصَارَى الْأَمْرِ أَنَّ هَذَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ النَّاسِي لِمَذْهَبِهِ ، وَقَدْ مَرَّ عَنْهُمَا فِي الْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ فَالْمُقَلِّدُ أَوْلَى ا هـ مَا فِي النَّهْرِ ، وَيَأْتِي قَرِيبًا مَا يُؤَيِّدُهُ .
( قَوْلُهُ : مَنْ لَيْسَ مُجْتَهِدًا ) وَكَذَا الْمُجْتَهِدُ كَمَا مَرَّ فِي كَلَامِ الْفَتْحِ .
( قَوْلُهُ : لَا يَنْفُذُ اتِّفَاقًا ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ فِي الْعَامِدِ أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّفَاذِ فَلَا تَصِحُّ حِكَايَةُ الِاتِّفَاقِ .
( قَوْلُهُ : لِكَوْنِهِ مَعْزُولًا عَنْهُ ) أَيْ عَنْ غَيْرِ مَا قُيِّدَ بِهِ ، قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ : مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا لَمْ يُقَيِّدْ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ الْقَضَاءَ بِصَحِيحِ مَذْهَبِهِ ، وَإِلَّا فَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ صِحَّةِ حُكْمِهِ بِخِلَافٍ لِكَوْنِهِ مَعْزُولًا عَنْهُ ا هـ ح .
مَطْلَبُ الْحُكْمِ وَالْفَتْوَى بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ
قُلْت : وَتَقْيِيدُ السُّلْطَانِ لَهُ بِذَلِكَ غَيْرُ قَيْدٍ لِمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي تَصْحِيحِهِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ وَالْفَتْوَى بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ا هـ . وَقَالَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي فَتَاوَاهُ : وَلَيْسَ لِلْقَاضِي الْمُقَلِّدِ أَنْ يَحْكُمَ بِالضَّعِيفِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْ الصَّحِيحِ إلَّا لِقَصْدٍ غَيْرِ جَمِيلٍ وَلَوْ حَكَمَ لَا يَنْفُذُ ; لِأَنَّ قَضَاءَهُ قَضَاءً بِغَيْرِ الْحَقِّ ; لِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ الصَّحِيحُ وَمَا وَقَعَ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ الضَّعِيفَ يَتَقَوَّى بِالْقَضَاءِ الْمُرَادُ بِهِ قَضَاءُ الْمُجْتَهِدِ كَمَا بُيِّنَ فِي مَوْضِعِهِ ا هـ . وَقَالَ ابْنُ الْغَرْسِ وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ الْمَحْضُ فَلَا يَقْضِي إلَّا بِمَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالْفَتْوَى ا هـ . وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ : أَمَّا الْقَاضِي الْمُقَلِّدُ فَلَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ إلَّا بِالصَّحِيحِ الْمُفْتَى بِهِ فِي مَذْهَبِهِ وَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ ا هـ . وَمِثْلُهُ مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ أَوَّلَ كِتَابِ الْقَضَاءِ وَقَالَ : وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى كَمَا بَسَطَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَتَاوِيهِ وَغَيْرِهِ وَكَذَا مَا نَقَلَهُ بَعْدَ أَسْطُرٍ عَنْ الْمُلْتَقَطِ .
( قَوْلُهُ : وَقَدْ غَيَّرْت بَيْتَ الْوَهْبَانِيَّةِ ) وَهُوَ : 409 ﴿﴾ وَلَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِحُكْمٍ مُخَالِفٍ ﴿﴾ ﴿﴾ مُقَلِّدَهُ مَا صَحَّ إنْ كَانَ يُذْكَرُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَبَعْضُهُمْ إنْ كَانَ سَهْوًا أَجَازَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ عَنْ الصَّدْرِ لَا عَنْ صَاحِبَيْهِ يَصْدُرُ ﴿﴾
وَقَدْ أَفَادَ كَلَامُ الْوَهْبَانِيَّةِ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا قَضَى بِهِ سَاهِيًا : أَيْ نَاسِيًا مَذْهَبَهُ وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيمَا إذَا كَانَ ذَاكِرًا وَهَذَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ كَمَا عَلِمْت ، وَلَمَّا كَانَ الْمُعْتَمَدُ الْمُفْتَى بِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَتْنِ مِنْ عَدَمِ النَّفَاذِ أَصْلًا أَيْ ذَاكِرًا أَوْ نَاسِيًا غَيَّرَ الشَّارِحُ عِبَارَةَ النَّظْمِ جَازَ مَا بِمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَافْهَمْ . لَكِنَّ الْأَوْلَى كَمَا قَالَ السَّائِحَانِيُّ تَغْيِيرُ الشَّطْرِ الثَّانِي هَكَذَا لِمُعْتَمَدٍ فِي رَأْيِهِ فَهُوَ مُهْدَرُ مَطْلَبٌ فِي أَمْرِ الْأَمِيرِ وَقَضَائِهِ
. ( قَوْلُهُ : قُلْت وَأَمَّا الْأَمِيرُ إلَخْ ) الَّذِي رَأَيْته فِي سِيَرِ التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ مُحَمَّدٌ : وَإِذَا أَمَرَ الْأَمِيرُ الْعَسْكَرَ بِشَيْءٍ كَانَ عَلَى الْعَسْكَرِ أَنْ يُطِيعُوهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ مَعْصِيَةً ا هـ ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ : نَفَذَ أَمْرُهُ بِمَعْنَى وَجَبَ امْتِثَالُهُ تَأَمَّلْ . وَقَدَّمْنَا أَنَّ السُّلْطَانَ لَوْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَالصَّحِيحُ نَفَاذُهُ وَفِي الْبَحْرِ إذَا كَانَ الْقَضَاءُ مِنْ الْأَصْلِ وَمَاتَ الْقَاضِي لَيْسَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُنَصِّبَ قَاضِيًا وَإِنْ وَلِيَ عُشْرَهَا وَخَرَاجَهَا ، وَإِنْ حَكَمَ الْأَمِيرُ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ إلَخْ ، وَفِي الْأَشْبَاهِ قَضَاءُ الْأَمِيرِ جَائِزٌ مَعَ وُجُودِ قَاضِي الْبَلَدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوَلًّى مِنْ الْخَلِيفَةِ كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ ا هـ .
وَالْحَاصِلُ : أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا نَصَّبَ فِي الْبَلْدَةِ أَمِيرًا وَفَوَّضَ إلَيْهِ أَمْرَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا صَحَّ قَضَاؤُهُ وَأَمَّا إذَا نَصَّبَ مَعَهُ قَاضِيًا فَلَا ; لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لِلْقَاضِي لَا لِلْأَمِيرِ ، وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي زَمَانِنَا ; وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ أَوَّلَ كِتَابِ الْقَضَاءِ سُئِلْت عَنْ تَوْلِيَةِ الْبَاشَا بِالْقَاهِرَةِ قَاضِيًا لِيَحْكُمَ فِي حَادِثَةٍ خَاصَّةٍ مَعَ وُجُودِ قَاضِيهَا الْمُوَلَّى مِنْ السُّلْطَانِ ، فَأَجَبْت بِعَدَمِ الصِّحَّةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِ تَقْلِيدُ الْقَضَاءِ ; وَلِذَا لَوْ حَكَمَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ ا هـ .
( قَوْلُهُ : كَمَا قَدَّمْنَاهُ ) أَيْ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي بَحْثِ رَسْمِ الْمُفْتِي
. ( قَوْلُهُ : قَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ ) أَيْ فِي أَمْرٍ يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِدَلِيلٍ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ ، وَقَوْلُهُ : بِخِلَافِ رَأْيِهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَضَى ، وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقَضَاءِ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ أَيْ لِمَذْهَبِهِ مُجْتَهِدًا كَانَ أَوْ مُقَلِّدًا ، فَلَوْ قَضَى بِخِلَافِهِ لَا يَنْفُذُ ، لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ ، وَيُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ اجْتَهَدَ فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى مَذْهَبِ الْغَيْرِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ رِسَالَةِ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ مُسْتَدِلًّا بِمَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فَرَاجِعْهُ ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ تَعَجُّبُ صَاحِبِ الْبَحْرِ مِنْ صَاحِبِ الْبَدَائِعِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْقَاضِي عَالِمًا بِالْخِلَافِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ سَابِقًا . مَطْلَبُ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِمَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ أَوْ مُحَمَّدٍ حُكْمٌ بِمَذْهَبِهِ
. ( قَوْلُهُ : أَيْ مَذْهَبِهِ ) أَيْ أَصْلِ الْمَذْهَبِ كَالْحَنَفِيِّ إذَا حَكَمَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَأَمَّا إذَا حَكَمَ الْحَنَفِيُّ بِمَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ أَوْ مُحَمَّدٍ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ فَلَيْسَ حُكْمًا بِخِلَافِ رَأْيِهِ ، دُرَرٌ أَيْ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْإِمَامِ مَا قَالُوا بِقَوْلٍ إلَّا قَدْ قَالَ بِهِ الْإِمَامُ كَمَا أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي شَرْحِ مَنْظُومِي فِي رَسْمِ الْمُفْتِي عِنْدَ قَوْلِي فِيهَا : 408 ﴿﴾ وَاعْلَمْ بِأَنَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﴿﴾ ﴿﴾ جَاءَتْ رِوَايَاتٌ غَدَتْ مُنِيفَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ اخْتَارَ مِنْهَا بَعْضَهَا وَالْبَاقِي ﴿﴾ ﴿﴾ يَخْتَارُ مِنْهُ سَائِرُ الرِّفَاقِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ جَوَابُ ﴿﴾ ﴿﴾ كَمَا عَلَيْهِ أَقْسَمَ الْأَصْحَابُ ﴿﴾
. ( قَوْلُهُ : وَابْنُ كَمَالٍ ) قَالَ فِي شَرْحِهِ لَمْ يَقُلْ بِخِلَافِ رَأْيِهِ لِإِيهَامِهِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي الْمُجْتَهِدِ خَاصَّةً ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ .
( قَوْلُهُ : لَا يَنْفُذُ مُطْلَقًا إلَخْ ) قَالَ فِي الْفَتْحِ : لَوْ قَضَى فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ نَاسِيًا لِمَذْهَبِهِ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ نَفَذَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَنْفَدُ فِي الْوَجْهَيْنِ أَيْ وَجْهَيْ النِّسْيَانِ وَالْعَمْدِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهَا ، وَذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ ، فَقَدْ اخْتَلَفَ فِي الْفَتْوَى وَالْوَجْهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنْ يُفْتَى بِقَوْلِهِمَا ; لِأَنَّ التَّارِكَ لِمَذْهَبِهِ عَمْدًا لَا يَفْعَلُهُ ، إلَّا لِهَوًى بَاطِلٍ لَا لِقَصْدٍ جَمِيلٍ ، وَأَمَّا النَّاسِي فَلِأَنَّ الْمُقَلِّدَ مَا قَلَّدَهُ إلَّا لِيَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ لَا بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ ، فَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَإِنَّمَا وَلَّاهُ لِيَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَمْلِكُ الْمُخَالَفَةَ فَيَكُونُ مَعْزُولًا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ ا هـ . قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْبُرْهَانِ : وَهَذَا صَرِيحُ الْحَقِّ الَّذِي يُعَضُّ عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ ا هـ . وَقَالَ فِي النَّهْرِ : وَادَّعَى فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمُقَلِّدَ إذَا قَضَى بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ أَوْ بِرِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ أَوْ بِقَوْلٍ ضَعِيفٍ نَفَذَ . وَأَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا وَقَضَى بِالْفَتْوَى عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ نَفَذَ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ وَلَهُ نَقْضُهُ ، كَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَقَالَ الثَّانِي لَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ ا هـ . وَمَا فِي الْفَتْحِ يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ ، وَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْهُمَا إذْ قُصَارَى الْأَمْرِ أَنَّ هَذَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ النَّاسِي لِمَذْهَبِهِ ، وَقَدْ مَرَّ عَنْهُمَا فِي الْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ فَالْمُقَلِّدُ أَوْلَى ا هـ مَا فِي النَّهْرِ ، وَيَأْتِي قَرِيبًا مَا يُؤَيِّدُهُ .
( قَوْلُهُ : مَنْ لَيْسَ مُجْتَهِدًا ) وَكَذَا الْمُجْتَهِدُ كَمَا مَرَّ فِي كَلَامِ الْفَتْحِ .
( قَوْلُهُ : لَا يَنْفُذُ اتِّفَاقًا ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ فِي الْعَامِدِ أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّفَاذِ فَلَا تَصِحُّ حِكَايَةُ الِاتِّفَاقِ .
( قَوْلُهُ : لِكَوْنِهِ مَعْزُولًا عَنْهُ ) أَيْ عَنْ غَيْرِ مَا قُيِّدَ بِهِ ، قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ : مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا لَمْ يُقَيِّدْ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ الْقَضَاءَ بِصَحِيحِ مَذْهَبِهِ ، وَإِلَّا فَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ صِحَّةِ حُكْمِهِ بِخِلَافٍ لِكَوْنِهِ مَعْزُولًا عَنْهُ ا هـ ح .
مَطْلَبُ الْحُكْمِ وَالْفَتْوَى بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ
قُلْت : وَتَقْيِيدُ السُّلْطَانِ لَهُ بِذَلِكَ غَيْرُ قَيْدٍ لِمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي تَصْحِيحِهِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ وَالْفَتْوَى بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ا هـ . وَقَالَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي فَتَاوَاهُ : وَلَيْسَ لِلْقَاضِي الْمُقَلِّدِ أَنْ يَحْكُمَ بِالضَّعِيفِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْ الصَّحِيحِ إلَّا لِقَصْدٍ غَيْرِ جَمِيلٍ وَلَوْ حَكَمَ لَا يَنْفُذُ ; لِأَنَّ قَضَاءَهُ قَضَاءً بِغَيْرِ الْحَقِّ ; لِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ الصَّحِيحُ وَمَا وَقَعَ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ الضَّعِيفَ يَتَقَوَّى بِالْقَضَاءِ الْمُرَادُ بِهِ قَضَاءُ الْمُجْتَهِدِ كَمَا بُيِّنَ فِي مَوْضِعِهِ ا هـ . وَقَالَ ابْنُ الْغَرْسِ وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ الْمَحْضُ فَلَا يَقْضِي إلَّا بِمَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالْفَتْوَى ا هـ . وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ : أَمَّا الْقَاضِي الْمُقَلِّدُ فَلَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ إلَّا بِالصَّحِيحِ الْمُفْتَى بِهِ فِي مَذْهَبِهِ وَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ ا هـ . وَمِثْلُهُ مَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ أَوَّلَ كِتَابِ الْقَضَاءِ وَقَالَ : وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى كَمَا بَسَطَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَتَاوِيهِ وَغَيْرِهِ وَكَذَا مَا نَقَلَهُ بَعْدَ أَسْطُرٍ عَنْ الْمُلْتَقَطِ .
( قَوْلُهُ : وَقَدْ غَيَّرْت بَيْتَ الْوَهْبَانِيَّةِ ) وَهُوَ : 409 ﴿﴾ وَلَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِحُكْمٍ مُخَالِفٍ ﴿﴾ ﴿﴾ مُقَلِّدَهُ مَا صَحَّ إنْ كَانَ يُذْكَرُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَبَعْضُهُمْ إنْ كَانَ سَهْوًا أَجَازَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ عَنْ الصَّدْرِ لَا عَنْ صَاحِبَيْهِ يَصْدُرُ ﴿﴾
وَقَدْ أَفَادَ كَلَامُ الْوَهْبَانِيَّةِ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا قَضَى بِهِ سَاهِيًا : أَيْ نَاسِيًا مَذْهَبَهُ وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيمَا إذَا كَانَ ذَاكِرًا وَهَذَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ كَمَا عَلِمْت ، وَلَمَّا كَانَ الْمُعْتَمَدُ الْمُفْتَى بِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَتْنِ مِنْ عَدَمِ النَّفَاذِ أَصْلًا أَيْ ذَاكِرًا أَوْ نَاسِيًا غَيَّرَ الشَّارِحُ عِبَارَةَ النَّظْمِ جَازَ مَا بِمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَافْهَمْ . لَكِنَّ الْأَوْلَى كَمَا قَالَ السَّائِحَانِيُّ تَغْيِيرُ الشَّطْرِ الثَّانِي هَكَذَا لِمُعْتَمَدٍ فِي رَأْيِهِ فَهُوَ مُهْدَرُ مَطْلَبٌ فِي أَمْرِ الْأَمِيرِ وَقَضَائِهِ
. ( قَوْلُهُ : قُلْت وَأَمَّا الْأَمِيرُ إلَخْ ) الَّذِي رَأَيْته فِي سِيَرِ التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ مُحَمَّدٌ : وَإِذَا أَمَرَ الْأَمِيرُ الْعَسْكَرَ بِشَيْءٍ كَانَ عَلَى الْعَسْكَرِ أَنْ يُطِيعُوهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ مَعْصِيَةً ا هـ ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ : نَفَذَ أَمْرُهُ بِمَعْنَى وَجَبَ امْتِثَالُهُ تَأَمَّلْ . وَقَدَّمْنَا أَنَّ السُّلْطَانَ لَوْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَالصَّحِيحُ نَفَاذُهُ وَفِي الْبَحْرِ إذَا كَانَ الْقَضَاءُ مِنْ الْأَصْلِ وَمَاتَ الْقَاضِي لَيْسَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُنَصِّبَ قَاضِيًا وَإِنْ وَلِيَ عُشْرَهَا وَخَرَاجَهَا ، وَإِنْ حَكَمَ الْأَمِيرُ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ إلَخْ ، وَفِي الْأَشْبَاهِ قَضَاءُ الْأَمِيرِ جَائِزٌ مَعَ وُجُودِ قَاضِي الْبَلَدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوَلًّى مِنْ الْخَلِيفَةِ كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ ا هـ .
وَالْحَاصِلُ : أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا نَصَّبَ فِي الْبَلْدَةِ أَمِيرًا وَفَوَّضَ إلَيْهِ أَمْرَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا صَحَّ قَضَاؤُهُ وَأَمَّا إذَا نَصَّبَ مَعَهُ قَاضِيًا فَلَا ; لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لِلْقَاضِي لَا لِلْأَمِيرِ ، وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي زَمَانِنَا ; وَلِذَا قَالَ فِي الْبَحْرِ أَوَّلَ كِتَابِ الْقَضَاءِ سُئِلْت عَنْ تَوْلِيَةِ الْبَاشَا بِالْقَاهِرَةِ قَاضِيًا لِيَحْكُمَ فِي حَادِثَةٍ خَاصَّةٍ مَعَ وُجُودِ قَاضِيهَا الْمُوَلَّى مِنْ السُّلْطَانِ ، فَأَجَبْت بِعَدَمِ الصِّحَّةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِ تَقْلِيدُ الْقَضَاءِ ; وَلِذَا لَوْ حَكَمَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ ا هـ .
( قَوْلُهُ : كَمَا قَدَّمْنَاهُ ) أَيْ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي بَحْثِ رَسْمِ الْمُفْتِي
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith