رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
page 266 · printed p. 228 · commentary
( قَوْلُهُ وَيُقَدِّمُ التَّيَمُّمَ عَلَى نَبِيذِ التَّمْرِ ) اعْلَمْ أَنَّهُ رُوِيَ فِي النَّبِيذِ عَنْ الْإِمَامِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : الْأُولَى : وَهِيَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ التَّيَمُّمَ . الثَّانِيَةُ : الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَسُؤْرِ الْحِمَارِ ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَرَجَّحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ . وَالثَّالِثَةُ : التَّيَمُّمُ فَقَطْ ، وَهُوَ قَوْلُهُ الْأَخِيرُ ، وَقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمُصَحَّحُ الْمُخْتَارُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا بَحْرٌ .
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ، وَبِهِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ فِي بَحْثِ السُّؤْرِ ، لَكِنْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ : فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِ وَيُقَدِّمُ إلَخْ عَلَى التَّقَدُّمِ فِي الرُّتْبَةِ لَا فِي الزَّمَانِ : أَيْ أَنَّ التَّيَمُّمَ رُتْبَتُهُ التَّقَدُّمُ عَلَى الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ ، فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْوُضُوءِ بِهِ ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا مَعَ سَبْقِ التَّيَمُّمِ . قَالَ فِي النَّهْرِ : 228 وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا إذَا أَلْقَى فِي الْمَاءِ تُمَيْرَاتٍ حَتَّى صَارَ حُلْوًا رَقِيقًا غَيْرَ مَطْبُوخٍ وَلَا مُسَكَّرٍ ، فَإِنْ لَمْ يُحَلَّ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ بِهِ ، أَوْ أَسْكَرَ فَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ ، أَوْ طُبِخَ فَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَرَجَّحَ غَيْرُهُ الْجَوَازَ ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ الضَّابِطِ أَيْ الْمَذْكُورِ فِي الْمِيَاهِ ( قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إلَخْ ) عِلَّةٌ لِكَوْنِ مَا ذَكَرَ هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُفْتَى بِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ وَحُكْمُ عَرَقٍ كَسُؤْرٍ ) أَيْ الْعَرَقُ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ حُكْمُهُ كَسُؤْرِهِ لِتَوَلُّدِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ اللَّحْمِ كَذَا قَالُوا : وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْمُتَوَلِّدَ هُوَ اللُّعَابُ أَيْ لَا السُّؤْرُ ، لَكِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لِلْمُجَاوَرَةِ نَهْرٌ ( قَوْلُهُ فَعَرَقُ الْحِمَارِ إلَخْ ) أَفْرَدَهُ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَصَاحِبِ الْمُنْيَةِ اسْتَثْنَاهُ فَقَالَ : إلَّا أَنَّ عَرَقَ الْحِمَارِ طَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ . وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ : نَجِسٌ إلَّا أَنَّهُ جُعِلَ عَفْوًا فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ لِلضَّرُورَةِ . قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ : وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الشَّكَّ فِي الطَّهَارَةِ . فَإِذَا قِيلَ إنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ مَشْكُوكٌ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ وَعَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ كَسُؤْرِهِ صَحَّ أَنْ يُقَالَ إلَّا أَنَّ عَرَقَ الْحِمَارِ طَاهِرٌ : أَيْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ الْحِمَارَ مُعْرَوْرِيًا فِي حَرِّ الْحِجَازِ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَعْرَقُ وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ غَسَلَ بَدَنَهُ أَوْ ثَوْبَهُ مِنْهُ . ا هـ وَمُعْرَوْرِيًا حَالٌ مِنْ الْفَاعِلِ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْمَفْعُولِ لَقِيلَ مُعْرَوْرًى كَذَا فِي الْمُغْرِبِ . قُلْت : وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَكِبَ وَهُوَ عُرْيَانٌ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ النَّهْرِ وَغَيْرِهِ ، إذْ لَا يَخْفَى بُعْدُهُ ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ رَكِبَ حَالَ كَوْنِهِ مُعْرَوْرِيًا الْحِمَارَ فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ اعْرَوْرَى الْمُتَعَدِّي حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ ، يُقَالُ اعْرَوْرَى الْفَرَسَ : رَكِبَهُ عُرْيًا فَتَنَبَّهْ
( قَوْلُهُ صَارَ مُشْكِلًا ) يَعْنِي صَارَ الْمَاءُ بِهِ مُشْكِلًا : أَيْ فِي الطَّهُورِيَّةِ ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ كَمَا فِي لُعَابِهِ ، وَيَجُوزُ شُرْبُهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ كَمَا فِي السِّرَاجِ ( قَوْلُهُ وَفِي الْمُحِيطِ إلَخْ ) هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْقُهُسْتَانِيِّ وَنَصُّهُ : وَفِي الزُّبْدَةِ أَنَّ عَرَقَ الْجَلَّالَةِ كَالْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَغَيْرِهِمَا نَجِسٌ . وَفِي قَاضِي خَانْ أَنَّ عَرَقَهُمَا طَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ . وَفِي الْمُحِيطِ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ نَجِسٌ لَكِنَّهُ عَفْوٌ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَرَقَ الْحِمَارِ نَجَاسَةٌ غَلِيظَةٌ ، وَعَنْهُ أَنَّهُ خَفِيفَةٌ . ا هـ كَلَامُ الْقُهُسْتَانِيِّ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي عَرَقِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ عَنْ الْإِمَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَنَّهُ طَاهِرٌ ، وَهُوَ مَا قَالَ قَاضِي خَانْ إنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُنْيَةِ . وَنَجِسٌ مُغَلَّظٌ . وَنَجِسٌ مُخَفَّفٌ ، وَكَلَامُ الْحَلْوَانِيِّ مُحْتَمِلٌ لِلْأَخِيرَتَيْنِ إلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ حُكْمَ النَّجَاسَةِ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْمُنْيَةِ تَعْلِيلَهُ بِالضَّرُورَةِ : أَيْ ضَرُورَةِ رُكُوبِهِ .
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَنَّ الْكَلَامَ فِي عَرَقِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ لَا فِي الْجَلَّالَةِ ، وَأَنَّ ضَمِيرَ عَرَقِهِمَا فِي عِبَارَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ قَاضِي خَانْ ضَمِيرٌ مُثَنًّى رَاجِعٌ إلَى الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ نُسْخَةَ الْقُهُسْتَانِيِّ الَّتِي وَقَعَتْ لِلشَّارِحِ بِضَمِيرِ الْمُفْرَدِ لَا الْمُثَنَّى فَأَرْجَعَ الضَّمِيرَ إلَى الْجَلَّالَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ . وَقَدْ رَاجَعْتُ عِبَارَةَ قَاضِي خَانْ فَرَأَيْتُهَا بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ الْعَائِدِ إلَى مَا ذَكَرَهُ قَبْلَهُ مِنْ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ ، وَلَمْ أَرَ فِيهَا ذِكْرَ الْجَلَّالَةِ أَصْلًا ، وَكَذَا مَا نَقَلَهُ فِي الْمُحِيطِ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ لَيْسَ فِي الْجَلَّالَةِ بَلْ فِي الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ ، بِدَلِيلِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُنْيَةِ مِنْ عِبَارَةِ الْحَلْوَانِيِّ ، وَهُوَ الْمُتَعَيَّنُ فِي عِبَارَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ بَعْدَ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحْكَامَ الْجَلَّالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِبِلٍ وَبَقَرٍ جَلَّالَةٍ ، وَنَقَلْنَا التَّصْرِيحَ عَنْ الْبَقَّالِيِّ بِأَنَّ عَرَقَهَا 229 نَجِسٌ ، وَبِهِ صَرَّحَ الشَّارِحُ فِي مَسَائِلَ شَتَّى آخِرَ الْكِتَابِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الَّتِي أَنْتَنَ لَحْمُهَا كَمَا قَدَّمْنَا ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الَّذِي هُوَ مِنْ مِنَحِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نَعْمَائِهِ وَتَوَاتُرِ آلَائِهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith