رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
page 262 · printed p. 225 · commentary
( قَوْلُهُ لَمْ يَعْلَمْ رَبُّهَا طَهَارَةَ مِنْقَارِهَا ) لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ هَذَا الطَّيْرُ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَيْتَةَ مِثْلُ الْبَازِي الْأَهْلِيِّ وَنَحْوِهِ لَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ فِي الَّذِي يَتَنَاوَلُ الْمَيْتَةَ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا مِثْلُهُ حِلْيَةٌ ( قَوْلُهُ وَسَوَاكِنَ بُيُوتٍ ) أَيْ مِمَّا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ كَالْفَأْرَةِ وَالْحَيَّةِ وَالْوَزَغَةِ ، بِخِلَافِ مَا لَا دَمَ لَهُ كَالْخُنْفُسِ وَالصَّرْصَرِ وَالْعَقْرَبِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ كَمَا مَرَّ ، وَتَمَامُهُ فِي الْإِمْدَادِ ( قَوْلُهُ طَاهِرٌ لِلضَّرُورَةِ ) بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي الْهِرَّةِ نَجَاسَةُ سُؤْرِهَا ; لِأَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِلُعَابِهَا الْمُتَوَلِّدِ مِنْ لَحْمِهَا النَّجِسِ ، لَكِنْ سَقَطَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ اتِّفَاقًا بِعِلَّةِ الطَّوَافِ الْمَنْصُوصَةِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ ، إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ " أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ ; يَعْنِي أَنَّهَا تَدْخُلُ الْمَضَايِقَ وَلَازَمَهُ شِدَّةُ الْمُخَالَطَةِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ صَوْنُ الْأَوَانِي مِنْهَا ، وَفِي مَعْنَاهَا سَوَاكِنُ الْبُيُوتِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، فَسَقَطَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ لِلضَّرُورَةِ وَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ لِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةَ ، وَأَمَّا الْمُخَلَّاةُ فَلُعَابُهَا طَاهِرٌ فَسُؤْرُهَا كَذَلِكَ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ كُرِهَ سُؤْرُهَا وَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَتِهِ لِلشَّكِّ ، حَتَّى لَوْ عُلِمَتْ النَّجَاسَةُ فِي فَمِهَا تُنَجِّسُ ، وَلَوْ عُلِمَتْ الطَّهَارَةُ انْتَفَتْ الْكَرَاهَةُ .
وَأَمَّا سِبَاعُ الطَّيْرِ فَالْقِيَاسُ نَجَاسَةُ سُؤْرِهَا كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ بِجَامِعِ حُرْمَةِ لَحْمِهَا وَالِاسْتِحْسَانُ طَهَارَتُهُ ; لِأَنَّهَا تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا وَهُوَ عَظْمٌ طَاهِرٌ ، بِخِلَافِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ ; لِأَنَّهَا تَشْرَبُ بِلِسَانِهَا الْمُبْتَلِّ بِلُعَابِهَا النَّجِسِ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ تَأْكُلُ الْمَيْتَةَ غَالِبًا أَشْبَهَتْ الْمُخَلَّاةَ فَكُرِهَ سُؤْرُهَا ، حَتَّى لَوْ عُلِمَ طَهَارَةُ مِنْقَارِهَا انْتَفَتْ الْكَرَاهَةُ هَكَذَا قَرَّرُوا ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ طَهَارَةَ السُّؤْرِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَيْسَتْ لِلضَّرُورَةِ بَلْ عَلَى الْأَصْلِ فَتَنَبَّهْ ( قَوْلُهُ مَكْرُوهٌ ) لِجَوَازِ كَوْنِهَا أَكَلَتْ نَجَاسَةً قُبَيْلَ شُرْبِهَا .
وَأَفَادَ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ لَوْ اُحْتُمِلَ تَطْهِيرُهَا فَمَهَا زَالَتْ الْكَرَاهَةُ حَيْثُ قَالَ : وَيُحْمَلُ إصْغَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِنَاءَ لِلْهِرَّةِ عَلَى زَوَالِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ ، بِأَنْ كَانَتْ فِي مَرْأًى مِنْهُ فِي زَمَانٍ يُمْكِنُ فِيهِ غَسْلُهَا فَمَهَا بِلُعَابِهَا . وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَيُمْكِنُ بِمُشَاهَدَةِ شُرْبِهَا مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ مُشَاهَدَةِ قُدُومِهَا عَنْ غَيْبَةٍ يَجُوزُ مَعَهَا ذَلِكَ ، فَيُعَارَضُ هَذَا التَّجْوِيزُ بِتَجْوِيزِ أَكْلِهَا نَجِسًا قُبَيْلَ شُرْبِهَا فَيَسْقُطُ فَتَبْقَى الطَّهَارَةُ دُونَ كَرَاهَةٍ ; لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ مَا جَاءَتْ إلَّا مِنْ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ وَقَدْ سَقَطَ ، وَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي إطْلَاقُ كَرَاهَةِ أَكْلِ فَضْلِهَا وَالصَّلَاةِ إذَا لَحِسَتْ عُضْوًا قَبْلَ غَسْلِهِ كَمَا أَطْلَقَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرُهُ ، بَلْ يُقَيَّدُ بِثُبُوتِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ ; أَمَّا لَوْ كَانَ زَائِلًا بِمَا قُلْنَا فَلَا . ا هـ وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ وَشَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُنْيَةِ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ تَنْزِيهًا ) قَيَّدَ بِهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ التَّحْرِيمُ .
مَطْلَبٌ . الْكَرَاهَةُ حَيْثُ أُطْلِقَتْ فَالْمُرَادُ مِنْهَا التَّحْرِيمُ قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَكْرُوهَ إذَا أُطْلِقَ فِي كَلَامِهِمْ فَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّحْرِيمُ إلَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُصَفَّى : لَفْظُ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُرَادُ بِهَا التَّحْرِيمُ . قَالَ أَبُو يُوسُفَ : قُلْت لِأَبِي حَنِيفَةَ : إذَا قُلْت فِي شَيْءٍ أَكْرَهُهُ فَمَا رَأْيُك فِيهِ ؟ قَالَ : التَّحْرِيمُ . ا هـ ( قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ ) الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ . قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَأَمَّا سُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ فَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ خِلَافًا فِي الْمُرَادِ مِنْ الْكَرَاهَةِ ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا 225 كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهَا لَا تَتَحَامَى النَّجَاسَةَ ، وَكَذَا فِي سِبَاعِ الطَّيْرِ وَسَوَاكِنِ الْبُيُوتِ . ا هـ ( قَوْلُهُ كَأَكْلِهِ لِفَقِيرٍ ) أَيْ أَكْلِ سُؤْرِهَا : أَيْ مَوْضِعِ فَمِهَا ، وَمَا سَقَطَ مِنْهُ مِنْ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْجَامِدَاتِ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ لُعَابِهَا ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَكْلَ مَا بَقِيَ أَيْ مِمَّا لَمْ يُخَالِطْهُ لُعَابُهَا بِخِلَافِ الْمَائِعِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْحِلْيَةِ .
وَأَفَادَ الشَّارِحُ كَرَاهَتَهُ لِغَنِيٍّ ; لِأَنَّهُ يَجِدُ غَيْرَهُ ، وَهَذَا عِنْدَ تَوَهُّمِ نَجَاسَةِ فَمِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ قَرِيبًا . [ فَرْعٌ ] تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِ مَا سُؤْرُهُ مَكْرُوهٌ كَالْهِرَّةِ . ا هـ بَحْرٌ عَنْ التَّوْشِيحِ . قُلْت : وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِالتَّوَهُّمِ أَيْضًا كَمَا عَلِمْته مِمَّا مَرَّ ، وَيَظْهَرُ مِنْهُ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ بِثَوْبٍ أَصَابَهُ السُّؤْرُ الْمَكْرُوهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحِلْيَةِ .
مَطْلَبٌ : سِتٌّ تُوَرِّثُ النِّسْيَانَ [ نُكْتَةٌ ] قِيلَ سِتٌّ تُوَرِّثُ النِّسْيَانَ : سُؤْرُ الْفَأْرَةِ ، وَإِلْقَاءُ الْقَمْلَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ ، وَالْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ، وَقَطْعُ الْقِطَارِ ، وَمَضْغُ الْعِلْكِ ، وَأَكْلُ التُّفَّاحِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ حَدِيثًا ، لَكِنْ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ إنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ بَحْرٌ وَحِلْيَةٌ ، وَإِطْلَاقُ التُّفَّاحِ هُنَا مُوَافِقٌ لِمَا فِي كُتُبِ الطِّبِّ مِنْ أَنَّهُ أَكْلُهُ مُوَرِّثٌ لِلنِّسْيَانِ . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْحَدِيثَ مُقَيِّدًا التُّفَّاحَ بِالْحَامِضِ .
[ تَتِمَّةٌ ] زَادَ بَعْضُهُمْ : مِمَّا يُوَرِّثُ النِّسْيَانَ أَشْيَاءُ : مِنْهَا الْعِصْيَانُ ، وَالْهُمُومُ وَالْأَحْزَانُ بِسَبَبِ الدُّنْيَا ، وَكَثْرَةُ الِاشْتِغَالِ بِهَا ، وَأَكْلُ الْكُزْبَرَةِ الرَّطْبَةِ ، وَالنَّظَرُ إلَى الْمَصْلُوبِ ، وَالْحَجْمُ فِي نُقْرَةِ الْقَفَا ، وَاللَّحْمُ الْمِلْحُ ، وَالْخُبْزُ الْحَامِي ، وَالْأَكْلُ مِنْ الْقِدْرِ وَكَثْرَةُ الْمَزْحِ ، وَالضَّحِكُ بَيْنَ الْمَقَابِرِ ، وَالْوُضُوءُ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَتَوَسُّدُ السَّرَاوِيلِ أَوْ الْعِمَامَةِ ، وَنَظَرُ الْجُنُبِ إلَى السَّمَاءِ وَكَنْسُ الْبَيْتِ بِالْخِرَقِ ، وَمَسْحُ وَجْهِهِ أَوْ يَدَيْهِ بِذَيْلِهِ ، وَنَفْضُ الثَّوْبِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَدُخُولُهُ بِالْيُسْرَى وَخُرُوجُهُ بِالْيُمْنَى ، وَاللَّعِبُ بِالْمَذَاكِيرِ أَوْ الذَّكَرِ حَتَّى يُنْزِلَ ، وَالنَّظَرُ إلَيْهِ ، وَالْبَوْلُ فِي الطَّرِيقِ أَوْ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ أَوْ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ أَوْ فِي الرَّمَادِ ، وَالنَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ أَوْ فِي مِرْآةِ الْحَجَّامِ ، وَالِامْتِشَاطُ بِالْمُشْطِ الْمَكْسُورِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَلِسَيِّدِي عَبْدِ الْغَنِيِّ فِيهَا رِسَالَةٌ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith