رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثالث
الصفحة 2139 · ص. المطبوع 108 · الشرح
( قَوْلُهُ وَفِي تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ) أَيْ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِيمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَعْلَمَهَا الْقُرْآنَ أَوْ نَحْوَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ لِأَنَّ الْمُسَمَّى لَيْسَ بِمَالٍ بَدَائِعُ أَيْ لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهَا عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ ( قَوْلُهُ وَبَاءُ { ۝ زَوَّجْتُك بِمَا مَعَك } ) أَيْ الْوَارِدِ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : هَلْ مَعَك 108 شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ نَعَمْ سِوَى سُورَةِ كَذَا وَسُورَةِ كَذَا سَمَّاهَا ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : قَدْ مَلَّكْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ } " وَيُرْوَى " { ۝ أَنْكَحْتُكهَا وَزَوَّجْتُكهَا } " ح عَنْ الزَّيْلَعِيِّ ، ( قَوْلُهُ لِلسَّبِيَّةِ أَوْ لِلتَّعْلِيلِ ) أَيْ بِسَبَبٍ أَوْ لِأَجْلِ أَنَّك مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ فَلَيْسَتْ الْبَاءُ مُتَعَيِّنَةً لِلْعِوَضِ ( قَوْلُهُ لَكِنْ فِي النَّهْرِ ) أَصْلُهُ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ : وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا ، لِأَنَّ مَا جَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ فِي مُقَابَلَتِهِ مِنْ الْمَنَافِعِ جَازَ تَسْمِيَتُهُ صَدَاقًا كَمَا قَدَّمْنَا ، نَقَلَهُ عَنْ الْبَدَائِعِ ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هُنَا أَنَّهُ لَمَّا جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ أَخْذَ الْأَجْرِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَحَّحَ تَسْمِيَتَهُ مَهْرًا فَكَذَا نَقُولُ يَلْزَمُ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ صِحَّةُ تَسْمِيَتِهِ صَدَاقًا ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . ا هـ .
وَاعْتَرَضَهُ الْمَقْدِسِيَّ بِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ تُلْجِئُ إلَى صِحَّةِ تَسْمِيَتِهِ بَلْ تَسْمِيَةُ غَيْرِهِ تُغْنِي ، بِخِلَافِ الْحَاجَةِ إلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهَا تَحَقَّقَتْ لِلتَّكَاسُلِ عَنْ الْخَيْرَاتِ فِي هَذَا الزَّمَانِ ا هـ وَفِيهِ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ أَفْتَوْا بِجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التَّعْلِيمِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ عَلَى مَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ كَالتِّلَاوَةِ وَنَحْوِهَا ، ثُمَّ الضَّرُورَةُ إنَّمَا هِيَ عِلَّةٌ لِأَصْلِ جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ ، وَلَا يَلْزَمُ وُجُودُهَا فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ ، وَحَيْثُ جَازَ عَلَى التَّعْلِيمِ لِلضَّرُورَةِ صَحَّتْ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا لِأَنَّ مَنْفَعَةً تُقَابَلُ بِالْمَالِ كَسُكْنَى الدَّارِ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ وُجُودَ الضَّرُورَةِ فِي الْمُسَمَّى ، إذْ يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ مِثْلُهُ فِي تَسْمِيَةِ السُّكْنَى مَثَلًا أَنَّ تَسْمِيَةَ غَيْرِهَا تُغْنِي عَنْهَا مَعَ أَنَّ الزَّوْجَةَ قَدْ تَكُونُ مُحْتَاجَةً إلَى التَّعْلِيمِ دُونَ السُّكْنَى وَالْمَالِ . وَاعْتِرَاضٌ أَيْضًا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَسْمِيَةُ التَّعْلِيمِ لِأَنَّهُ خِدْمَةٌ لَهَا وَلَيْسَتْ مِنْ مُشْتَرَكِ مَصَالِحِهَا : أَيْ بِخِلَافِ رَعْيِ غَنَمِهَا وَزِرَاعَةِ أَرْضِهَا ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ خِدْمَةً لَهَا لَكِنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا . وَأَجَابَ تِلْمِيذُهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَيِّ بِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ تَسْلِيمِ كَوْنِ التَّعْلِيمِ خِدْمَةً لَهَا ، فَلَيْسَ كُلُّ خِدْمَةٍ لَا تَجُوزُ ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ لَوْ كَانَتْ الْخِدْمَةُ لِلتَّرْذِيلِ . قَالَ ط : وَهُوَ حَسَنٌ لِأَنَّ مُعَلِّمَ الْقُرْآنِ لَا يُعَدُّ خَادِمًا لِلْمُتَعَلِّمِ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا . ا هـ .
قُلْت : وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوهُ اسْتِئْجَارَ الِابْنِ أَبَاهُ لِرَعْيِ الْغَنَمِ وَالزِّرَاعَةِ خِدْمَةً ، وَلَوْ كَانَ رَعْيُ الْغَنَمِ خِدْمَةً أَوْ رَذِيلَةً لَمْ يَفْعَلْهُ نَبِيُّنَا وَمُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَلْ هُوَ حِرْفَةٌ كَبَاقِي الْحِرَفِ الْغَيْرِ الْمُسْتَرْذَلَةِ يُقْصَدُ بِهَا الِاكْتِسَابُ فَكَذَا التَّعْلِيمُ لَا يُسَمَّى خِدْمَةً بِالْأَوْلَى .
[ تَنْبِيهٌ ] قَالَ فِي النَّهْرِ : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَعْلِيمُ كُلِّ الْقُرْآنِ إلَّا إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْبَعْضِ ، وَالْحِفْظُ لَيْسَ مِنْ مَفْهُومِهِ كَمَا لَا يَخْفَى ا هـ : أَيْ فَلَا يَلْزَمُهُ تَعْلِيمُهُ عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهَا ( قَوْلُهُ وَلَهَا خِدْمَتُهُ ) لِأَنَّ الْخِدْمَةَ إذَا كَانَتْ بِإِذْنِ الْمَوْلَى صَارَ كَأَنَّهُ يَخْدُمُ الْمَوْلَى حَقِيقَةً بَحْرٌ ، فَلَيْسَ فِيهِ قَلْبُ الْمَوْضُوعِ . ا هـ . ح وَلِأَنَّ اسْتِخْدَامَ زَوْجَتِهِ إيَّاهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ لِأَنَّهُ عُرْضَةٌ لِلِاسْتِخْدَامِ وَالِابْتِذَالِ لِكَوْنِهِ مُمَلَّكًا مُلْحَقًا بِالْبَهَائِمِ بَدَائِعُ ( قَوْلُهُ مَأْذُونًا فِي ذَلِكَ ) أَيْ فِي التَّزْوِيجِ عَلَى خِدْمَتِهِ ، فَلَوْ بِلَا إذْنِ مَوْلَاهُ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ ( قَوْلُهُ أَمَّا الْحُرُّ ) أَيْ الزَّوْجُ الْحُرُّ ( قَوْلُهُ فَخِدْمَتُهُ لَهَا حَرَامٌ ) أَيْ إذَا خَدَمَهَا فِيمَا يَخُصُّهَا عَلَى الظَّاهِرِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ اسْتِخْدَامٍ ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عَطْفُ الِاسْتِخْدَامِ عَلَيْهِ ط ( قَوْلُهُ وَكَذَا اسْتِخْدَامُهُ ) صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا وَقَالَ : وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِلِابْنِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَبَاهُ لِلْخِدْمَةِ . قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الِاسْتِخْدَامُ ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخِدْمَةُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث