رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثاني
( قَوْلُهُ آفَاقِيٌّ إلَخْ ) تَرْجَمَهُ فِي الْكَنْزِ بِبَابِ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ، وَوَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ بِمَا سَبَقَ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ أَيْضًا ، لَكِنَّ مَا سَبَقَ جِنَايَةٌ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَهَذَا قَبْلَهُ قَالَ ح : لَوْ عَبَّرَ بِمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْكَنْزِ لَشَمِلَ قَوْلَهُ كَمَكِّيٍّ يُرِيدُ الْحَجَّ إلَخْ وَلَشَمِلَ حَرَمِيًّا أَحْرَمَ لِعُمْرَتِهِ مِنْ الْحَرَمِ وَبُسْتَانِيًّا أَحْرَمَ لِحَجَّتِهِ أَوْ لِعُمْرَتِهِ مِنْ الْحَرَمِ . فَإِنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ مِنْ مِيقَاتِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ لَزِمَهُ دَمٌ مَا لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ حَرَمِيًّا أَمْ بُسْتَانِيًّا أَمْ آفَاقِيًّا ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلُزُومِ الْإِحْرَامِ فِي الْبُسْتَانِيِّ وَالْحَرَمِيِّ قَصْدُ النُّسُكِ ، وَيَكْفِي الْآفَاقِيَّ قَصْدُ دُخُولِ الْحَرَمِ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ نُسُكًا أَمْ لَا . ا هـ . وَأَرَادَ بِالْبُسْتَانِيِّ الْحِلِّيَّ أَيْ مَنْ كَانَ فِي الْحِلِّ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُحْرِمَ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ آفَاقِيٌّ وَحُلِيٌّ وَحَرَمِيٌّ ، وَلِكُلٍّ مِيقَاتٌ مَخْصُوصٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَوَاقِيتِ ، فَمَنْ أَرَادَ نُسُكًا وَجَاوَزَ وَقْتَهُ لَزِمَهُ الْعَوْدُ إلَيْهِ ( قَوْلُهُ مُسْلِمٌ بَالِغٌ ) فَلَوْ جَاوَزَهُ كَافِرٌ أَوْ صَبِيٌّ فَأَسْلَمَ وَبَلَغَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا ، وَلَمْ يُقَيَّدْ بِالْحُرِّ لِيَشْمَلَ الرَّقِيقَ . فَإِنَّهُ لَوْ جَاوَزَهُ بِلَا إحْرَامٍ ثُمَّ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ فَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ يُؤْخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ فَتْحٌ ( قَوْلُهُ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ ) كَذَا قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ ، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَابْنُ كَمَال بَاشَا ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا نَذْكُرُ . وَمَنْشَأُ ذَلِكَ قَوْلُ الْهِدَايَةِ : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا أَيْ مِنْ لُزُومِ الدَّمِ بِالْمُجَاوَزَةِ إنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ الْبُسْتَانَ لِحَاجَةٍ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ . ا هـ .
قَالَ فِي الْفَتْحِ : يُوهِمُ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ إذَا جَاوَزَ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَجَبَ الدَّمُ إلَّا أَنْ يَتَلَافَاهُ ، مَحَلُّهُ مَا إذَا قَصَدَ النُّسُكَ ، فَإِنْ قَصَدَ التِّجَارَةَ أَوْ السِّيَاحَةَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ جَمِيعَ الْكُتُبِ نَاطِقَةٌ بِلُزُومِ الْإِحْرَامِ عَلَى مَنْ قَصَدَ مَكَّةَ سَوَاءٌ قَصَدَ النُّسُكَ أَمْ لَا . وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ أَيْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي فِعْلِ الْمَوَاقِيتِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ فِيمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ مِنْ الْآفَاقِيِّينَ قَصْدُ النُّسُكِ ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إذَا أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ إذَا أَرَادَ مَكَّةَ . ا هـ .
مُلَخَّصًا مِنْ ح عَنْ الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَكَّةَ خُصُوصَهَا ، بَلْ قَصْدُ الْحَرَمِ مُطْلَقًا مُوجِبٌ لِلْإِحْرَامِ كَمَا مَرَّ قُبَيْلَ فَصْلِ الْإِحْرَامِ ، وَصُرِّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ ( قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ يُرِدْ إلَخْ ) قَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ ح ( قَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ ) أَيْ أَوَّلَ الْكِتَابِ فِي بَحْثِ الْمَوَاقِيتِ فِي قَوْلِهِ وَحَرُمَ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ عَنْهَا لِمَنْ قَصَدَ دُخُولَ مَكَّةَ وَلَوْ لِحَاجَةٍ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ قَرِيبًا : أَيْ فِي قَوْلِهِ وَعَلَى مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامِ حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ ( قَوْلُهُ وَجَاوَزَ وَقْتَهُ ) أَيْ مِيقَاتَهُ ، وَالْمُرَادُ آخِرُ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي يَمُرُّ 580 عَلَيْهَا ، إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الْكِتَابِ ( قَوْلُهُ اعْتِبَارُ الْإِرَادَةِ عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ ) أَيْ أَنَّ الْآفَاقِيَّ الَّذِي جَاوَزَ وَقْتَهُ تُعْتَبَرُ إرَادَتُهُ عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ قَصْدِ الْمُجَاوَزَةِ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لِحَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَإِلَّا بِأَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَان فِي الْحِلِّ لِحَاجَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَاسْتُظْهِرَ فِي الْبَحْرِ اعْتِبَارُ الْإِرَادَةِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهِ ، لَكِنْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْبُسْتَانِ الْآتِيَةِ ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ حَيْثُ ذُكِرَ ذَلِكَ فِيهِمَا ، وَسَنَذْكُرُ عِبَارَةَ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ إلَى مِيقَاتٍ مَا ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِدُونِ لَفْظَةِ مَا ، وَعَلَى كُلٍّ فَالْمُرَادُ أَيُّ مِيقَاتٍ كَانَ ، سَوَاءٌ كَانَ مِيقَاتُهُ الَّذِي جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ أَوْ غَيْرُهُ أَقْرَبَ أَوْ أَبْعَدَ لِأَنَّهَا كُلَّهَا فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ سَوَاءٌ . وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْرِمَ مِنْ وَقْتِهِ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ ( قَوْلُهُ ثُمَّ أَحْرَمَ ) أَيْ بِحَجٍّ وَلَوْ نَفْلًا أَوْ بِعُمْرَةٍ ، وَهَذَا نَاظِرٌ إلَى قَوْلِ الشَّارِحِ كَمَا إذَا لَمْ يُحْرِمْ ، وَقَوْلُهُ أَوْ عَادَ إلَخْ نَاظِرٌ إلَى قَوْلِهِ جَاوَزَ وَقْتَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ . وَعِبَارَةُ الْمَتْنِ بِمُجَرَّدِهَا فِيهَا حَزَازَةٌ فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ صِفَةُ مُحْرِمًا ) أَيْ صِفَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ ، وَإِلَّا فَجُمْلَةُ لَمْ يَشْرَعْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِهِ الْمُسْتَتِرِ أَوْ مِنْ فَاعِلِ عَادَ ، فَهِيَ حَالٌ بَعْدَ حَالٍ مُتَدَاخِلَةٌ أَوْ مُتَرَادِفَةٌ ( قَوْلُهُ كَطَوَافٍ ) وَكَذَا لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لِلْقُدُومِ فَتْحٌ ( قَوْلُهُ وَلَوْ شَوْطًا ) أَخَذَهُ مِنْ الْبَحْرِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي لُزُومِ الدَّمِ وَعَدَمِ إمْكَانِ سُقُوطِهِ مِنْ الشَّوْطِ الْكَامِلِ .
وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ : وَلَوْ عَادَ بَعْدَ مَا ابْتَدَأَ الطَّوَافَ وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِالِاتِّفَاقِ فَقَالَ : وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِالْوَاوِ ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِهَا بِالْفَاءِ . قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ فِي شَرْحِهَا : إنَّمَا ذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ الشَّوْطُ التَّامُّ ، فَإِنَّ الْمَسْنُونَ الْفَصْلُ بَيْنَ الشَّوْطَيْنِ بِالِاسْتِلَامِ ، وَإِلَّا فَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ . ا هـ .
وَمِثْلُهُ فِي الْعِنَايَةِ .
وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالِاسْتِلَامِ مَا يَكُونُ بَيْنَ الشَّوْطَيْنِ لَا مَا يَكُونُ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْبَدَائِعِ بَعْدَ مَا طَافَ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ : وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الدُّرَرِ مِنْ عَطْفِهِ بِأَوْ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِاقْتِضَائِهِ الِاكْتِفَاءَ بِبَعْضِ الشَّوْطِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ لِأَنَّ الشَّرْطَ إلَخْ ) أَيْ فِي سُقُوطِ الدَّمِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ النُّسُكِ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَاجِبٌ حَتَّى يُجْبَرَ بِالدَّمِ ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَكَانَ فَرْضًا ، وَبِتَرْكِهِ يَفْسُدُ الْحَجُّ أَفَادَهُ الْحَمَوِيُّ ط ( قَوْلُهُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ ) احْتِرَازٌ عَنْ دَاخِلِ الْمِيقَاتِ لَا خَارِجِهِ ، حَتَّى لَوْ عَادَ مُحْرِمًا وَلَمْ يُلَبِّ فِيهِ لَكِنْ لَبَّى بَعْدَ مَا جَاوَزَهُ ثُمَّ رَجَعَ وَمَرَّ بِهِ سَاكِتًا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ فَوْقَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي تَعْظِيمِ الْبَيْتِ كَمَا فِي الْبَحْرِ ح ( قَوْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا ) حَيْثُ قَالَا يَسْقُطُ الدَّمُ وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ كَمَا لَوْ مَرَّ مُحْرِمًا سَاكِتًا ; وَلَهُ أَنَّ الْعَزِيمَةَ فِي الْإِحْرَامِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ ، فَإِذَا تَرَخَّصَ بِالتَّأْخِيرِ إلَى الْمِيقَاتِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ حَقِّهِ بِإِنْشَاءِ التَّلْبِيَةِ ، فَكَانَ التَّلَافِي بِعَوْدِهِ مُلَبِّيًا هِدَايَةٌ . وَفِي شَرْحِهَا لِابْنِ الْكَمَالِ : اعْلَمْ أَنَّ النَّاظِرِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ شُرَّاحِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعَزِيمَةَ لِلْآفَاقِيِّ مَا ذُكِرَ ، وَلَا يَخْلُو عَنْ إشْكَالٍ ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ اتِّفَاقُ الْكُلِّ عَلَى تَرْكِ الْعَزِيمَةِ وَمَا هُوَ الْأَفْضَلُ . ا هـ .
قُلْت : وَهُوَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْرَامِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَيْ مِمَّا قَرُبَ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ عَنْ الْمِيقَاتِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِعْلُ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَوَرَدَ طَلَبُهُ فِي الْحَدِيثِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ عِنْدَ بَحْثِ الْمَوَاقِيتِ . وَفَسَّرَ الصَّحَابَةُ الْإِتْمَامَ فِي - وَأَتِمُّوا الْحَجَّ - بِذَلِكَ ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ هُنَا فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ عَوْدُهُ ) ظَاهِرُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ وُجُوبُ الْعَوْدِ ، وَبِهِ صُرِّحَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ ( قَوْلُهُ إلَّا إذَا خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ ) أَيْ فَإِنَّهُ 581 لَا يَعُودُ وَيَمْضِي فِي إحْرَامِهِ ، وَعَلَّلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ وَالْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَاجِبٌ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ أَهْوَنُ مِنْ تَرْكِ الْفَرْضِ . ا هـ .
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخَفْ الْفَوْتَ يَجِبُ الْعَوْدُ كَمَا قُلْنَا لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ ، وَأَنَّهُ إذَا خَافَهُ يَجِبُ عَدَمُ الْعَوْدِ ، وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ النَّهْرِ وَمَتَى خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ لَوْ عَادَ فَالْأَفْضَلُ عَدَمُهُ وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ عَوْدُهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ . ا هـ .
هَذَا وَفِي الْبَحْرِ : وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ : أَيْ مِمَّا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا تَفْصِيلَ فِي الْعُمْرَةِ وَأَنَّهُ يَعُودُ لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ أَصْلًا . ا هـ .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا بِالنَّظَرِ إلَى الْفَوَاتِ وَإِلَّا فَقَدْ يَحْصُلُ مَانِعٌ مِنْ الْعَوْدِ غَيْرَ الْفَوَاتِ لِخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فَيَسْقُطُ وُجُوبُ الْعَوْدِ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا ( قَوْلُهُ أَوْ عَادَ بَعْدَ شُرُوعِهِ ) بَقِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ أَوْ قَبْلَ شُرُوعِهِ وَلَمْ يُلَبِّ عِنْدَ الْمِيقَاتِ ح ( قَوْلُهُ كَمَكِّيٍّ يُرِيدُ الْحَجَّ إلَخْ ) أَمَّا لَوْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ لِحَاجَةٍ فَأَحْرَمَ مِنْهُ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; كَالْآفَاقِيِّ إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ قَاصِدًا الْبُسْتَانَ ثُمَّ أَحْرَمَ مِنْهُ ، وَلَمْ أَرَ تَقْيِيدَ مَسْأَلَةِ الْمُتَمَتِّعِ بِمَا إذَا خَرَجَ عَلَى قَصْدِ الْحَجِّ ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُقَيَّدَ بِهِ ; وَأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ إلَى الْحِلِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَالْمَكِّيِّ فَتْحٌ ( قَوْلُهُ وَصَارَ مَكِّيًّا ) لِأَنَّ مَنْ وَصَلَ إلَى مَكَان عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ أَهْلِهِ ، وَهُنَا لَمَّا وَصَلَ إلَى مَكَّةَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ وَفَرَغَ مِنْهَا صَارَ فِي حُكْمِ الْمَكِّيِّ سَوَاءٌ سَاقَ الْهَدْيَ أَمْ لَا ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ فَمِيقَاتُهُ الْحَرَمُ أَوْ الْعُمْرَةُ فَالْحِلُّ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي الْحِلِّيِّ ، وَهُوَ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ فَإِنَّ مِيقَاتَهُ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ الْحِلُّ ، فَإِذَا أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ إلَّا أَنْ يَعُودَ كَمَا مَرَّ عَنْ ح وَصَرَّحَ بِهِ هُنَاكَ فِي النَّهْرِ وَاللُّبَابِ ( قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَا ) أَيْ الْمَكِّيُّ وَالْمُتَمَتِّعُ الَّذِي فِي حُكْمِهِ ، فَإِنَّ مِيقَاتَ الْمَكِّيِّ لِلْعُمْرَةِ الْحِلُّ ( قَوْلُهُ وَبِالْعَوْدِ ) أَرَادَ بِهِ مُطْلَقَ الذَّهَابِ إلَى الْمِيقَاتِ الْوَاجِبِ لِيَشْمَلَ قَوْلَهُ وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَا بِعُمْرَةٍ مِنْ الْحَرَمِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ خُرُوجُهُمَا إلَى الْحِلِّ لِيَسْقُطَ الدَّمُ ; وَلَيْسَ فِيهِ عَوْدٌ إلَيْهِ بَعْدَ الْكَيْنُونَةِ فِيهِ ( قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ ) أَيْ عَوْدًا مُمَاثِلًا لِمَا مَرَّ فِي الْآفَاقِيِّ بِأَنْ يَعُودَ إلَى الْمِيقَاتِ ثُمَّ يُحْرِمَ إنْ لَمْ يَكُنْ أَحْرَمَ ، وَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ وَلَمْ يَشْرَعْ فِي نُسُكٍ يَعُودُ إلَيْهِ وَيُلَبِّي .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُحْرِمَ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ آفَاقِيٌّ وَحُلِيٌّ وَحَرَمِيٌّ ، وَلِكُلٍّ مِيقَاتٌ مَخْصُوصٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَوَاقِيتِ ، فَمَنْ أَرَادَ نُسُكًا وَجَاوَزَ وَقْتَهُ لَزِمَهُ الْعَوْدُ إلَيْهِ ( قَوْلُهُ مُسْلِمٌ بَالِغٌ ) فَلَوْ جَاوَزَهُ كَافِرٌ أَوْ صَبِيٌّ فَأَسْلَمَ وَبَلَغَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا ، وَلَمْ يُقَيَّدْ بِالْحُرِّ لِيَشْمَلَ الرَّقِيقَ . فَإِنَّهُ لَوْ جَاوَزَهُ بِلَا إحْرَامٍ ثُمَّ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ فَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ يُؤْخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ فَتْحٌ ( قَوْلُهُ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ ) كَذَا قَالَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ ، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَابْنُ كَمَال بَاشَا ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا نَذْكُرُ . وَمَنْشَأُ ذَلِكَ قَوْلُ الْهِدَايَةِ : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا أَيْ مِنْ لُزُومِ الدَّمِ بِالْمُجَاوَزَةِ إنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ الْبُسْتَانَ لِحَاجَةٍ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ . ا هـ .
قَالَ فِي الْفَتْحِ : يُوهِمُ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ إذَا جَاوَزَ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَجَبَ الدَّمُ إلَّا أَنْ يَتَلَافَاهُ ، مَحَلُّهُ مَا إذَا قَصَدَ النُّسُكَ ، فَإِنْ قَصَدَ التِّجَارَةَ أَوْ السِّيَاحَةَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ جَمِيعَ الْكُتُبِ نَاطِقَةٌ بِلُزُومِ الْإِحْرَامِ عَلَى مَنْ قَصَدَ مَكَّةَ سَوَاءٌ قَصَدَ النُّسُكَ أَمْ لَا . وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ أَيْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي فِعْلِ الْمَوَاقِيتِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ فِيمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ مِنْ الْآفَاقِيِّينَ قَصْدُ النُّسُكِ ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إذَا أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ إذَا أَرَادَ مَكَّةَ . ا هـ .
مُلَخَّصًا مِنْ ح عَنْ الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَكَّةَ خُصُوصَهَا ، بَلْ قَصْدُ الْحَرَمِ مُطْلَقًا مُوجِبٌ لِلْإِحْرَامِ كَمَا مَرَّ قُبَيْلَ فَصْلِ الْإِحْرَامِ ، وَصُرِّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ ( قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ يُرِدْ إلَخْ ) قَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ ح ( قَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ ) أَيْ أَوَّلَ الْكِتَابِ فِي بَحْثِ الْمَوَاقِيتِ فِي قَوْلِهِ وَحَرُمَ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ عَنْهَا لِمَنْ قَصَدَ دُخُولَ مَكَّةَ وَلَوْ لِحَاجَةٍ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ قَرِيبًا : أَيْ فِي قَوْلِهِ وَعَلَى مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامِ حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ ( قَوْلُهُ وَجَاوَزَ وَقْتَهُ ) أَيْ مِيقَاتَهُ ، وَالْمُرَادُ آخِرُ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي يَمُرُّ 580 عَلَيْهَا ، إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الْكِتَابِ ( قَوْلُهُ اعْتِبَارُ الْإِرَادَةِ عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ ) أَيْ أَنَّ الْآفَاقِيَّ الَّذِي جَاوَزَ وَقْتَهُ تُعْتَبَرُ إرَادَتُهُ عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ قَصْدِ الْمُجَاوَزَةِ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لِحَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَإِلَّا بِأَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَان فِي الْحِلِّ لِحَاجَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَاسْتُظْهِرَ فِي الْبَحْرِ اعْتِبَارُ الْإِرَادَةِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهِ ، لَكِنْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْبُسْتَانِ الْآتِيَةِ ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ حَيْثُ ذُكِرَ ذَلِكَ فِيهِمَا ، وَسَنَذْكُرُ عِبَارَةَ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ إلَى مِيقَاتٍ مَا ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِدُونِ لَفْظَةِ مَا ، وَعَلَى كُلٍّ فَالْمُرَادُ أَيُّ مِيقَاتٍ كَانَ ، سَوَاءٌ كَانَ مِيقَاتُهُ الَّذِي جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ أَوْ غَيْرُهُ أَقْرَبَ أَوْ أَبْعَدَ لِأَنَّهَا كُلَّهَا فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ سَوَاءٌ . وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْرِمَ مِنْ وَقْتِهِ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ ( قَوْلُهُ ثُمَّ أَحْرَمَ ) أَيْ بِحَجٍّ وَلَوْ نَفْلًا أَوْ بِعُمْرَةٍ ، وَهَذَا نَاظِرٌ إلَى قَوْلِ الشَّارِحِ كَمَا إذَا لَمْ يُحْرِمْ ، وَقَوْلُهُ أَوْ عَادَ إلَخْ نَاظِرٌ إلَى قَوْلِهِ جَاوَزَ وَقْتَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ . وَعِبَارَةُ الْمَتْنِ بِمُجَرَّدِهَا فِيهَا حَزَازَةٌ فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ صِفَةُ مُحْرِمًا ) أَيْ صِفَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ ، وَإِلَّا فَجُمْلَةُ لَمْ يَشْرَعْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِهِ الْمُسْتَتِرِ أَوْ مِنْ فَاعِلِ عَادَ ، فَهِيَ حَالٌ بَعْدَ حَالٍ مُتَدَاخِلَةٌ أَوْ مُتَرَادِفَةٌ ( قَوْلُهُ كَطَوَافٍ ) وَكَذَا لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لِلْقُدُومِ فَتْحٌ ( قَوْلُهُ وَلَوْ شَوْطًا ) أَخَذَهُ مِنْ الْبَحْرِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي لُزُومِ الدَّمِ وَعَدَمِ إمْكَانِ سُقُوطِهِ مِنْ الشَّوْطِ الْكَامِلِ .
وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ : وَلَوْ عَادَ بَعْدَ مَا ابْتَدَأَ الطَّوَافَ وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِالِاتِّفَاقِ فَقَالَ : وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِالْوَاوِ ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِهَا بِالْفَاءِ . قَالَ ابْنُ الْكَمَالِ فِي شَرْحِهَا : إنَّمَا ذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ الشَّوْطُ التَّامُّ ، فَإِنَّ الْمَسْنُونَ الْفَصْلُ بَيْنَ الشَّوْطَيْنِ بِالِاسْتِلَامِ ، وَإِلَّا فَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ . ا هـ .
وَمِثْلُهُ فِي الْعِنَايَةِ .
وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالِاسْتِلَامِ مَا يَكُونُ بَيْنَ الشَّوْطَيْنِ لَا مَا يَكُونُ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْبَدَائِعِ بَعْدَ مَا طَافَ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ : وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الدُّرَرِ مِنْ عَطْفِهِ بِأَوْ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِاقْتِضَائِهِ الِاكْتِفَاءَ بِبَعْضِ الشَّوْطِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ لِأَنَّ الشَّرْطَ إلَخْ ) أَيْ فِي سُقُوطِ الدَّمِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ النُّسُكِ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَاجِبٌ حَتَّى يُجْبَرَ بِالدَّمِ ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَكَانَ فَرْضًا ، وَبِتَرْكِهِ يَفْسُدُ الْحَجُّ أَفَادَهُ الْحَمَوِيُّ ط ( قَوْلُهُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ ) احْتِرَازٌ عَنْ دَاخِلِ الْمِيقَاتِ لَا خَارِجِهِ ، حَتَّى لَوْ عَادَ مُحْرِمًا وَلَمْ يُلَبِّ فِيهِ لَكِنْ لَبَّى بَعْدَ مَا جَاوَزَهُ ثُمَّ رَجَعَ وَمَرَّ بِهِ سَاكِتًا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ فَوْقَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي تَعْظِيمِ الْبَيْتِ كَمَا فِي الْبَحْرِ ح ( قَوْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا ) حَيْثُ قَالَا يَسْقُطُ الدَّمُ وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ كَمَا لَوْ مَرَّ مُحْرِمًا سَاكِتًا ; وَلَهُ أَنَّ الْعَزِيمَةَ فِي الْإِحْرَامِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ ، فَإِذَا تَرَخَّصَ بِالتَّأْخِيرِ إلَى الْمِيقَاتِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ حَقِّهِ بِإِنْشَاءِ التَّلْبِيَةِ ، فَكَانَ التَّلَافِي بِعَوْدِهِ مُلَبِّيًا هِدَايَةٌ . وَفِي شَرْحِهَا لِابْنِ الْكَمَالِ : اعْلَمْ أَنَّ النَّاظِرِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ شُرَّاحِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعَزِيمَةَ لِلْآفَاقِيِّ مَا ذُكِرَ ، وَلَا يَخْلُو عَنْ إشْكَالٍ ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ اتِّفَاقُ الْكُلِّ عَلَى تَرْكِ الْعَزِيمَةِ وَمَا هُوَ الْأَفْضَلُ . ا هـ .
قُلْت : وَهُوَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْرَامِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَيْ مِمَّا قَرُبَ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ عَنْ الْمِيقَاتِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِعْلُ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَوَرَدَ طَلَبُهُ فِي الْحَدِيثِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ عِنْدَ بَحْثِ الْمَوَاقِيتِ . وَفَسَّرَ الصَّحَابَةُ الْإِتْمَامَ فِي - وَأَتِمُّوا الْحَجَّ - بِذَلِكَ ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ هُنَا فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ عَوْدُهُ ) ظَاهِرُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ وُجُوبُ الْعَوْدِ ، وَبِهِ صُرِّحَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ ( قَوْلُهُ إلَّا إذَا خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ ) أَيْ فَإِنَّهُ 581 لَا يَعُودُ وَيَمْضِي فِي إحْرَامِهِ ، وَعَلَّلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ وَالْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَاجِبٌ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ أَهْوَنُ مِنْ تَرْكِ الْفَرْضِ . ا هـ .
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخَفْ الْفَوْتَ يَجِبُ الْعَوْدُ كَمَا قُلْنَا لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ ، وَأَنَّهُ إذَا خَافَهُ يَجِبُ عَدَمُ الْعَوْدِ ، وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ النَّهْرِ وَمَتَى خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ لَوْ عَادَ فَالْأَفْضَلُ عَدَمُهُ وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ عَوْدُهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ . ا هـ .
هَذَا وَفِي الْبَحْرِ : وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ : أَيْ مِمَّا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا تَفْصِيلَ فِي الْعُمْرَةِ وَأَنَّهُ يَعُودُ لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ أَصْلًا . ا هـ .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا بِالنَّظَرِ إلَى الْفَوَاتِ وَإِلَّا فَقَدْ يَحْصُلُ مَانِعٌ مِنْ الْعَوْدِ غَيْرَ الْفَوَاتِ لِخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فَيَسْقُطُ وُجُوبُ الْعَوْدِ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا ( قَوْلُهُ أَوْ عَادَ بَعْدَ شُرُوعِهِ ) بَقِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ أَوْ قَبْلَ شُرُوعِهِ وَلَمْ يُلَبِّ عِنْدَ الْمِيقَاتِ ح ( قَوْلُهُ كَمَكِّيٍّ يُرِيدُ الْحَجَّ إلَخْ ) أَمَّا لَوْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ لِحَاجَةٍ فَأَحْرَمَ مِنْهُ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; كَالْآفَاقِيِّ إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ قَاصِدًا الْبُسْتَانَ ثُمَّ أَحْرَمَ مِنْهُ ، وَلَمْ أَرَ تَقْيِيدَ مَسْأَلَةِ الْمُتَمَتِّعِ بِمَا إذَا خَرَجَ عَلَى قَصْدِ الْحَجِّ ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُقَيَّدَ بِهِ ; وَأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ إلَى الْحِلِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَالْمَكِّيِّ فَتْحٌ ( قَوْلُهُ وَصَارَ مَكِّيًّا ) لِأَنَّ مَنْ وَصَلَ إلَى مَكَان عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ أَهْلِهِ ، وَهُنَا لَمَّا وَصَلَ إلَى مَكَّةَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ وَفَرَغَ مِنْهَا صَارَ فِي حُكْمِ الْمَكِّيِّ سَوَاءٌ سَاقَ الْهَدْيَ أَمْ لَا ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ فَمِيقَاتُهُ الْحَرَمُ أَوْ الْعُمْرَةُ فَالْحِلُّ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي الْحِلِّيِّ ، وَهُوَ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ فَإِنَّ مِيقَاتَهُ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ الْحِلُّ ، فَإِذَا أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ إلَّا أَنْ يَعُودَ كَمَا مَرَّ عَنْ ح وَصَرَّحَ بِهِ هُنَاكَ فِي النَّهْرِ وَاللُّبَابِ ( قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَا ) أَيْ الْمَكِّيُّ وَالْمُتَمَتِّعُ الَّذِي فِي حُكْمِهِ ، فَإِنَّ مِيقَاتَ الْمَكِّيِّ لِلْعُمْرَةِ الْحِلُّ ( قَوْلُهُ وَبِالْعَوْدِ ) أَرَادَ بِهِ مُطْلَقَ الذَّهَابِ إلَى الْمِيقَاتِ الْوَاجِبِ لِيَشْمَلَ قَوْلَهُ وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَا بِعُمْرَةٍ مِنْ الْحَرَمِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ خُرُوجُهُمَا إلَى الْحِلِّ لِيَسْقُطَ الدَّمُ ; وَلَيْسَ فِيهِ عَوْدٌ إلَيْهِ بَعْدَ الْكَيْنُونَةِ فِيهِ ( قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ ) أَيْ عَوْدًا مُمَاثِلًا لِمَا مَرَّ فِي الْآفَاقِيِّ بِأَنْ يَعُودَ إلَى الْمِيقَاتِ ثُمَّ يُحْرِمَ إنْ لَمْ يَكُنْ أَحْرَمَ ، وَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ وَلَمْ يَشْرَعْ فِي نُسُكٍ يَعُودُ إلَيْهِ وَيُلَبِّي .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث