نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج · الجزء الأول
حاشية الشبراملسي
( قَوْلُهُ : وَلَا تُنَجَّسُ قَلَّتَا الْمَاءِ إلَخْ ) أَيْ الْخَالِصِ ، أَمَّا مَا دُونَهُمَا وَكَمُلَ بِطَاهِرٍ كَمَاءِ وَرْدٍ وَفُرِضَ غَيْرَ مُغَيَّرٍ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّهَارَةِ ، وَلَكِنَّهُ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ ، فَحُكْمُهُ فِي التَّنَجُّسِ حُكْمُ الْقَلِيلِ ( قَوْلُهُ : لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ خَبَثًا بِدُونِ ( الـ ) انْتَهَى . وَفِي الْمَحَلِّيِّ أَيْضًا الْخَبَثُ انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَشَمِلَ ذَلِكَ ) لَعَلَّ وَجْهَ الشُّمُولِ أَنَّ الْمُرَادَ وَلَا تَنْجُسُ قُلَّتَا الْمَاءِ وَلَوْ احْتِمَالًا ( قَوْلُهُ : وَلِأَنَّا شَكَكْنَا فِي نَجَاسَةٍ مُنَجِّسَةٍ ) أَيْ فِي كَوْنِ النَّجَاسَةِ مُنَجِّسَةً ، فَالنَّجَاسَةُ مُحَقَّقَةٌ وَكَوْنُهَا مُنَجَّسَةً مَشْكُوكٌ فِيهِ ( قَوْلُهُ : مِنْ نَهْرٍ صَغِيرٍ غَيْرِ عَمِيقٍ ) وَضَابِطُ 75 غَيْرِ الْعَمِيقِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ مَا فِي إحْدَى الْحُفْرَتَيْنِ لَا يَتَحَرَّكُ مَا فِي الْأُخْرَى ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ حِيَاضِ الْأَخْلِيَةِ إذَا وَقَعَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا نَجَاسَةٌ ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ لَوْ حُرِّكَ وَاحِدٌ مِنْهَا تَحَرَّكَ مُجَاوِرُهُ ، وَهَكَذَا إلَى الْآخِرِ لَا يُحْكَمُ بِالتَّنْجِيسِ عَلَى مَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِلَّا حُكِمَ بِنَجَاسَةِ الْجَمِيعِ ، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ قَاسِمٍ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ : الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ بِالِاكْتِفَاءِ بِتَحَرُّكِ كُلِّ مُلَاصِقٍ بِتَحْرِيكِ مُلَاصِقِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِتَحْرِيكِ غَيْرِهِ إذَا بَلَغَ الْمَجْمُوعُ قُلَّتَيْنِ انْتَهَى .
أَقُولُ : وَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِالتَّحَرُّكِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَنِيفٍ ، وَإِنْ خَالَفَ عَمِيرَةُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ فَرَاجِعْهُ ، وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ : بِحَيْثُ يَتَحَرَّكُ مَا فِي كُلٍّ بِتَحَرُّكِ الْآخَرِ تَحَرُّكًا عَنِيفًا إلَخْ ، هَلْ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ عَنِيفًا بِقَوْلِهِ يَتَحَرَّكُ ، أَوْ بِقَوْلِهِ يَتَحَرَّكُ الْآخَرُ ، وَيَتَّجِهُ اعْتِبَارُهُ فِيهِمَا انْتَهَى ( قَوْلُهُ : دَافِعٌ لِلنَّجَاسَةِ ) أَيْ لِنَجَاسَةِ مَا وَقَعَتْ فِيهِ ، وَقُوَّةُ هَذَا الْكَلَامِ تَقْتَضِي بَقَاءَ الْحُفْرَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى طَهَارَتِهَا ، وَقَدْ يَشْكُلُ بِأَنَّ مَا فِي الْأَنْهَارِ الَّذِي بَيْنَهُمَا مُتَّصِلٌ بِحُفْرَةِ النَّجَسِ فَيُنَجَّسُ مِنْهُ لِقِلَّتِهِ وَبِمَا فِي الْحُفْرَةِ الْأُخْرَى فَيُنَجِّسُهُ لِقِلَّتِهِ فَرَاجِعْهُ ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ حَجَرٍ صَرَّحَ بِنَجَاسَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا انْتَهَى ( قَوْلُهُ مِنْ أَقْرَبِ مَوْضِعٍ إلَى النَّجَاسَةِ ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ : وَعَلَيْهِ فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمَاءَ قُلَّتَانِ فَقَطْ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ الِاغْتِرَافُ مِنْهُ ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي يَنْجُسُ بِالِانْفِصَالِ ، وَقِيلَ لَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ انْتَهَى .
( قَوْلُهُ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحِسِّيِّ وَالتَّقْدِيرِيِّ ) زَادَ ابْنُ حَجَرٍ : ثُمَّ إنْ وَافَقَهُ فِي الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ قَدَّرْنَاهُ مُخَالِفًا أَشَدَّ فِيهَا كَلَوْنِ الْحِبْرِ وَرِيحِ الْمِسْكِ وَطَعْمِ الْخَلِّ ، أَوْ فِي صِفَةٍ قَدَّرْنَاهُ مُخَالِفًا فِيهَا فَقَطْ انْتَهَى . وَبِهِ جَزَمَ الزِّيَادِيُّ نَقْلًا عَنْهُ ، وَبَقِيَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صِفَةٌ أَصْلًا كَبَوْلٍ لَا لَوْنَ لَهُ وَلَا طَعْمَ وَلَا رِيحَ ، فَهَلْ تَعْرِضُ الصِّفَاتُ الثَّلَاثُ كَمَا فِي الطَّاهِرِ ، أَوْ تَعْرِضُ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ وَيُكْتَفَى بِهَا فِيهِ نَظَرٌ ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ كَمَا مَرَّ : أَيْ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَالْمُتَغَيِّرُ بِمُسْتَغْنًى إلَخْ ، فَلَوْ كَانَ الْخَلِيطُ نَجِسًا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ اُعْتُبِرَ بِأَشَدِّ الصِّفَاتِ إلَخْ ( قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّهُ هُنَا يُكْتَفَى بِأَدْنَى إلَخْ ) أَيْ فِي التَّغَيُّرِ بِالنَّجِسِ وَهُنَاكَ : أَيْ فِي الْمُتَغَيِّرِ بِالطَّاهِرِ ( قَوْلُهُ : عَلَى تَحَقُّقِ كَوْنِهَا مِنْ الْبَوْلِ ) أَيْ 76 كَأَنْ كَانَتْ بِرَائِحَةِ الْبَوْلِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ لَوْنِهِ ( قَوْلُهُ وَهُبُوبِ رِيحٍ ) أَيْ أَوْ شَمْسٍ ( قَوْلُهُ : وَالْعِلَّةُ أَنَّ الْقَلِيلَ لَا يَطْهُرُ ) هِيَ قَوْلُهُ لِزَوَالِ سَبَبِ النَّجَاسَةِ ( قَوْلُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَطْهُرَ بِذَلِكَ ) سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَلَا تُنَجِّسُ مَائِعًا الْجَزْمُ بِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ ( قَوْلُهُ : فَلَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ ) مُرَادُهُ الرَّدُّ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مُسَلَّمٌ كَمَا ذُكِرَ مِنْ حَيْثُ الرَّاجِحُ ، وَابْنُ حَجَرٍ إنَّمَا قَصَدَ الْفَرْقَ عَلَى الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ عَوْدِ الطَّهَارَةِ بِزَوَالِ التَّغَيُّرِ بِنَفْسِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ فَلَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ .
( قَوْلُهُ : فَنَجِسٌ ) أَيْ مِنْ الْآنَ ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ زَالَ تَغَيُّرُهُ فَتَطْهُرُ مِنْهُ جُمِعَ ثُمَّ عَادَ تَغَيُّرُهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي فَعَلُوهَا وَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ أَبْدَانِهِمْ وَلَا ثِيَابِهِمْ ; لِأَنَّهُ بِزَوَالِ التَّغَيُّرِ حُكِمَ بِطَهُورِيَّتِهِ وَالتَّغَيُّرُ الثَّانِي يَجُوزُ أَنَّهُ بِنَجَاسَةٍ تَحَلَّلَتْ مِنْهُ بَعْدُ وَهِيَ لَا تَضُرُّ فِيمَا مَضَى ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْعُبَابِ لِلشَّارِحِ مَا نَصُّهُ وَلَوْ زَالَ التَّغَيُّرُ بِالنَّجَاسَةِ مِنْ الْمَاءِ الْكَثِيرِ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ وَالنَّجَاسَةُ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ تِلْكَ النَّجَاسَةَ جَامِدَةٌ بَاقِيَةٌ فِيهِ حَتَّى عَادَ التَّغَيُّرُ فَهُوَ نَجَسٌ : أَيْ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ ; لِأَنَّ بَقَاءَهَا فِيهِ مَعَ جُمُودِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّغَيُّرَ الثَّانِيَ مِنْهَا انْتَهَى .
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا نَظَرَ إلَى طُولِ زَمَانِ انْتِفَاءِ التَّغَيُّرِ بَعْدَ زَوَالِهِ وَقِصَرِهِ ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّهُ بِزَوَالِ التَّغَيُّرِ حُكِمَ بِطَهُورِيَّةِ الْمَاءِ ، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ مَا لَوْ مَاتَ حَيَوَانٌ فِي الْمَاءِ وَمَضَتْ مُدَّةٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهَا الْمَاءُ بَعْدَ مَوْتِ الْحَيَوَانِ فِيهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ بَعْدُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ إلَى التَّغَيُّرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ ، فَبَقَاءُ الْجَامِدِ فِي الْمَاءِ بَعْدَ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى بَقَاءِ الْمَيْتَةِ فِيهِ مُدَّةً بِلَا تَغَيُّرٍ . وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ حَمْدَانَ : وَلَوْ زَالَ تَغَيُّرُ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِالنَّجَاسَةِ وَعَادَ عَادَ تَنَجُّسُهُ بِعَوْدِ تَغَيُّرِهِ ، وَالْحَالَةُ أَنَّ النَّجَسَ الْجَامِدَ بَاقٍ فِيهِ إحَالَةً لِلتَّغَيُّرِ الثَّانِي عَلَيْهِ انْتَهَى . وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ الْعَائِدَ غَيْرُ التَّغَيُّرِ الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا نَشَأَ مِنْ تَحَلُّلٍ حَصَلَ فِي النَّجَاسَةِ بَعْدَ طَهَارَةِ الْمَاءِ فَلَا أَثَرَ لِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِي الطَّهَارَةِ مَا دَامَ الْمَاءُ صَافِيًا مِنْ التَّغَيُّرِ ( قَوْلُهُ : لَمْ يَنْجُسْ ) وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ التَّغَيُّرُ وَشُكَّ فِي سَبَبِهِ لَمْ يَضُرَّ كَمَا يَقَعُ فِي الْفَسَاقِيِّ . وَفِي ابْنِ حَجَرٍ مَا حَاصِلُهُ التَّرَدُّدُ فِيمَا لَوْ زَالَ نَحْوَ رِيحٍ مُتَنَجِّسٍ بِالْغَسْلِ ثُمَّ عَادَ .
أَقُولُ : وَمَحَلُّهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ أَمْكَنَ وُجُودُ سَبَبٍ آخَرَ يُحَالُ عَلَيْهِ عَوْدُ الصِّفَةِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ حُكْمٌ بِبَقَاءِ نَجَاسَتِهِ حَيْثُ تَتَغَيَّرُ وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ تَغَيُّرِهَا ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يُحَالُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ الثَّانِي ، وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَلَوْ عَادَ التَّغَيُّرُ لَمْ يَضُرَّ : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ أَنَّهُ بِتَرَوُّحٍ نَجَسٍ آخَرَ كَمَا شَمِلَهُ إطْلَاقُهُمْ انْتَهَى ( قَوْلُهُ : وَطَهَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا ) ظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ اللُّغَتَيْنِ فِي كُلِّ مَا قَامَتْ بِهِ الطَّهَارَةُ بَدَنًا كَانَ أَوْ ثَوْبًا .
وَفِي الْمِصْبَاحِ : طَهَرَ الشَّيْءُ مِنْ بَابَيْ قَتَلَ وَقَرُبَ طَهَارَةً ، وَالِاسْمُ الطُّهْرُ وَهُوَ النَّقَاءُ مِنْ الدَّنَسِ وَالنَّجَسِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ مِنْ بَابِ قَتَلَ ، وَفِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ مِنْ بَابِ قَرُبَ وَتَطَهَّرَتْ اغْتَسَلَتْ ا هـ .
فَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى مَا لَوْ أَسْنَدَ الْفِعْلَ إلَى الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ ، فَقِيلَ طَهُرَ الثَّوْبُ أَوْ الْمَكَانُ لِيَكُونَا مُتَسَاوِيَيْنِ ( قَوْلُهُ : بِالشَّكِّ الْآتِي ) أَيْ فِي قَوْلِهِ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ زَالَ إلَخْ ( قَوْلُهُ : تَغَيَّرَ رِيحُهُ ) هُوَ بِالرَّفْعِ فَاعِلُ زَالَ 77 قَوْلُهُ : وَلَوْنُهُ ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَاسْتِعْمَالُهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى مَجَازٌ ( قَوْلُهُ حَالَ كُدُورَتِهِ ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ حَالَ ظُهُورِ رِيحِ الْمِسْكِ أَوْ لَوْنِ الزَّعْفَرَانِ أَوْ طَعْمِ الْخَلِّ ; لِأَنَّ الْكُدُورَةَ لَا تَشْمَلَ غَيْرَ اللَّوْنِ ، إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْكُدُورَةِ مُطْلَقَ التَّغَيُّرِ ( قَوْلُهُ : لَمَّا تَقَدَّمَ ) أَيْ فِي قَوْلِهِ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ إلَخْ ( قَوْلُهُ كَتُرَابِ الْمَقَابِرِ ) وَمِثْلُهُ رَغِيفٌ أَصَابَهُ رَطْبًا نَحْوَ زِبْلٍ .
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ : وَبَحَثَ الْقَمُولِيُّ نَجَاسَةَ جَمِيعِ رَغِيفٍ أَصَابَهُ كَثِيرُهُ : أَيْ كَثِيرُ دُخَانِ النَّجَاسَةِ لِرُطُوبَتِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ جَامِدٌ ، فَلَا يَتَنَجَّسُ إلَّا مُمَاسَّةً فَقَطْ وَلَا يُطَهِّرُهُ الْمَاءُ انْتَهَى رَحِمَهُ اللَّهُ : أَيْ ; لِأَنَّ الدُّخَانَ أَجْزَاءٌ تَفْصِلُهَا النَّارُ وَإِذَا اتَّصَلَتْ بِالرَّغِيفِ صَارَ ظَاهِرُهُ كَتُرَابِ الْمَقَابِرِ الْمَنْبُوشَةِ ، وَهُوَ لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ لِاخْتِلَاطِهِ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ ، وَخَرَجَ بِالتُّرَابِ غَيْرُهُ كَالْكَفَنِ وَالْقُطْنِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ، وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَ الشَّارِحِ بَعْدُ ، وَغَيْرُ التُّرَابِ مِثْلُهُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِغَيْرِ التُّرَابِ مَا يَسْتُرُ النَّجَاسَةَ مِنْ الْمِسْكِ وَالْخَلِّ وَنَحْوِهِمَا ( قَوْلُهُ : فَزَالَ تَغَيُّرُهُ طَهُرَ ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِلزَّعْفَرَانِ طَعْمٌ وَلَا لِلْمِسْكِ لَوْنٌ يَسْتُرُ النَّجَاسَةَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ زَوَالَ الرِّيحِ وَالطَّعْمِ بِنَحْوِ زَعْفَرَانٍ لَا طَعْمَ لَهُ وَلَا رِيحَ ، وَالطَّعْمُ وَاللَّوْنُ بِنَحْوِ مِسْكٍ ، وَاللَّوْنُ وَالرِّيحُ بِنَحْوِ خَلٍّ لَا لَوْنَ لَهُ وَلَا رِيحَ يَقْتَضِي عَوْدَ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ وِفَاقًا لِجَمْعٍ مِنْ الشُّرَّاحِ ; لِأَنَّهُ لَا يُشَكُّ فِي الِاسْتِتَارِ حِينَئِذٍ وَلَا يَشْكُلُ ، هَذَا بِإِيجَابٍ نَحْوَ صَابُونٍ تَوَقَّفَتْ عَلَيْهِ إزَالَةُ النَّجَسِ مَعَ احْتِمَالِ سَتْرِهِ لِرِيحِهِ بِرِيحِهِ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ ذَاكَ أَنَّهُ مُزِيلٌ لَا سَاتِرَ ، بِخِلَافِ هَذَا انْتَهَى بِحُرُوفِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ .
( قَوْلُهُ : فَعُلِمَ أَنَّ الْكَلَامَ إلَخْ ) يُؤْخَذُ مِنْهُ رَدُّ كَلَامِ مَنْ قَالَ كَالْقَفَّالِ : إنَّ الْمُجَاوِرَ لَا يَضُرُّ فِي عَوْدِ الطَّهُورِيَّةِ حَيْثُ أَطْلَقَ فِيهِ ( قَوْلُهُ أَوْ مُجَاوِرٌ ) قَدْ يُخَالِفُهُ مَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ حَيْثُ قَالَ : لَوْ زَالَ التَّغَيُّرُ 78 بِمُجَاوِرٍ عَادَ طَهُورًا كَمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ ، وَيَدُلُّ لَهُ التَّمْثِيلُ بِالْمُخَالِطِ انْتَهَى بِحُرُوفِهِ . لَا يُقَالُ يُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُجَاوِرِ رِيحٌ ; لِأَنَّا نَقُولُ : الْمُخَالِطُ حُكْمُهُ كَذَلِكَ ، فَلَوْ وَقَعَ فِيهِ مِسْكٌ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ رَائِحَةٌ قُلْنَا بِعُودِ الطَّهَارَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ .
وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ عَلَى الْوَاقِعِ فِي الْمَاءِ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ تَرَوَّحَ الْمَاءُ بِنَحْوِ مِسْكٍ عَلَى الشَّطِّ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ زَوَالِ النَّجَاسَةِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادًا ; لِأَنَّ ظُهُورَ الرَّائِحَةِ فِي الْمَاءِ يَسْتُرُ رَائِحَةَ النَّجَاسَةِ ، وَلَا فَرْقَ مَعَ وُجُودِ السَّاتِرِ بَيْنَ كَوْنِهِ فِي الْمَاءِ وَكَوْنِهِ خَارِجًا عَنْهُ هَذَا . وَفِي ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ أَنَّهُ إذَا زَالَتْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ بِرَائِحَةِ مَا عَلَى الشَّطِّ لَمْ يُحْكَمْ بِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافًا فِي الْمُجَاوِرِ ، فَيَلْحَقُ بِهِ عِنْدَ الشَّارِحِ الزَّوَالُ بِرَائِحَةِ مَا عَلَى الشَّطِّ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ( قَوْلُهُ : وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْجِبْسِ ) وَفَسَّرَهُ الْمَحَلِّيُّ هُنَا بِمَا ذُكِرَ ، وَفِي الْجَنَائِزِ بِالْجِيرِ فَيُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ إطْلَاقُهُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا
( قَوْلُهُ : وَلَا تُنَجَّسُ قَلَّتَا الْمَاءِ إلَخْ ) أَيْ الْخَالِصِ ، أَمَّا مَا دُونَهُمَا وَكَمُلَ بِطَاهِرٍ كَمَاءِ وَرْدٍ وَفُرِضَ غَيْرَ مُغَيَّرٍ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّهَارَةِ ، وَلَكِنَّهُ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ ، فَحُكْمُهُ فِي التَّنَجُّسِ حُكْمُ الْقَلِيلِ ( قَوْلُهُ : لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ خَبَثًا بِدُونِ ( الـ ) انْتَهَى . وَفِي الْمَحَلِّيِّ أَيْضًا الْخَبَثُ انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَشَمِلَ ذَلِكَ ) لَعَلَّ وَجْهَ الشُّمُولِ أَنَّ الْمُرَادَ وَلَا تَنْجُسُ قُلَّتَا الْمَاءِ وَلَوْ احْتِمَالًا ( قَوْلُهُ : وَلِأَنَّا شَكَكْنَا فِي نَجَاسَةٍ مُنَجِّسَةٍ ) أَيْ فِي كَوْنِ النَّجَاسَةِ مُنَجِّسَةً ، فَالنَّجَاسَةُ مُحَقَّقَةٌ وَكَوْنُهَا مُنَجَّسَةً مَشْكُوكٌ فِيهِ ( قَوْلُهُ : مِنْ نَهْرٍ صَغِيرٍ غَيْرِ عَمِيقٍ ) وَضَابِطُ 75 غَيْرِ الْعَمِيقِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ مَا فِي إحْدَى الْحُفْرَتَيْنِ لَا يَتَحَرَّكُ مَا فِي الْأُخْرَى ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ حِيَاضِ الْأَخْلِيَةِ إذَا وَقَعَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا نَجَاسَةٌ ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ لَوْ حُرِّكَ وَاحِدٌ مِنْهَا تَحَرَّكَ مُجَاوِرُهُ ، وَهَكَذَا إلَى الْآخِرِ لَا يُحْكَمُ بِالتَّنْجِيسِ عَلَى مَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِلَّا حُكِمَ بِنَجَاسَةِ الْجَمِيعِ ، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ قَاسِمٍ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ : الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ بِالِاكْتِفَاءِ بِتَحَرُّكِ كُلِّ مُلَاصِقٍ بِتَحْرِيكِ مُلَاصِقِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِتَحْرِيكِ غَيْرِهِ إذَا بَلَغَ الْمَجْمُوعُ قُلَّتَيْنِ انْتَهَى .
أَقُولُ : وَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِالتَّحَرُّكِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَنِيفٍ ، وَإِنْ خَالَفَ عَمِيرَةُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ فَرَاجِعْهُ ، وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ : بِحَيْثُ يَتَحَرَّكُ مَا فِي كُلٍّ بِتَحَرُّكِ الْآخَرِ تَحَرُّكًا عَنِيفًا إلَخْ ، هَلْ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ عَنِيفًا بِقَوْلِهِ يَتَحَرَّكُ ، أَوْ بِقَوْلِهِ يَتَحَرَّكُ الْآخَرُ ، وَيَتَّجِهُ اعْتِبَارُهُ فِيهِمَا انْتَهَى ( قَوْلُهُ : دَافِعٌ لِلنَّجَاسَةِ ) أَيْ لِنَجَاسَةِ مَا وَقَعَتْ فِيهِ ، وَقُوَّةُ هَذَا الْكَلَامِ تَقْتَضِي بَقَاءَ الْحُفْرَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى طَهَارَتِهَا ، وَقَدْ يَشْكُلُ بِأَنَّ مَا فِي الْأَنْهَارِ الَّذِي بَيْنَهُمَا مُتَّصِلٌ بِحُفْرَةِ النَّجَسِ فَيُنَجَّسُ مِنْهُ لِقِلَّتِهِ وَبِمَا فِي الْحُفْرَةِ الْأُخْرَى فَيُنَجِّسُهُ لِقِلَّتِهِ فَرَاجِعْهُ ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ حَجَرٍ صَرَّحَ بِنَجَاسَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا انْتَهَى ( قَوْلُهُ مِنْ أَقْرَبِ مَوْضِعٍ إلَى النَّجَاسَةِ ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ : وَعَلَيْهِ فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمَاءَ قُلَّتَانِ فَقَطْ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ الِاغْتِرَافُ مِنْهُ ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي يَنْجُسُ بِالِانْفِصَالِ ، وَقِيلَ لَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ انْتَهَى .
( قَوْلُهُ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحِسِّيِّ وَالتَّقْدِيرِيِّ ) زَادَ ابْنُ حَجَرٍ : ثُمَّ إنْ وَافَقَهُ فِي الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ قَدَّرْنَاهُ مُخَالِفًا أَشَدَّ فِيهَا كَلَوْنِ الْحِبْرِ وَرِيحِ الْمِسْكِ وَطَعْمِ الْخَلِّ ، أَوْ فِي صِفَةٍ قَدَّرْنَاهُ مُخَالِفًا فِيهَا فَقَطْ انْتَهَى . وَبِهِ جَزَمَ الزِّيَادِيُّ نَقْلًا عَنْهُ ، وَبَقِيَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صِفَةٌ أَصْلًا كَبَوْلٍ لَا لَوْنَ لَهُ وَلَا طَعْمَ وَلَا رِيحَ ، فَهَلْ تَعْرِضُ الصِّفَاتُ الثَّلَاثُ كَمَا فِي الطَّاهِرِ ، أَوْ تَعْرِضُ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ وَيُكْتَفَى بِهَا فِيهِ نَظَرٌ ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ كَمَا مَرَّ : أَيْ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَالْمُتَغَيِّرُ بِمُسْتَغْنًى إلَخْ ، فَلَوْ كَانَ الْخَلِيطُ نَجِسًا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ اُعْتُبِرَ بِأَشَدِّ الصِّفَاتِ إلَخْ ( قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّهُ هُنَا يُكْتَفَى بِأَدْنَى إلَخْ ) أَيْ فِي التَّغَيُّرِ بِالنَّجِسِ وَهُنَاكَ : أَيْ فِي الْمُتَغَيِّرِ بِالطَّاهِرِ ( قَوْلُهُ : عَلَى تَحَقُّقِ كَوْنِهَا مِنْ الْبَوْلِ ) أَيْ 76 كَأَنْ كَانَتْ بِرَائِحَةِ الْبَوْلِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ لَوْنِهِ ( قَوْلُهُ وَهُبُوبِ رِيحٍ ) أَيْ أَوْ شَمْسٍ ( قَوْلُهُ : وَالْعِلَّةُ أَنَّ الْقَلِيلَ لَا يَطْهُرُ ) هِيَ قَوْلُهُ لِزَوَالِ سَبَبِ النَّجَاسَةِ ( قَوْلُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَطْهُرَ بِذَلِكَ ) سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَلَا تُنَجِّسُ مَائِعًا الْجَزْمُ بِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ ( قَوْلُهُ : فَلَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ ) مُرَادُهُ الرَّدُّ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مُسَلَّمٌ كَمَا ذُكِرَ مِنْ حَيْثُ الرَّاجِحُ ، وَابْنُ حَجَرٍ إنَّمَا قَصَدَ الْفَرْقَ عَلَى الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ عَوْدِ الطَّهَارَةِ بِزَوَالِ التَّغَيُّرِ بِنَفْسِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ فَلَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ .
( قَوْلُهُ : فَنَجِسٌ ) أَيْ مِنْ الْآنَ ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ زَالَ تَغَيُّرُهُ فَتَطْهُرُ مِنْهُ جُمِعَ ثُمَّ عَادَ تَغَيُّرُهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي فَعَلُوهَا وَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ أَبْدَانِهِمْ وَلَا ثِيَابِهِمْ ; لِأَنَّهُ بِزَوَالِ التَّغَيُّرِ حُكِمَ بِطَهُورِيَّتِهِ وَالتَّغَيُّرُ الثَّانِي يَجُوزُ أَنَّهُ بِنَجَاسَةٍ تَحَلَّلَتْ مِنْهُ بَعْدُ وَهِيَ لَا تَضُرُّ فِيمَا مَضَى ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْعُبَابِ لِلشَّارِحِ مَا نَصُّهُ وَلَوْ زَالَ التَّغَيُّرُ بِالنَّجَاسَةِ مِنْ الْمَاءِ الْكَثِيرِ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ وَالنَّجَاسَةُ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ تِلْكَ النَّجَاسَةَ جَامِدَةٌ بَاقِيَةٌ فِيهِ حَتَّى عَادَ التَّغَيُّرُ فَهُوَ نَجَسٌ : أَيْ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ ; لِأَنَّ بَقَاءَهَا فِيهِ مَعَ جُمُودِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّغَيُّرَ الثَّانِيَ مِنْهَا انْتَهَى .
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا نَظَرَ إلَى طُولِ زَمَانِ انْتِفَاءِ التَّغَيُّرِ بَعْدَ زَوَالِهِ وَقِصَرِهِ ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّهُ بِزَوَالِ التَّغَيُّرِ حُكِمَ بِطَهُورِيَّةِ الْمَاءِ ، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ مَا لَوْ مَاتَ حَيَوَانٌ فِي الْمَاءِ وَمَضَتْ مُدَّةٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهَا الْمَاءُ بَعْدَ مَوْتِ الْحَيَوَانِ فِيهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ بَعْدُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ إلَى التَّغَيُّرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ ، فَبَقَاءُ الْجَامِدِ فِي الْمَاءِ بَعْدَ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى بَقَاءِ الْمَيْتَةِ فِيهِ مُدَّةً بِلَا تَغَيُّرٍ . وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ حَمْدَانَ : وَلَوْ زَالَ تَغَيُّرُ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِالنَّجَاسَةِ وَعَادَ عَادَ تَنَجُّسُهُ بِعَوْدِ تَغَيُّرِهِ ، وَالْحَالَةُ أَنَّ النَّجَسَ الْجَامِدَ بَاقٍ فِيهِ إحَالَةً لِلتَّغَيُّرِ الثَّانِي عَلَيْهِ انْتَهَى . وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ الْعَائِدَ غَيْرُ التَّغَيُّرِ الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا نَشَأَ مِنْ تَحَلُّلٍ حَصَلَ فِي النَّجَاسَةِ بَعْدَ طَهَارَةِ الْمَاءِ فَلَا أَثَرَ لِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِي الطَّهَارَةِ مَا دَامَ الْمَاءُ صَافِيًا مِنْ التَّغَيُّرِ ( قَوْلُهُ : لَمْ يَنْجُسْ ) وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ التَّغَيُّرُ وَشُكَّ فِي سَبَبِهِ لَمْ يَضُرَّ كَمَا يَقَعُ فِي الْفَسَاقِيِّ . وَفِي ابْنِ حَجَرٍ مَا حَاصِلُهُ التَّرَدُّدُ فِيمَا لَوْ زَالَ نَحْوَ رِيحٍ مُتَنَجِّسٍ بِالْغَسْلِ ثُمَّ عَادَ .
أَقُولُ : وَمَحَلُّهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ أَمْكَنَ وُجُودُ سَبَبٍ آخَرَ يُحَالُ عَلَيْهِ عَوْدُ الصِّفَةِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ حُكْمٌ بِبَقَاءِ نَجَاسَتِهِ حَيْثُ تَتَغَيَّرُ وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ تَغَيُّرِهَا ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يُحَالُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ الثَّانِي ، وَيُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَلَوْ عَادَ التَّغَيُّرُ لَمْ يَضُرَّ : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ أَنَّهُ بِتَرَوُّحٍ نَجَسٍ آخَرَ كَمَا شَمِلَهُ إطْلَاقُهُمْ انْتَهَى ( قَوْلُهُ : وَطَهَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا ) ظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ اللُّغَتَيْنِ فِي كُلِّ مَا قَامَتْ بِهِ الطَّهَارَةُ بَدَنًا كَانَ أَوْ ثَوْبًا .
وَفِي الْمِصْبَاحِ : طَهَرَ الشَّيْءُ مِنْ بَابَيْ قَتَلَ وَقَرُبَ طَهَارَةً ، وَالِاسْمُ الطُّهْرُ وَهُوَ النَّقَاءُ مِنْ الدَّنَسِ وَالنَّجَسِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ مِنْ بَابِ قَتَلَ ، وَفِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ مِنْ بَابِ قَرُبَ وَتَطَهَّرَتْ اغْتَسَلَتْ ا هـ .
فَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى مَا لَوْ أَسْنَدَ الْفِعْلَ إلَى الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ ، فَقِيلَ طَهُرَ الثَّوْبُ أَوْ الْمَكَانُ لِيَكُونَا مُتَسَاوِيَيْنِ ( قَوْلُهُ : بِالشَّكِّ الْآتِي ) أَيْ فِي قَوْلِهِ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ زَالَ إلَخْ ( قَوْلُهُ : تَغَيَّرَ رِيحُهُ ) هُوَ بِالرَّفْعِ فَاعِلُ زَالَ 77 قَوْلُهُ : وَلَوْنُهُ ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَاسْتِعْمَالُهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى مَجَازٌ ( قَوْلُهُ حَالَ كُدُورَتِهِ ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ حَالَ ظُهُورِ رِيحِ الْمِسْكِ أَوْ لَوْنِ الزَّعْفَرَانِ أَوْ طَعْمِ الْخَلِّ ; لِأَنَّ الْكُدُورَةَ لَا تَشْمَلَ غَيْرَ اللَّوْنِ ، إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْكُدُورَةِ مُطْلَقَ التَّغَيُّرِ ( قَوْلُهُ : لَمَّا تَقَدَّمَ ) أَيْ فِي قَوْلِهِ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ إلَخْ ( قَوْلُهُ كَتُرَابِ الْمَقَابِرِ ) وَمِثْلُهُ رَغِيفٌ أَصَابَهُ رَطْبًا نَحْوَ زِبْلٍ .
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ : وَبَحَثَ الْقَمُولِيُّ نَجَاسَةَ جَمِيعِ رَغِيفٍ أَصَابَهُ كَثِيرُهُ : أَيْ كَثِيرُ دُخَانِ النَّجَاسَةِ لِرُطُوبَتِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ جَامِدٌ ، فَلَا يَتَنَجَّسُ إلَّا مُمَاسَّةً فَقَطْ وَلَا يُطَهِّرُهُ الْمَاءُ انْتَهَى رَحِمَهُ اللَّهُ : أَيْ ; لِأَنَّ الدُّخَانَ أَجْزَاءٌ تَفْصِلُهَا النَّارُ وَإِذَا اتَّصَلَتْ بِالرَّغِيفِ صَارَ ظَاهِرُهُ كَتُرَابِ الْمَقَابِرِ الْمَنْبُوشَةِ ، وَهُوَ لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ لِاخْتِلَاطِهِ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ ، وَخَرَجَ بِالتُّرَابِ غَيْرُهُ كَالْكَفَنِ وَالْقُطْنِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ، وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَ الشَّارِحِ بَعْدُ ، وَغَيْرُ التُّرَابِ مِثْلُهُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِغَيْرِ التُّرَابِ مَا يَسْتُرُ النَّجَاسَةَ مِنْ الْمِسْكِ وَالْخَلِّ وَنَحْوِهِمَا ( قَوْلُهُ : فَزَالَ تَغَيُّرُهُ طَهُرَ ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِلزَّعْفَرَانِ طَعْمٌ وَلَا لِلْمِسْكِ لَوْنٌ يَسْتُرُ النَّجَاسَةَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ زَوَالَ الرِّيحِ وَالطَّعْمِ بِنَحْوِ زَعْفَرَانٍ لَا طَعْمَ لَهُ وَلَا رِيحَ ، وَالطَّعْمُ وَاللَّوْنُ بِنَحْوِ مِسْكٍ ، وَاللَّوْنُ وَالرِّيحُ بِنَحْوِ خَلٍّ لَا لَوْنَ لَهُ وَلَا رِيحَ يَقْتَضِي عَوْدَ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ وِفَاقًا لِجَمْعٍ مِنْ الشُّرَّاحِ ; لِأَنَّهُ لَا يُشَكُّ فِي الِاسْتِتَارِ حِينَئِذٍ وَلَا يَشْكُلُ ، هَذَا بِإِيجَابٍ نَحْوَ صَابُونٍ تَوَقَّفَتْ عَلَيْهِ إزَالَةُ النَّجَسِ مَعَ احْتِمَالِ سَتْرِهِ لِرِيحِهِ بِرِيحِهِ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ ذَاكَ أَنَّهُ مُزِيلٌ لَا سَاتِرَ ، بِخِلَافِ هَذَا انْتَهَى بِحُرُوفِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ .
( قَوْلُهُ : فَعُلِمَ أَنَّ الْكَلَامَ إلَخْ ) يُؤْخَذُ مِنْهُ رَدُّ كَلَامِ مَنْ قَالَ كَالْقَفَّالِ : إنَّ الْمُجَاوِرَ لَا يَضُرُّ فِي عَوْدِ الطَّهُورِيَّةِ حَيْثُ أَطْلَقَ فِيهِ ( قَوْلُهُ أَوْ مُجَاوِرٌ ) قَدْ يُخَالِفُهُ مَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ حَيْثُ قَالَ : لَوْ زَالَ التَّغَيُّرُ 78 بِمُجَاوِرٍ عَادَ طَهُورًا كَمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ ، وَيَدُلُّ لَهُ التَّمْثِيلُ بِالْمُخَالِطِ انْتَهَى بِحُرُوفِهِ . لَا يُقَالُ يُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُجَاوِرِ رِيحٌ ; لِأَنَّا نَقُولُ : الْمُخَالِطُ حُكْمُهُ كَذَلِكَ ، فَلَوْ وَقَعَ فِيهِ مِسْكٌ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ رَائِحَةٌ قُلْنَا بِعُودِ الطَّهَارَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ .
وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ عَلَى الْوَاقِعِ فِي الْمَاءِ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ تَرَوَّحَ الْمَاءُ بِنَحْوِ مِسْكٍ عَلَى الشَّطِّ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ زَوَالِ النَّجَاسَةِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادًا ; لِأَنَّ ظُهُورَ الرَّائِحَةِ فِي الْمَاءِ يَسْتُرُ رَائِحَةَ النَّجَاسَةِ ، وَلَا فَرْقَ مَعَ وُجُودِ السَّاتِرِ بَيْنَ كَوْنِهِ فِي الْمَاءِ وَكَوْنِهِ خَارِجًا عَنْهُ هَذَا . وَفِي ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ أَنَّهُ إذَا زَالَتْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ بِرَائِحَةِ مَا عَلَى الشَّطِّ لَمْ يُحْكَمْ بِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافًا فِي الْمُجَاوِرِ ، فَيَلْحَقُ بِهِ عِنْدَ الشَّارِحِ الزَّوَالُ بِرَائِحَةِ مَا عَلَى الشَّطِّ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ( قَوْلُهُ : وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْجِبْسِ ) وَفَسَّرَهُ الْمَحَلِّيُّ هُنَا بِمَا ذُكِرَ ، وَفِي الْجَنَائِزِ بِالْجِيرِ فَيُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ إطْلَاقُهُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith