المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الرابع
وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ } فَهُوَ خَبَرٌ صَحِيحٌ ; لَوْ لَمْ يَأْتِ مَا يَخُصُّهُ لَمْ يَجُزْ خِلَافُهُ لِأَحَدٍ . 23 لَكِنْ وَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَمْرٌو النَّاقِدِ ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالُوا كُلُّهُمْ : ثنا وَكِيعٌ : وَقَالَ الطَّلْمَنْكِيُّ : ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيُّ ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ - : ثُمَّ اتَّفَقَ وَكِيعٌ ، وَيَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقِ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ } . قَالَ وَكِيعٌ فِي رِوَايَتِهِ " مِنْ تَمْرٍ " وَاتَّفَقَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ ، فَنَفَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّدَقَةَ عَنْ كُلِّ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ . وَلَفْظَةُ " دُونَ " فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ تَقَعُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ وُقُوعًا مُسْتَوِيًا ، لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ ، وَهُمَا بِمَعْنَى : أَقَلُّ ، وَبِمَعْنَى : غَيْرُ ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا } أَيْ مِنْ غَيْرِي .
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ } أَيْ مِنْ غَيْرِهِمْ .
وَحَيْثُمَا وَقَعَتْ لَفْظَةُ " دُونَ " فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ بِمَعْنَى : غَيْرُ ; فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَصِرَ بِلَفْظَةِ " دُونَ " فِي هَذَا الْخَبَرِ عَلَى مَعْنَى : أَقَلُّ دُونَ مَعْنَى : غَيْرُ 24
وَنَحْنُ إذَا حَمَلْنَا " دُونَ " هَاهُنَا عَلَى مَعْنَى : غَيْرُ دَخَلَ فِيهِ : أَقَلُّ ; وَتَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ نَصٍّ لَا يَحِلُّ . فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ ، وَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِنَصِّ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ عَلَى ذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ فِي الْإِبِلِ ، وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَبِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقِّنِ وَالنَّصِّ أَيْضًا .
وَسَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَمَّا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَلَا نَصَّ فِيهِ ، بِنَفْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ عَنْ كُلِّ مَا هُوَ غَيْرُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ ثُمَّ وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ " حَبٍّ " فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا خَاطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْحَبُّ : الْبُرُّ ، وَالْقَضْبُ : الْفِصْفِصَةُ ، فَاقْتَصَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ - وَهُوَ الْحُجَّةُ فِي اللُّغَةِ - بِالْحَبِّ عَلَى الْبُرِّ . وَذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد الدِّينَوَرِيُّ اللُّغَوِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي النَّبَاتِ فِي بَابِ تَرْجَمَتِهِ " بَابُ الزَّرْعِ وَالْحَرْثِ وَأَسْمَاءِ الْحَبِّ وَالْقَطَانِيِّ وَأَوْصَافِهَا " فَقَالَ - : قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَهُوَ الشَّيْبَانِيُّ - جَمِيعُ بُزُورِ النَّبَاتِ يُقَالُ لَهَا " الْحِبَّةُ " بِكَسْرِ الْحَاءِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ كَمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : { فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ } : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ : وَقَالَ الْكِسَائِيُّ : وَاحِدُ الْحَبَّةِ : حَبَّةُ ، 25 بِفَتْحِ الْحَاءِ ; فَأَمَّا الْحَبُّ فَلَيْسَ إلَّا الْحِنْطَةَ ، وَالشَّعِيرَ ، وَاحِدُهَا حَبَّةٌ ، بِفَتْحِ الْحَاءِ ; وَإِنَّمَا افْتَرَقَتَا فِي الْجَمْعِ . ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ بَعْدَ هَذَا الْفَصْلِ - إثْرَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ لِأَبِي نَصْرٍ صَاحِبِ الْأَصْمَعِيِّ كَلَامًا نَصُّهُ : وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْحُبُوبِ كَالْأُرْزِ ، وَالدَّخَنِ ، قَالَ عَلِيٌّ : فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ جُمُوعٍ - : الْحَبُّ لِلْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرُ خَاصَّةً ، وَالْحِبَّةُ - بِكَسْرِ الْحَاءِ وَزِيَادَةِ الْهَاءِ فِي آخِرِهَا - لِكُلِّ مَا عَدَاهُمَا مِنْ الْبُزُورِ خَاصَّةً ، وَالْحُبُوبُ لِلْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الْبُزُورِ . وَالْكِسَائِيُّ إمَامٌ فِي اللُّغَةِ ، وَفِي الدِّينِ ، وَالْعَدَالَةِ . فَإِذْ قَدْ صَحَّ أَنَّ الْحَبَّ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصًّا بِنَفْيِ الزَّكَاةِ عَنْ غَيْرِهِمَا وَغَيْرِ التَّمْرِ - : فَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ النَّبَاتِ غَيْرِهِمَا وَغَيْرِ التَّمْرِ .
وَقَدْ رَوَى مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ ، عَمَّنْ لَا يُوثَقُ بِهِ ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ ، عَمَّنْ لَا يُوثَقُ بِهِ إيجَابَ الزَّكَاةِ فِي الْحُبُوبِ - وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبِ الْأَنْدَلُسِيُّ عَنْ الطَّلْحِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَهُوَ أَيْضًا مُنْقَطِعٌ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ السَّلَفِ بِمِثْلِ هَذَا ، وَزَادُوا إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ : الزَّبِيبَ . كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، وَطَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - : قَالَ عَمْرٌو عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ : { أَنَّ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ لَمْ يَأْخُذْ الصَّدَقَةَ إلَّا مِنْ الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ } .
وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا إلَّا مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ثنا حَجَّاجٌ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي صَدَقَةِ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ ، قَالَ : مَا كَانَ مِنْ نَخْلٍ ، أَوْ عِنَبٍ ، أَوْ حِنْطَةٍ ، أَوْ شَعِيرٍ . 26 وَبِهِ إلَى أَبِي عُبَيْدٍ : ثنا يَزِيدُ عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْعُشْرَ إلَّا فِي الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ أَشْعَثَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيُّ - عَنْ الْحَسَنِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا قَالَا : الصَّدَقَةُ فِي تِسْعَةِ أَشْيَاءَ - : الذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ ، وَالْإِبِلِ ، وَالْبَقَرِ ، وَالْغَنَمِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ . حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا حُمَيْدٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْحَسَنِ هُوَ ابْنُ حَيٍّ - عَنْ مُطَرِّفٍ - قَالَ قَالَ لِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَقَدْ سَأَلْته عَنْ الْأَقْطَانِ ، وَالسَّمَاسِمِ : أَفِيهَا صَدَقَةٌ . قَالَ : مَا حَفِظْنَا عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا شَيْءٌ ، إلَّا فِي الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْحَكَمُ أَدْرَكَ كِبَارَ التَّابِعِينَ وَبَعْضَ الصَّحَابَةِ . وَبِهِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلَ عَبْدُ الْحُمَيْدِ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ الصَّدَقَةِ . فَقَالَ مُوسَى : إنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي : الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ .
وَبِهِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ لِي عَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : لَا صَدَقَةَ إلَّا فِي نَخْلٍ ، أَوْ عِنَبٍ ، أَوْ حَبٍّ .
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَادَّعَى مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا أَنَّ إيجَابَ الزَّكَاةِ فِي الزَّبِيبِ إجْمَاعٌ ، وَذَكَرَ آثَارًا لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يَصِحُّ .
27 أَحَدُهَا - مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ : عِنْدَنَا { كِتَابُ مُعَاذٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ : التَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ } . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا مُنْقَطِعٌ ، لِأَنَّ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ لَمْ يُدْرِكُ مُعَاذًا بِعَقْلِهِ .
وَآخَرُ - مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَهِيَ صَحِيفَةٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْعُشْرُ فِي : التَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ } .
وَخُصُومُنَا يُخَالِفُونَ كَثِيرًا مِنْ صَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَلَا يَرَوْنَهُ حُجَّةً . وَآخَرُ - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، وَكِلَاهُمَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ . وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيِّ ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبِ الْأَنْدَلُسِيِّ عَنْ أَسَدِ بْنِ مُوسَى - وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، عَنْ نَصْرِ بْنِ طَرِيفٍ وَهُوَ أَبُو جُزْءٍ ، وَهُوَ سَاقِطٌ أَلْبَتَّةَ ; كُلُّهُمْ يَذْكُرُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدَ أَنَّهُ أَمَرَ بِخَرْصِ الْعِنَبِ . وَسَعِيدٌ لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عَتَّابٍ بِسَنَتَيْنِ . وَعَتَّابٌ لَمْ يُوَلِّهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا مَكَّةَ وَلَا زَرْعَ بِهَا ، وَلَا عِنَبَ . فَسَقَطَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ ، وَلَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ لَأَخَذْنَا بِهِ ، وَلَمَا حَلَّ لَنَا خِلَافُهُ ، كَمَا لَا يَحِلُّ الْأَخْذُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِخَبَرٍ لَا يَصِحُّ .
وَأَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فَبَاطِلٌ - : كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ثنا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ : تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ : الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ كَانَ لَا يَرَى فِي الْعِنَبِ صَدَقَةً .
وَبِهِ إلَى أَبِي عُبَيْدٍ : ثنا هُشَيْمٌ عَنْ الْأَجْلَحِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : الصَّدَقَةُ فِي : الْبُرِّ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ 28 ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بُنْدَارٌ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ : لَيْسَ فِي الْخَيْلِ زَكَاةٌ ; وَلَا فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ زَكَاةٌ ; وَلَيْسَ فِي الزَّبِيبِ : شَيْءٌ . فَهَؤُلَاءِ : شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، لَا يَرَوْنَ فِي الزَّبِيبِ زَكَاةً .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَيْسَ إلَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ بِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ مَا أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ ; عَلَى عُمُومِ الْخَبَرِ الثَّابِتِ { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ } أَوْ قَوْلِنَا ، وَهُوَ لَا زَكَاةَ إلَّا فِيمَا أَوْجَبَهَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاسْمِهِ ، عَلَى مَا صَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ } .
وَأَمَّا مَنْ أَسْقَطَ مِنْ ذَلِكَ الْخَبَرِ مَا يَقْتَضِيهِ عُمُومُهُ ، وَزَادَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَا لَيْسَ فِيهِ - : فَلَمْ يَتَعَلَّقُوا بِقُرْآنٍ وَلَا بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ ، وَلَا بِرِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْهُمْ ، وَلَا بِقِيَاسٍ وَلَا بِتَعْلِيلٍ مُطَّرِدٍ ; بَلْ خَالَفُوا كُلَّ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ إنْ رَاعَوْا الْقُوتَ ، فَقَدْ أَسْقَطُوا الزَّكَاةَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَقْوَاتِ : كَالتِّينِ ، وَالْقَسْطَلِ ، وَاللَّبَنِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَأَوْجَبُوهُ فِيمَا لَيْسَ قُوتًا : كَالزَّيْتِ وَالْحِمَّصِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُتَقَوَّتُ إلَّا لِضَرُورَةِ مَجَاعَةٍ .
وَإِنْ رَاعَوْا الْأَكْلَ فَقَدْ أَسْقَطُوهَا عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يُؤْكَلُ ، وَأَوْجَبَهَا بَعْضُهُمْ فِيمَا لَا يُؤْكَلُ : كَزَيْتِ الْفُجْلِ وَالْقُطْنِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَإِنْ رَاعَوْا مَا يُوسَقُ ، فَقَدْ أَسْقَطُوهَا عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يُوسَقُ .
ثُمَّ أَيْضًا - لَوْ رَاعَوْا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي وَطَرَدُوا أَصْلَهُمْ لَكَانُوا قَائِلِينَ بِلَا بُرْهَانٍ ; لَكِنْ بِدَعْوَى فَاسِدَةٍ وَظَنٍّ كَاذِبٍ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : { إنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا } .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ } .
فَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا أَحَدُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ; فَإِنَّ قَوْلَ مَنْ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي كُلِّ مَا أَنْبَتَتْ الْأَرْضُ حَرَجٌ شَدِيدٌ ، وَشِقُّ الْأَنْفُسِ ، وَعُسْرٌ لَا يُطَاقُ .
وَالْأَخْذُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ ، وَمُمْتَنِعٌ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ ; لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ لَا يَنْبُتَ فِي دَارِ أَحَدٍ ، أَوْ فِي قِطْعَةِ أَرْضٍ لَهُ : عُشْبٌ ، وَلَوْ أَنَّهُ وَرَقَةٌ وَاحِدَةٌ ، أَوْ نَرْجِسَةُ ، أَوْ فُولٌ ، أَوْ غُصْنُ حُرْفٍ أَوْ بَهَارَةٌ أَوْ تِينَةٌ وَاحِدَةٌ إلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ عُشْرُ كُلِّ 29 ذَلِكَ ، أَوْ نِصْفُ عُشْرِهِ .
وَكَذَلِكَ وَرَقُ الشَّجَرِ وَالتِّبْنُ ، حَتَّى تِبْنُ الْفُولِ ، وَقَصَبُ الْكَتَّانِ ; نَعَمْ . وَأُصُولُ الشَّجَرِ نَفْسُهَا ; لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا يَسْقِيهِ الْمَاءُ ; وَهَذَا مَا لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ }
وَقَالَ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا }
وَامْتَنَّ تَعَالَى عَلَيْنَا إذْ أَجَابَنَا فِي دُعَائِنَا الَّذِي أَمَرَنَا تَعَالَى أَنْ نَدْعُوَ بِهِ فَنَقُولَ { رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ }
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا } .
فَإِنْ قِيلَ : يُفْعَلُ فِي ذَلِكَ مَا يَفْعَلُ الشَّرِيكَانِ فِيهِ . قُلْنَا : هَذَا لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ بَيْعَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ صَاحِبِهِ مُبَاحٌ ، وَتَحْلِيلُهُ لَهُ جَائِزٌ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا ، وَلَا التَّحْلِيلُ مِنْهَا أَصْلًا . فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرَ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ ; فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا نَدْرِي مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِبَيَانِ نَصٍّ آخَرَ . فَصَحَّ أَنْ لَا زَكَاةَ إلَّا فِيمَا أَوْجَبَهُ بَيَانُ نَصٍّ غَيْرِ ذَلِكَ النَّصِّ ، أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ ، وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ إلَّا فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ فَقَطْ .
وَمَنْ تَعَدَّى هَذَا فَإِنَّمَا يُشَرِّعُ بِرَأْيِهِ ، وَيُخَصِّصُ الْأَثَرَ بِظَنِّهِ الْكَاذِبِ - وَهَذَا حَرَامٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا الْمَعَادِنُ : فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ عَلَى أَنَّ الصُّفْرَ ، وَالْحَدِيدَ ، وَالرَّصَاصَ ، وَالْقَزْدِيرَ : لَا زَكَاةَ فِي أَعْيَانِهَا ، وَإِنْ كَثُرَتْ .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا إذَا مُزِجَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي : الدَّنَانِيرِ ، وَالدَّرَاهِمِ ، وَالْحُلِيِّ . فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : تُزَكَّى تِلْكَ الدَّنَانِيرُ ، وَالدَّرَاهِمُ : بِوَزْنِهَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ نَصًّا فِيمَا دُونِ 30 خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ ، وَفِيمَا دُونِ مِقْدَارِهَا مِنْ الذَّهَبِ ، وَلَمْ يُوجِبْ - بِلَا خِلَافٍ - زَكَاةً فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمَعَادِنِ الْمَذْكُورَةِ ، فَمَنْ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الدَّنَانِيرِ ، وَالدَّرَاهِمِ الْمَمْزُوجَةِ بِالنُّحَاسِ ، أَوْ الْحَدِيدِ ، أَوْ الرَّصَاصِ ، أَوْ الْقَزْدِيرِ ; فَقَدْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ - :
إحْدَاهُمَا - فِي إيجَابِهِ الزَّكَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الرَّقَّةِ .
وَالثَّانِيَةُ - فِي إيجَابِهِ الزَّكَاةَ فِي أَعْيَانِ الْمَعَادِنِ الْمَذْكُورَةِ . وَأَيْضًا : فَإِنَّهُمْ تَنَاقَضُوا إذْ أَوْجَبُوا الزَّكَاةَ فِي : الصُّفْرِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَالْقَزْدِيرِ ، وَالْحَدِيدِ ، إذَا مُزِجَ شَيْءٌ مِنْهَا بِفِضَّةٍ ، أَوْ ذَهَبٍ ، وَأَسْقَطُوا الزَّكَاةَ عَنْهَا إذَا كَانَتْ صِرْفًا وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يَحِلُّ .
وَأَيْضًا : فَنَسْأَلُهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَادِنِ مُزِجَ بِفِضَّةٍ ، أَوْ ذَهَبٍ ، فَكَانَ الْمَمْزُوجُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ الذَّهَبِ ، وَمِنْ الْفِضَّةِ . ثُمَّ لَا نَزَالُ نَزِيدُهُمْ إلَى أَنْ نَسْأَلَهُمْ عَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ دِرْهَمٍ فَلْسُ فِضَّةٍ فَقَطْ وَسَائِرُهَا نُحَاسٌ . فَإِنْ جَعَلُوا فِيهَا الزَّكَاةَ أَفْحَشُوا جِدًّا ، وَإِنْ أَسْقَطُوهَا سَأَلْنَاهُمْ عَنْ الْحَدِّ الَّذِي يُوجِبُونَ فِيهِ الزَّكَاةَ وَاَلَّذِي يُسْقِطُونَهَا فِيهِ . فَإِنْ حَدُّوا فِي ذَلِكَ حَدًّا زَادُوا فِي التَّحَكُّمِ بِالْبَاطِلِ ، وَإِنْ لَمْ يَحُدُّوا حَدًّا كَانُوا قَدْ خَلَطُوا مَا يُحَرِّمُونَ بِمَا يُحِلُّونَ ; وَلَمْ يُبَيِّنُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا لِمَنْ اتَّبَعَهُمْ الْحَرَامَ فَيَجْتَنِبُوهُ ، مِنْ الْحَلَالِ فَيَأْتُوهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَالْحَقُّ مِنْ هَذَا ، هُوَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ فِي اللُّغَةِ وَالدِّيَانَةِ وَاقِعَةٌ عَلَى الْمُسَمَّيَاتِ بِصِفَاتٍ مَحْمُولَةٍ فِيهَا ; فَلِلْفِضَّةِ صِفَاتُهَا الَّتِي إذَا وُجِدَتْ فِي شَيْءٍ سُمِّيَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِضَّةً ; وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي اسْمِ الذَّهَبِ وَاسْمِ النُّحَاسِ وَاسْمِ كُلِّ مُسَمًّى فِي الْعَالَمِ . وَأَحْكَامُ الدِّيَانَةِ إنَّمَا جَاءَتْ عَلَى الْأَسْمَاءِ ; فَلِلْفِضَّةِ حُكْمُهَا ، وَلِلذَّهَبِ حُكْمُهُ ، 31 وَكَذَلِكَ كُلُّ اسْمٍ فِي الْعَالَمِ .
فَإِذَا سَقَطَ الِاسْمُ الَّذِي عَلَيْهِ جَاءَ النَّصُّ بِالْحُكْمِ سَقَطَ ذَلِكَ الْحُكْمُ ، وَانْتَقَلَ الْمُسَمَّى إلَى الْحُكْمِ الَّذِي جَاءَ فِي النَّصِّ عَلَى الِاسْمِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ ; كَالْعَصِيرِ وَالْخَمْرِ ، وَالْخَلِّ ، وَالْمَاءِ ، وَالدَّمِ ، وَاللَّبَنِ ، وَاللَّحْمِ ، وَالْآنِيَةِ ، وَالدَّنَانِيرِ ، وَكُلِّ مَا فِي الْعَالَمِ .
فَإِنْ كَانَ الْمَزْجُ فِي الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ لَا يُغَيِّرُ صِفَاتِهِمَا الَّتِي مَا دَامَتْ فِيهَا سُمِّيَا فِضَّةً ; وَذَهَبًا فَهِيَ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ ; فَالزَّكَاةُ فِيهِمَا . وَإِنْ كَانَ الْمَزْجُ فِي الْفِضَّةِ ، أَوْ الذَّهَبِ قَدْ غَيَّرَ صِفَاتِهِمَا - وَسَقَطَ عَنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ اسْمُ فِضَّةٍ وَاسْمُ ذَهَبٍ لِظُهُورِ الْمَزْجِ فِيهِمَا - فَهُوَ حِينَئِذٍ : فِضَّةٌ مَعَ ذَهَبٍ ; أَوْ فِضَّةٌ مَعَ نُحَاسٍ ، فَالْوَاجِبُ أَنَّ فِي مِقْدَارِ الْفِضَّةِ الَّتِي فِي تِلْكَ الدَّرَاهِمِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا خَاصَّةً ، وَلَا زَكَاةَ فِي النُّحَاسِ الظَّاهِرِ فِيهَا أَثَرُهُ - وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الذَّهَبِ مَعَ مَا مُزِجَ بِهِ . فَإِنْ كَانَ فِي الدَّنَانِيرِ ذَهَبٌ تَجِبُ فِي مِقْدَارِهِ الزَّكَاةُ ، وَفِضَّةٌ لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ ; فَالزَّكَاةُ فِيمَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ . وَإِنْ كَانَ مَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَمَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ; فَالزَّكَاةُ فِيمَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ . وَإِنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ وَمِنْ الذَّهَبِ مَا تَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الزَّكَاةُ ، زُكِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَحُكْمِهِ وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا .
وَإِنْ كَانَ مَا فِيهِمَا مِنْ الذَّهَبِ وَمِنْ الْفِضَّةِ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لَوْ انْفَرَدَ ، فَلَا زَكَاةَ هُنَاكَ أَصْلًا .
فَإِنْ زَادَ الْمَزْجُ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْفِضَّةِ وَلَا لِلذَّهَبِ هُنَاكَ صِفَةٌ فَلَيْسَ فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ فِضَّةٌ أَصْلًا وَلَا ذَهَبٌ ; فَلَا زَكَاةَ فِيهَا أَصْلًا ، اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ } أَيْ مِنْ غَيْرِهِمْ .
وَحَيْثُمَا وَقَعَتْ لَفْظَةُ " دُونَ " فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ بِمَعْنَى : غَيْرُ ; فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَصِرَ بِلَفْظَةِ " دُونَ " فِي هَذَا الْخَبَرِ عَلَى مَعْنَى : أَقَلُّ دُونَ مَعْنَى : غَيْرُ 24
وَنَحْنُ إذَا حَمَلْنَا " دُونَ " هَاهُنَا عَلَى مَعْنَى : غَيْرُ دَخَلَ فِيهِ : أَقَلُّ ; وَتَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ نَصٍّ لَا يَحِلُّ . فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ ، وَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِنَصِّ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ عَلَى ذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ فِي الْإِبِلِ ، وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَبِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقِّنِ وَالنَّصِّ أَيْضًا .
وَسَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَمَّا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَلَا نَصَّ فِيهِ ، بِنَفْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ عَنْ كُلِّ مَا هُوَ غَيْرُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ ثُمَّ وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ " حَبٍّ " فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا خَاطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْحَبُّ : الْبُرُّ ، وَالْقَضْبُ : الْفِصْفِصَةُ ، فَاقْتَصَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ - وَهُوَ الْحُجَّةُ فِي اللُّغَةِ - بِالْحَبِّ عَلَى الْبُرِّ . وَذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد الدِّينَوَرِيُّ اللُّغَوِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي النَّبَاتِ فِي بَابِ تَرْجَمَتِهِ " بَابُ الزَّرْعِ وَالْحَرْثِ وَأَسْمَاءِ الْحَبِّ وَالْقَطَانِيِّ وَأَوْصَافِهَا " فَقَالَ - : قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَهُوَ الشَّيْبَانِيُّ - جَمِيعُ بُزُورِ النَّبَاتِ يُقَالُ لَهَا " الْحِبَّةُ " بِكَسْرِ الْحَاءِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ كَمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : { فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ } : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ : وَقَالَ الْكِسَائِيُّ : وَاحِدُ الْحَبَّةِ : حَبَّةُ ، 25 بِفَتْحِ الْحَاءِ ; فَأَمَّا الْحَبُّ فَلَيْسَ إلَّا الْحِنْطَةَ ، وَالشَّعِيرَ ، وَاحِدُهَا حَبَّةٌ ، بِفَتْحِ الْحَاءِ ; وَإِنَّمَا افْتَرَقَتَا فِي الْجَمْعِ . ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ بَعْدَ هَذَا الْفَصْلِ - إثْرَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ لِأَبِي نَصْرٍ صَاحِبِ الْأَصْمَعِيِّ كَلَامًا نَصُّهُ : وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْحُبُوبِ كَالْأُرْزِ ، وَالدَّخَنِ ، قَالَ عَلِيٌّ : فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ جُمُوعٍ - : الْحَبُّ لِلْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرُ خَاصَّةً ، وَالْحِبَّةُ - بِكَسْرِ الْحَاءِ وَزِيَادَةِ الْهَاءِ فِي آخِرِهَا - لِكُلِّ مَا عَدَاهُمَا مِنْ الْبُزُورِ خَاصَّةً ، وَالْحُبُوبُ لِلْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الْبُزُورِ . وَالْكِسَائِيُّ إمَامٌ فِي اللُّغَةِ ، وَفِي الدِّينِ ، وَالْعَدَالَةِ . فَإِذْ قَدْ صَحَّ أَنَّ الْحَبَّ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصًّا بِنَفْيِ الزَّكَاةِ عَنْ غَيْرِهِمَا وَغَيْرِ التَّمْرِ - : فَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ النَّبَاتِ غَيْرِهِمَا وَغَيْرِ التَّمْرِ .
وَقَدْ رَوَى مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ ، عَمَّنْ لَا يُوثَقُ بِهِ ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ ، عَمَّنْ لَا يُوثَقُ بِهِ إيجَابَ الزَّكَاةِ فِي الْحُبُوبِ - وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبِ الْأَنْدَلُسِيُّ عَنْ الطَّلْحِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَهُوَ أَيْضًا مُنْقَطِعٌ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ السَّلَفِ بِمِثْلِ هَذَا ، وَزَادُوا إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ : الزَّبِيبَ . كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، وَطَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - : قَالَ عَمْرٌو عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ : { أَنَّ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ لَمْ يَأْخُذْ الصَّدَقَةَ إلَّا مِنْ الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ } .
وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا إلَّا مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ثنا حَجَّاجٌ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي صَدَقَةِ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ ، قَالَ : مَا كَانَ مِنْ نَخْلٍ ، أَوْ عِنَبٍ ، أَوْ حِنْطَةٍ ، أَوْ شَعِيرٍ . 26 وَبِهِ إلَى أَبِي عُبَيْدٍ : ثنا يَزِيدُ عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْعُشْرَ إلَّا فِي الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ أَشْعَثَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيُّ - عَنْ الْحَسَنِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا قَالَا : الصَّدَقَةُ فِي تِسْعَةِ أَشْيَاءَ - : الذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ ، وَالْإِبِلِ ، وَالْبَقَرِ ، وَالْغَنَمِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ . حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا حُمَيْدٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْحَسَنِ هُوَ ابْنُ حَيٍّ - عَنْ مُطَرِّفٍ - قَالَ قَالَ لِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَقَدْ سَأَلْته عَنْ الْأَقْطَانِ ، وَالسَّمَاسِمِ : أَفِيهَا صَدَقَةٌ . قَالَ : مَا حَفِظْنَا عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا شَيْءٌ ، إلَّا فِي الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْحَكَمُ أَدْرَكَ كِبَارَ التَّابِعِينَ وَبَعْضَ الصَّحَابَةِ . وَبِهِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلَ عَبْدُ الْحُمَيْدِ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ الصَّدَقَةِ . فَقَالَ مُوسَى : إنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي : الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ .
وَبِهِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ لِي عَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : لَا صَدَقَةَ إلَّا فِي نَخْلٍ ، أَوْ عِنَبٍ ، أَوْ حَبٍّ .
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَادَّعَى مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا أَنَّ إيجَابَ الزَّكَاةِ فِي الزَّبِيبِ إجْمَاعٌ ، وَذَكَرَ آثَارًا لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يَصِحُّ .
27 أَحَدُهَا - مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ : عِنْدَنَا { كِتَابُ مُعَاذٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ : التَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ } . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا مُنْقَطِعٌ ، لِأَنَّ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ لَمْ يُدْرِكُ مُعَاذًا بِعَقْلِهِ .
وَآخَرُ - مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَهِيَ صَحِيفَةٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْعُشْرُ فِي : التَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ } .
وَخُصُومُنَا يُخَالِفُونَ كَثِيرًا مِنْ صَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَلَا يَرَوْنَهُ حُجَّةً . وَآخَرُ - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، وَكِلَاهُمَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ . وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيِّ ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبِ الْأَنْدَلُسِيِّ عَنْ أَسَدِ بْنِ مُوسَى - وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، عَنْ نَصْرِ بْنِ طَرِيفٍ وَهُوَ أَبُو جُزْءٍ ، وَهُوَ سَاقِطٌ أَلْبَتَّةَ ; كُلُّهُمْ يَذْكُرُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدَ أَنَّهُ أَمَرَ بِخَرْصِ الْعِنَبِ . وَسَعِيدٌ لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عَتَّابٍ بِسَنَتَيْنِ . وَعَتَّابٌ لَمْ يُوَلِّهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا مَكَّةَ وَلَا زَرْعَ بِهَا ، وَلَا عِنَبَ . فَسَقَطَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ ، وَلَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ لَأَخَذْنَا بِهِ ، وَلَمَا حَلَّ لَنَا خِلَافُهُ ، كَمَا لَا يَحِلُّ الْأَخْذُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِخَبَرٍ لَا يَصِحُّ .
وَأَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فَبَاطِلٌ - : كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ثنا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ : تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ : الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ كَانَ لَا يَرَى فِي الْعِنَبِ صَدَقَةً .
وَبِهِ إلَى أَبِي عُبَيْدٍ : ثنا هُشَيْمٌ عَنْ الْأَجْلَحِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : الصَّدَقَةُ فِي : الْبُرِّ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ 28 ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بُنْدَارٌ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ : لَيْسَ فِي الْخَيْلِ زَكَاةٌ ; وَلَا فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ زَكَاةٌ ; وَلَيْسَ فِي الزَّبِيبِ : شَيْءٌ . فَهَؤُلَاءِ : شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، لَا يَرَوْنَ فِي الزَّبِيبِ زَكَاةً .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَيْسَ إلَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ بِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ مَا أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ ; عَلَى عُمُومِ الْخَبَرِ الثَّابِتِ { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ } أَوْ قَوْلِنَا ، وَهُوَ لَا زَكَاةَ إلَّا فِيمَا أَوْجَبَهَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاسْمِهِ ، عَلَى مَا صَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ } .
وَأَمَّا مَنْ أَسْقَطَ مِنْ ذَلِكَ الْخَبَرِ مَا يَقْتَضِيهِ عُمُومُهُ ، وَزَادَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مَا لَيْسَ فِيهِ - : فَلَمْ يَتَعَلَّقُوا بِقُرْآنٍ وَلَا بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ ، وَلَا بِرِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْهُمْ ، وَلَا بِقِيَاسٍ وَلَا بِتَعْلِيلٍ مُطَّرِدٍ ; بَلْ خَالَفُوا كُلَّ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ إنْ رَاعَوْا الْقُوتَ ، فَقَدْ أَسْقَطُوا الزَّكَاةَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَقْوَاتِ : كَالتِّينِ ، وَالْقَسْطَلِ ، وَاللَّبَنِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَأَوْجَبُوهُ فِيمَا لَيْسَ قُوتًا : كَالزَّيْتِ وَالْحِمَّصِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُتَقَوَّتُ إلَّا لِضَرُورَةِ مَجَاعَةٍ .
وَإِنْ رَاعَوْا الْأَكْلَ فَقَدْ أَسْقَطُوهَا عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يُؤْكَلُ ، وَأَوْجَبَهَا بَعْضُهُمْ فِيمَا لَا يُؤْكَلُ : كَزَيْتِ الْفُجْلِ وَالْقُطْنِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَإِنْ رَاعَوْا مَا يُوسَقُ ، فَقَدْ أَسْقَطُوهَا عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يُوسَقُ .
ثُمَّ أَيْضًا - لَوْ رَاعَوْا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي وَطَرَدُوا أَصْلَهُمْ لَكَانُوا قَائِلِينَ بِلَا بُرْهَانٍ ; لَكِنْ بِدَعْوَى فَاسِدَةٍ وَظَنٍّ كَاذِبٍ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : { إنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا } .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ } .
فَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا أَحَدُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ; فَإِنَّ قَوْلَ مَنْ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي كُلِّ مَا أَنْبَتَتْ الْأَرْضُ حَرَجٌ شَدِيدٌ ، وَشِقُّ الْأَنْفُسِ ، وَعُسْرٌ لَا يُطَاقُ .
وَالْأَخْذُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ ، وَمُمْتَنِعٌ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ ; لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ لَا يَنْبُتَ فِي دَارِ أَحَدٍ ، أَوْ فِي قِطْعَةِ أَرْضٍ لَهُ : عُشْبٌ ، وَلَوْ أَنَّهُ وَرَقَةٌ وَاحِدَةٌ ، أَوْ نَرْجِسَةُ ، أَوْ فُولٌ ، أَوْ غُصْنُ حُرْفٍ أَوْ بَهَارَةٌ أَوْ تِينَةٌ وَاحِدَةٌ إلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ عُشْرُ كُلِّ 29 ذَلِكَ ، أَوْ نِصْفُ عُشْرِهِ .
وَكَذَلِكَ وَرَقُ الشَّجَرِ وَالتِّبْنُ ، حَتَّى تِبْنُ الْفُولِ ، وَقَصَبُ الْكَتَّانِ ; نَعَمْ . وَأُصُولُ الشَّجَرِ نَفْسُهَا ; لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا يَسْقِيهِ الْمَاءُ ; وَهَذَا مَا لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ }
وَقَالَ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا }
وَامْتَنَّ تَعَالَى عَلَيْنَا إذْ أَجَابَنَا فِي دُعَائِنَا الَّذِي أَمَرَنَا تَعَالَى أَنْ نَدْعُوَ بِهِ فَنَقُولَ { رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ }
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا } .
فَإِنْ قِيلَ : يُفْعَلُ فِي ذَلِكَ مَا يَفْعَلُ الشَّرِيكَانِ فِيهِ . قُلْنَا : هَذَا لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ بَيْعَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ صَاحِبِهِ مُبَاحٌ ، وَتَحْلِيلُهُ لَهُ جَائِزٌ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا ، وَلَا التَّحْلِيلُ مِنْهَا أَصْلًا . فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرَ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ ; فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا نَدْرِي مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِبَيَانِ نَصٍّ آخَرَ . فَصَحَّ أَنْ لَا زَكَاةَ إلَّا فِيمَا أَوْجَبَهُ بَيَانُ نَصٍّ غَيْرِ ذَلِكَ النَّصِّ ، أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ ، وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ إلَّا فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ فَقَطْ .
وَمَنْ تَعَدَّى هَذَا فَإِنَّمَا يُشَرِّعُ بِرَأْيِهِ ، وَيُخَصِّصُ الْأَثَرَ بِظَنِّهِ الْكَاذِبِ - وَهَذَا حَرَامٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا الْمَعَادِنُ : فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ عَلَى أَنَّ الصُّفْرَ ، وَالْحَدِيدَ ، وَالرَّصَاصَ ، وَالْقَزْدِيرَ : لَا زَكَاةَ فِي أَعْيَانِهَا ، وَإِنْ كَثُرَتْ .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا إذَا مُزِجَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي : الدَّنَانِيرِ ، وَالدَّرَاهِمِ ، وَالْحُلِيِّ . فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : تُزَكَّى تِلْكَ الدَّنَانِيرُ ، وَالدَّرَاهِمُ : بِوَزْنِهَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ نَصًّا فِيمَا دُونِ 30 خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ ، وَفِيمَا دُونِ مِقْدَارِهَا مِنْ الذَّهَبِ ، وَلَمْ يُوجِبْ - بِلَا خِلَافٍ - زَكَاةً فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمَعَادِنِ الْمَذْكُورَةِ ، فَمَنْ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الدَّنَانِيرِ ، وَالدَّرَاهِمِ الْمَمْزُوجَةِ بِالنُّحَاسِ ، أَوْ الْحَدِيدِ ، أَوْ الرَّصَاصِ ، أَوْ الْقَزْدِيرِ ; فَقَدْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ - :
إحْدَاهُمَا - فِي إيجَابِهِ الزَّكَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الرَّقَّةِ .
وَالثَّانِيَةُ - فِي إيجَابِهِ الزَّكَاةَ فِي أَعْيَانِ الْمَعَادِنِ الْمَذْكُورَةِ . وَأَيْضًا : فَإِنَّهُمْ تَنَاقَضُوا إذْ أَوْجَبُوا الزَّكَاةَ فِي : الصُّفْرِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَالْقَزْدِيرِ ، وَالْحَدِيدِ ، إذَا مُزِجَ شَيْءٌ مِنْهَا بِفِضَّةٍ ، أَوْ ذَهَبٍ ، وَأَسْقَطُوا الزَّكَاةَ عَنْهَا إذَا كَانَتْ صِرْفًا وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يَحِلُّ .
وَأَيْضًا : فَنَسْأَلُهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَادِنِ مُزِجَ بِفِضَّةٍ ، أَوْ ذَهَبٍ ، فَكَانَ الْمَمْزُوجُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ الذَّهَبِ ، وَمِنْ الْفِضَّةِ . ثُمَّ لَا نَزَالُ نَزِيدُهُمْ إلَى أَنْ نَسْأَلَهُمْ عَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ دِرْهَمٍ فَلْسُ فِضَّةٍ فَقَطْ وَسَائِرُهَا نُحَاسٌ . فَإِنْ جَعَلُوا فِيهَا الزَّكَاةَ أَفْحَشُوا جِدًّا ، وَإِنْ أَسْقَطُوهَا سَأَلْنَاهُمْ عَنْ الْحَدِّ الَّذِي يُوجِبُونَ فِيهِ الزَّكَاةَ وَاَلَّذِي يُسْقِطُونَهَا فِيهِ . فَإِنْ حَدُّوا فِي ذَلِكَ حَدًّا زَادُوا فِي التَّحَكُّمِ بِالْبَاطِلِ ، وَإِنْ لَمْ يَحُدُّوا حَدًّا كَانُوا قَدْ خَلَطُوا مَا يُحَرِّمُونَ بِمَا يُحِلُّونَ ; وَلَمْ يُبَيِّنُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا لِمَنْ اتَّبَعَهُمْ الْحَرَامَ فَيَجْتَنِبُوهُ ، مِنْ الْحَلَالِ فَيَأْتُوهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَالْحَقُّ مِنْ هَذَا ، هُوَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ فِي اللُّغَةِ وَالدِّيَانَةِ وَاقِعَةٌ عَلَى الْمُسَمَّيَاتِ بِصِفَاتٍ مَحْمُولَةٍ فِيهَا ; فَلِلْفِضَّةِ صِفَاتُهَا الَّتِي إذَا وُجِدَتْ فِي شَيْءٍ سُمِّيَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِضَّةً ; وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي اسْمِ الذَّهَبِ وَاسْمِ النُّحَاسِ وَاسْمِ كُلِّ مُسَمًّى فِي الْعَالَمِ . وَأَحْكَامُ الدِّيَانَةِ إنَّمَا جَاءَتْ عَلَى الْأَسْمَاءِ ; فَلِلْفِضَّةِ حُكْمُهَا ، وَلِلذَّهَبِ حُكْمُهُ ، 31 وَكَذَلِكَ كُلُّ اسْمٍ فِي الْعَالَمِ .
فَإِذَا سَقَطَ الِاسْمُ الَّذِي عَلَيْهِ جَاءَ النَّصُّ بِالْحُكْمِ سَقَطَ ذَلِكَ الْحُكْمُ ، وَانْتَقَلَ الْمُسَمَّى إلَى الْحُكْمِ الَّذِي جَاءَ فِي النَّصِّ عَلَى الِاسْمِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ ; كَالْعَصِيرِ وَالْخَمْرِ ، وَالْخَلِّ ، وَالْمَاءِ ، وَالدَّمِ ، وَاللَّبَنِ ، وَاللَّحْمِ ، وَالْآنِيَةِ ، وَالدَّنَانِيرِ ، وَكُلِّ مَا فِي الْعَالَمِ .
فَإِنْ كَانَ الْمَزْجُ فِي الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ لَا يُغَيِّرُ صِفَاتِهِمَا الَّتِي مَا دَامَتْ فِيهَا سُمِّيَا فِضَّةً ; وَذَهَبًا فَهِيَ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ ; فَالزَّكَاةُ فِيهِمَا . وَإِنْ كَانَ الْمَزْجُ فِي الْفِضَّةِ ، أَوْ الذَّهَبِ قَدْ غَيَّرَ صِفَاتِهِمَا - وَسَقَطَ عَنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ اسْمُ فِضَّةٍ وَاسْمُ ذَهَبٍ لِظُهُورِ الْمَزْجِ فِيهِمَا - فَهُوَ حِينَئِذٍ : فِضَّةٌ مَعَ ذَهَبٍ ; أَوْ فِضَّةٌ مَعَ نُحَاسٍ ، فَالْوَاجِبُ أَنَّ فِي مِقْدَارِ الْفِضَّةِ الَّتِي فِي تِلْكَ الدَّرَاهِمِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا خَاصَّةً ، وَلَا زَكَاةَ فِي النُّحَاسِ الظَّاهِرِ فِيهَا أَثَرُهُ - وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الذَّهَبِ مَعَ مَا مُزِجَ بِهِ . فَإِنْ كَانَ فِي الدَّنَانِيرِ ذَهَبٌ تَجِبُ فِي مِقْدَارِهِ الزَّكَاةُ ، وَفِضَّةٌ لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ ; فَالزَّكَاةُ فِيمَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ . وَإِنْ كَانَ مَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَمَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ; فَالزَّكَاةُ فِيمَا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ . وَإِنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ وَمِنْ الذَّهَبِ مَا تَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الزَّكَاةُ ، زُكِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَحُكْمِهِ وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا .
وَإِنْ كَانَ مَا فِيهِمَا مِنْ الذَّهَبِ وَمِنْ الْفِضَّةِ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لَوْ انْفَرَدَ ، فَلَا زَكَاةَ هُنَاكَ أَصْلًا .
فَإِنْ زَادَ الْمَزْجُ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْفِضَّةِ وَلَا لِلذَّهَبِ هُنَاكَ صِفَةٌ فَلَيْسَ فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ فِضَّةٌ أَصْلًا وَلَا ذَهَبٌ ; فَلَا زَكَاةَ فِيهَا أَصْلًا ، اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith