المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثالث
page 496 · printed p. 131
131 مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ صَلَّى جُنُبًا أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ - عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا - فَصَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ صَحِيحَةٌ تَامَّةٌ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ ذَلِكَ يَقِينًا فَلَا صَلَاةَ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مُصَلِّيًا ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُصَلِّيًا فَالْمُؤْتَمُّ بِمَنْ لَا يُصَلِّي عَابِثٌ عَاصٍ مُخَالِفٌ لِمَا أُمِرَ بِهِ ، وَمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فِي صَلَاتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ عَلَى طَهَارَةٍ عَامِدًا كَانَ الْإِمَامُ أَوْ نَاسِيًا ؟ وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ نَاسِيًا فَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ تَامَّةٌ ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَلَا صَلَاةَ لِمَنْ خَلْفَهُ ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ ، كَمَا قُلْنَا ؟ قَالَ عَلِيٌّ : بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا - : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا 132 وُسْعَهَا } وَلَيْسَ فِي وُسْعِنَا عِلْمُ الْغَيْبِ مِنْ طَهَارَتِهِ ؟ وَكُلُّ إمَامٍ يُصَلَّى وَرَاءَهُ فِي الْعَالَمِ : فَفِي الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا ، فَصَحَّ أَنَّنَا لَمْ نُكَلَّفْ عِلْمَ يَقِينِ طَهَارَتِهِمْ ؟ وَكُلُّ أَحَدٍ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ ، وَلَا يُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ - إنْ صَحَّتْ - بُطْلَانُ صَلَاةِ الْإِمَامِ ، وَلَا يُصِحُّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ - إنْ بَطَلَتْ - صِحَّةُ صَلَاةِ الْإِمَامِ .
وَمَنْ تَعَدَّى هَذَا فَهُوَ مُنَاقِضٌ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ - نَعْنِي الْحَنَفِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّينَ - فِي أَنَّ الْإِمَامَ إنْ أَحْدَثَ مَغْلُوبًا فَإِنَّ طَهَارَتَهُ قَدْ انْتَقَضَتْ .
قَالَ الْمَالِكِيُّونَ : وَصَلَاتُهُ أَيْضًا قَدْ بَطَلَتْ .
ثُمَّ لَا يَخْتَلِفُونَ : أَنَّ صَلَاةَ مَنْ خَلْفَهُ لَمْ تُنْتَقَضْ وَلَا طَهَارَتَهُمْ ، فَبَطَلَ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ مُتَعَلِّقَةً بِصَلَاةِ الْإِمَامِ ، وَأَنْ تَفْسُدَ بِفَسَادِهَا ، وَهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ .
وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ : فِي أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ إنْ فَسَدَتْ فَإِنَّهُ لَا يُصْلِحُهَا صَلَاحُ صَلَاةِ الْإِمَامِ ، فَهَلَّا طَرَدُوا أَصْلَهُمْ فَقَالُوا : فَكَذَلِكَ إنْ صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ لَمْ يُفْسِدْهَا فَسَادُ صَلَاةِ الْإِمَامِ ؟ فَلَوْ صَحَّ قِيَاسٌ يَوْمًا ، لَكَانَ هَذَا أَصَحَّ قِيَاسٍ فِي الْأَرْضِ ؟
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ يُصَلُّونَ لَكُمْ ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكَمْ وَعَلَيْهِمْ } . قَالَ عَلِيٌّ : وَعُمْدَتُنَا فِي هَذَا هُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ 133 ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَكَبَّرَ فَأَوْمَأَ إلَيْهِمْ : أَنْ مَكَانَكُمْ ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ ، فَصَلَّى بِهِمْ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ : إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا } . قَالَ عَلِيٌّ : فَقَدْ اعْتَدُّوا بِتَكْبِيرِهِمْ خَلْفَهُ وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جُنُبٌ قَالَ عَلِيٌّ : وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ فَأَعَادَ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّاسَ أَعَادُوا ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ أَبَاهُ صَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِدْ أَصْحَابُهُ ؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : فِيمَنْ أَمَّ قَوْمًا وَهُوَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ؟ أَنَّهُ يُعِيدُ وَلَا يُعِيدُونَ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ نَاسٍ وَعَامِدٍ وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا يُعِيدُونَ خَلْفَ غَيْرِ الْمُتَوَضِّئِ ، وَيُعِيدُونَ خَلْفَ الْجُنُبِ - وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : يُعِيدُ وَيُعِيدُونَ ؟ وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ خَالَفَهُ عُمَرُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، هَذَا لَوْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ ، فَكَيْفَ وَلَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ فِي الطَّرِيقِ إلَيْهِ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ ، وَهُوَ مُطَّرَحٌ ، وَغَالِبَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ مَجْهُولٌ .
وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ ؟ وَرَوَى الْمُخَالِفُونَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى - وَهُوَ كَذَّابٌ - عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّهِ وَهُوَ مَجْهُولٌ - عَنْ أَبِي جَابِرٍ الْبَيَاضِيِّ - وَهُوَ كَذَّابٌ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : فِي الْقَوْمِ يُصَلُّونَ خَلْفَ مَنْ لَيْسَ عَلَى طَهَارَةٍ نَاسِيًا - : أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ . وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مُرْسَلًا لَا حُجَّةَ فِيهِ ، فَكَيْفَ وَفِيهِ : كَذَّابَانِ وَمَجْهُولٌ فَحَصَلَتْ 134 الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ ، لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ خِلَافُهَا ، وَهِيَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ
قَالَ عَلِيٌّ : وَأَمَّا الْأَلْثَغُ ، وَالْأَلْكَنُ ، وَالْأَعْجَمِيُّ اللِّسَانِ ، وَاللَّحَّانُ : فَصَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِمْ جَائِزَةٌ .
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا }
فَلَمْ يُكَلَّفُوا إلَّا مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ، لَا مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ، فَقَدْ أَدَّوْا صَلَاتَهُمْ كَمَا أُمِرُوا ، وَمَنْ أَدَّى صَلَاتَهُ كَمَا أُمِرَ فَهُوَ مُحْسِنٌ .
قَالَ تَعَالَى : { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } . وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِمَّنْ يُجِيزُ صَلَاةَ الْأَلْثَغِ وَاللَّحَّانِ وَالْأَلْكَنِ لِنَفْسِهِ - وَيُبْطِلُ صَلَاةَ مَنْ ائْتَمَّ بِهِمْ فِي الصَّلَاةِ ، وَهُمْ - مَعَ ذَلِكَ - يُبْطِلُونَ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى وَهُوَ جُنُبٌ نَاسِيًا ، وَيُجِيزُونِ صَلَاةَ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ وَهُوَ لَا صَلَاةَ لَهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith