المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء التاسع
page 2008 · printed p. 423
1951 - مَسْأَلَةٌ : فَلَوْ رَغَّبَ الْمُطَلِّقُ ثَلَاثًا إلَى مَنْ يَتَزَوَّجُهَا وَيَطَؤُهَا لِيُحِلَّهَا لَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ لِذَلِكَ فِي نَفْسِ عَقْدِهِ لِنِكَاحِهِ إيَّاهَا ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ طَلَّقَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، فَإِنْ طَلَّقَهَا حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ ، فَلَوْ شَرَطَ فِي عَقْدِ نِكَاحِهَا أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا إذَا وَطِئَهَا ، فَهُوَ عَقْدٌ فَاسِدٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ بِهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي كُلِّ نِكَاحٍ فَاسِدٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَقَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ : لَا تَكُونُ حَلَالًا إلَّا بِنِكَاحِ رَغْبَةٍ لَا يَنْوِي بِهِ تَحْلِيلَهَا لِلَّذِي طَلَّقَهَا .
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَثَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ نَا أَبُو نُعَيْمٍ - هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ - عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي قَيْسٍ - هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ - عَنْ هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { ۝ وَلَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 423 الْوَاشِمَةَ ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ ، وَالْوَاصِلَةَ ، وَالْمَوْصُولَةَ - وَآكِلَ الرِّبَا وَمُؤَكِّلَهُ ، وَالْمُحِلَّ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } .
وَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ سِوَاهُ ، ثُمَّ آثَارٌ بِمَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهَا هَالِكَةٌ - إمَّا مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ الْكَذَّابِ ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ الْفَرْوِيِّ - وَلَا خَيْرَ فِيهِ - .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُحَلِّلِ الْآثِمِ الْمَلْعُونِ ، وَالْمُحَلَّلِ لَهُ الْآثِمِ الْمَلْعُونِ ، مَنْ هُمَا ؟ فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا أُوتَى بِمُحِلٍّ وَلَا بِمُحَلَّلٍ إلَّا رَجَمْته . 424
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ جُعْدُبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعًا يَقُولُ : إنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ التَّحْلِيلِ ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : عَرَفْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَوْ رَأَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَرَجَمَ فِيهِ . ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : يَزِيدُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ جُعْدُبَةَ كَذَّابٌ مَذْكُورٌ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ .
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَرِيكٍ الْعَامِرِيِّ ، قَالَ : سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَسْأَلُ عَمَّنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ نَدِمَ ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ يُحَلِّلُهَا لَهُ ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : كِلَاهُمَا زَانٍ ، وَلَوْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً .
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي غَسَّانَ الْمَدَنِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَمَّنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا هَذَا السَّائِلُ عَنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ مِنْهُ ، أَتَحِلُّ لِمُطَلَّقِهَا ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا ، إلَّا بِنِكَاحِ رَغْبَةٍ ، كُنَّا نَعُدُّهُ سِفَاحًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 425 - 428
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُرَادِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَرْزُوقٍ التُّجِيبِيَّ يَقُولُ : إنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ نَدِمَا ، وَكَانَ لَهُ جَارٌ فَأَرَادَ أَنْ يُحَلِّلَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ عِلْمِهِمَا ، فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ عُثْمَانَ ؟ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : لَا ، إلَّا بِنِكَاحِ رَغْبَةٍ ، غَيْرِ مُدَالَسَةٍ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : آكِلُ الرِّبَا وَمُؤَكِّلُهُ وَشَاهِدَاهُ وَكَاتِبُهُ إذَا عَلِمُوا بِهِ ، وَالْوَاصِلَةُ ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ وَلَاوِي الصَّدَقَةِ ، وَالْمُعْتَدِي ، وَالْمُرْتَدُّ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ ، وَالْمُحَلَّلُ لَهُ : مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ : سُئِلَ عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : عَنْ الْأَمَةِ ، هَلْ يُحِلُّهَا سَيِّدُهَا لِزَوْجِهَا إذَا كَانَ لَا يُرِيدُ التَّحْلِيلَ ؟ يَعْنِي : إذَا بَتَّ طَلَاقَهَا ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ ، وَزَيْدٌ : نَعَمْ ، فَقَامَ عَلِيٌّ غَضْبَانَ وَكَرِهَ قَوْلَهُمَا .
وَعَنْ عَلِيٍّ : لُعِنَ الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَمَعْمَرٍ ، كِلَاهُمَا : عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَمَّنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ يُحِلُّهَا لَهُ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ .
وَصَحَّ عَنْ قَتَادَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، قَالُوا : إنْ نَوَى وَاحِدٌ مِنْ النَّاكِحِ ، أَوْ 429 الْمُنْكَحِ أَوْ الْمَرْأَةِ التَّحْلِيلَ ، فَلَا يَصْلُحُ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لِلَّذِي طَلَّقَهَا ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا - إذَا كَانَ نِكَاحُهُ عَلَى وَجْهِ التَّحْلِيلِ .
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَكُنْ مِسْمَارَ نَارٍ فِي حُدُودِ اللَّهِ - وَأَنَّهُ قَالَ : كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ : هُوَ التَّيْسُ الْمُسْتَعَارُ ؟ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : الْمُحَلِّلُ مَلْعُونٌ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَطَاوُسٍ .
وَرُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا مُغِيرَةُ ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ - وَقَالَ يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ ثُمَّ ذَكَرَهُ نَصًّا كَمَا أَوْرَدْنَاهُ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : إنْ تَزَوَّجَهَا لِيُحِلَّهَا لِلَّذِي طَلَّقَهَا فَأَعْجَبَتْهُ ؟ قَالَ سُفْيَانُ : يُجَدِّدُ نِكَاحًا .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ نَوَى الزَّوْجُ الثَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِيُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ ؟ فَهُوَ نِكَاحٌ فَاسِدٌ 430 مَفْسُوخٌ ، وَلَهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ الَّذِي سُمِّيَ لَهَا ، وَلَا تَحِلُّ بِوَطْئِهِ لِلْأَوَّلِ .
وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى إجَازَةِ ذَلِكَ .
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هِشَامٍ - هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : أَرْسَلَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَجُلٍ فَزَوَّجَتْهُ نَفْسَهَا لِيُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا ؟ فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا ، وَلَا يُطَلِّقَهَا ، وَأَوْعَدَهُ أَنْ يُعَاقِبَهُ إنْ طَلَّقَهَا .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالتَّحْلِيلِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِهِ .
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : إنْ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ فَارَقَهَا لِتَرْجِعَ إلَى زَوْجِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُطَلِّقُ وَلَا هِيَ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ احْتِسَابًا ؟ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَرْجِعَ إلَى الْأَوَّلِ ، فَإِنْ بَيَّنَ الثَّانِي ذَلِكَ لِلْأَوَّلِ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ .
وَهُوَ قَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ .
وَصَحَّ عَنْ عَطَاءٍ فِيمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً عَامِدًا مُحَلِّلًا ثُمَّ رَغِبَ فِيهَا فَأَمْسَكَهَا ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ : وَرُوِّينَا عَنْ الشَّعْبِيِّ : لَا بَأْسَ بِالتَّحْلِيلِ إذَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الزَّوْجُ .
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، قَالَا جَمِيعًا : الْمُحَلِّلُ - الَّذِي يَفْسُدُ نِكَاحُهُ - هُوَ الَّذِي يَعْقِدُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ عَقْدِ النِّكَاحِ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا لِيُحِلَّهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا فَأَمَّا مَنْ لَمْ 431 يَشْتَرِطْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فَهُوَ عَقْدٌ صَحِيحٌ لَا دَاخِلَةَ فِيهِ ، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ - نَوَى ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ ؟ - قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : وَهُوَ مَأْجُورٌ .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ - : فَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءً سَوَاءً .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّهُ إذَا نَوَى الثَّانِي تَحْلِيلَهَا لِلْأَوَّلِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ بِذَلِكَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ .
وَرُوِيَ عَنْ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّهُ وَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا لِيُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ ، وَيُحْصَنَانِ بِهِ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ ، وَلَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا ، فَإِنْ طَلَّقَهَا حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زُفَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا احْتِجَاجُ الْمَالِكِيِّينَ بِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَهُوَ كُلُّهُ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ .
أَمَّا عُمَرُ - فَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ بَيَانُ مَنْ هُوَ الْمُحَلِّلُ الْمَلْعُونُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الرَّجْمَ فَلَيْسُوا أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ ثُمَّ قَدْ خَالَفُوا عُمَرَ فِي ذَلِكَ فَلَا يَرَوْنَ فِيهِ الرَّجْمَ .
ثُمَّ قَدْ أَوْرَدْنَا عَنْ عُمَرَ إجَازَةَ طَلَاقِ الْمُحَلِّلِ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ .
وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ فِيهَا " عَنْهُمَا " أَيْ الْمُحَلِّلِينَ هُوَ الْمَلْعُونُ ؟ وَنَحْنُ نَقُولُ : إنَّ الْمَلْعُونَ هُوَ الَّذِي يَعْقِدُ نِكَاحَهُ مُعْلِنًا بِذَلِكَ فَقَطْ .
وَأَمَّا عُثْمَانُ ، وَزَيْدٌ - فَهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُمَا فِي تِلْكَ الْفُتْيَا بِعَيَنِهَا فِي أَنَّ وَطْءَ السَّيِّدِ 432 بِمِلْكِ الْيَمِينِ يُحَلِّلُهَا لِلَّذِي بَتَّهَا ، وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُحْتَجَّ بِقَوْلِهِمْ فِي مَوْضِعٍ وَلَا يُحْتَجَّ بِهِ فِي آخَرَ - هَذَا تَلَاعُبٌ بِالدِّينِ .
وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ - فَقَدْ خَالَفُوهُ فِي أَنَّهُ زِنًى .
وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَيْسَ عَنْهُ بَيَانُ أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ ، وَلَا أَنَّهَا لَا تَحِلُّ بِهِ ، وَكَمْ قَضِيَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ مَعَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ .
وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ { ۝ لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } ، فَنَعَمْ ، كُلُّ مَا قَالَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهُوَ حَقٌّ ، إلَّا أَنَّنَا وَجَمِيعُ خُصُومِنَا لَا نَخْتَلِفُ فِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَيْسَ عُمُومًا لِكُلِّ مُحَلٍّ ، وَلِكُلِّ مُحَلَّلٍ لَهُ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ - وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ ، وَقَدْ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ - لَلَعَنَ كُلَّ وَاهِبٍ وَكُلَّ مَوْهُوبٍ لَهُ ، وَكُلَّ بَائِعٍ وَكُلَّ مُبْتَاعٍ لَهُ ، وَكُلَّ نَاكِحٍ وَكُلَّ مُنْكَحٍ ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مُحِلُّونَ لِشَيْءٍ كَانَ حَرَامًا وَمُحَلَّلٌ لَهُمْ أَشْيَاءُ كَانَتْ حَرَامًا عَلَيْهِمْ ، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ .
فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا أَرَادَ بَعْضَ الْمُحِلِّينَ وَبَعْضَ الْمُحَلَّلِ لَهُمْ ، فَإِذًا هَذَا كَالشَّمْسِ وُضُوحًا وَيَقِينًا لَا يُمْكِنُ سِوَاهُ فَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَنْسِبَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ أَرَادَ أَمْرَ كَذَا إلَّا بِيَقِينٍ مِنْ نَصٍّ وَارِدٍ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَإِلَّا فَهُوَ كَاذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُقَوِّلٌ لَهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ ، وَمُخْبِرٌ عَنْهُ بِالْبَاطِلِ ، فَإِذَا هَذَا كُلُّهُ يَقِينٌ فَالْمُحِلُّ الْمَلْعُونُ ، وَالْمُحَلَّلُ لَهُ كَذَلِكَ : إنَّمَا هُمَا بِلَا شَكٍّ مَنْ أَحَلَّ حَرَامًا لِغَيْرِهِ بِلَا نَصٍّ .
ثُمَّ نَظَرْنَا - : هَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَنْ تَزَوَّجَ وَفِي نِيَّتِهِ أَنْ يُحِلَّهَا لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا ، أَمْ لَا يَدْخُلُ ؟ فَوَجَدْنَا كُلَّ مَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا فَإِنَّهُ بِوَطْئِهِ لَهَا مُحِلٌّ وَالْمُطَلِّقُ مُحَلَّلٌ لَهُ - نَوَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ - فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي هَذَا الْوَعِيدِ ، لِأَنَّهُ حَتَّى إنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ 433 قَبْلَ الْعَقْدِ فَهُوَ لَغْوٌ مِنْ الْقَوْلِ وَلَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ إلَّا صَحِيحًا بَرِيًّا مِنْ كُلِّ شَرْطٍ ، بَلْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ; وَأَمَّا بِنِيَّتِهِ لِذَلِكَ - : فَقَدْ قُلْنَا فِيهَا الْآنَ مَا كَفَى .
وَالْعَجَبُ - أَنَّ الْمُخَالِفِينَ لَنَا يَقُولُونَ فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَفِي نِيَّتِهِ أَنْ لَا يُمْسِكَهَا إلَّا شَهْرًا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ ، فَإِنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ لَا دَاخِلَةَ فِيهِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ لَكَانَ عَقْدًا فَاسِدًا مَفْسُوخًا - فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَا أَجَازُوهُ ، وَبَيْنَ مَا مَنَعُوا مِنْهُ ، وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا لِأَحَدِ النَّاكِحِينَ عَلَى صَاحِبِهِ ، لَكِنَّهُ كُلُّهُ بَابٌ وَاحِدٌ يُبَيِّنُ حُكْمَهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ : { ۝ عُفِيَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا } مَا لَمْ يَخْرُجْ ذَلِكَ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ - لَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ الْخَبَرُ الثَّابِتُ { ۝ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ لِلَّتِي طَلَّقَهَا رِفَاعَةُ الْقُرَظِيّ وَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ ؟ لَا ، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ } أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إرَادَتَهَا الرُّجُوعَ إلَى الَّذِي طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مَانِعًا مِنْ رُجُوعِهَا إذَا وَطِئَهَا الثَّانِي - فَصَحَّ بِذَلِكَ قَوْلُنَا ، وَبَقِيَ قَوْلُهُمْ وَتَأْوِيلُهُمْ عَارِيًّا مِنْ كُلِّ بُرْهَانٍ وَدَعْوَى لَا حُجَّةَ عَلَى صِحَّتِهَا .
وَصَحَّ أَنَّ الْمُحَلِّلَ الْمَلْعُونَ هُوَ الَّذِي يَتَزَوَّجُهَا بِبَيَانِ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا لِيُحِلَّهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا ، وَيَعْقِدَانِ النِّكَاحَ عَلَى هَذَا - فَهَذَا حَرَامٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا ، لِأَنَّهُمَا تَشَارَطَا شَرْطًا يَلْتَزِمَانِهِ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إبَاحَةُ الْتِزَامِهِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { ۝ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ } . 434
وَصَحَّ أَنَّ كُلَّ عَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ عُقِدَ عَلَى أَنْ لَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا بِصِحَّةِ مَا لَا صِحَّةَ لَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ لَا صِحَّةَ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ .
فَإِنْ ذَكَرُوا - : مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ نا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ نا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ نا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْفَرْوِيُّ عَنْ دَاوُد حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْمُحَلِّلِ فَقَالَ لَا نِكَاحَ إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ ، لَا نِكَاحَ إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ ، لَا نِكَاحَ دُلْسَةٍ ، وَلَا مُسْتَهْزِئٍ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ } .
فَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ ، لِأَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيَّ ضَعِيفٌ جِدًّا مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ - ثُمَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ إسْمَاعِيلَ - وَهُوَ بِلَا شَكٍّ أَمَّا ابْنُ مُجَمِّعٍ ، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ - كِلَاهُمَا أَنْصَارِيٌّ مَدَنِيٌّ ضَعِيفٌ - لَا يُحْتَجُّ بِهِمَا .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَلَيْنَا حُجَّةٌ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَأْتُونَنَا بِأَيِّ الْمُحَلِّلِينَ أَرَادَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ بَيَّنَّا قِيلَ : إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُرِدْ كُلَّ مُحَلِّلٍ ، وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ لَا نِكَاحَ إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ وَهَذَا نِكَاحُ رَغْبَةٍ فِي تَحْلِيلِهَا لِلْمُسْلِمِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَهُوَ زَوْجٌ غَيْرُهُ بِلَا شَكٍّ .
وَكَمَا بَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ حَتَّى يَذُوقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُسَيْلَةَ الْآخَرِ فَهُوَ إذَا وَطِئَهَا قَدْ ذَاقَ كُلُّ وَاحِدٍ عُسَيْلَةَ الْآخَرِ } .
وَفِيهِ : لَا نِكَاحَ دُلْسَةٍ وَلَيْسَ هَذَا نِكَاحَ دُلْسَةٍ - إنَّمَا الدُّلْسَةُ : أَنْ يُدَلِّسَ لَهُ بِغَيْرِ الَّتِي تَزَوَّجَ أَوْ الَّذِي يَتَزَوَّجُ ، لَا رَغْبَةً فِي نِكَاحٍ ، لَكِنْ لِيَضُرَّ بِهَا فِي نَفْسِهَا أَوْ مَالِهَا ، وَهُمْ 435 يُبِيحُونَ نِكَاحَ مَنْ لَا تُنْكَحُ إلَّا لِمَالِهَا أَوْ لِحَسَبِهَا أَوْ لِوَجَاهَةِ أَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا ، لَا رَغْبَةً فِيهَا ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنْهُمْ .
وَفِيهِ : وَلَا مُسْتَهْزِئَ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ - وَهَذَانِ لَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مُسْتَهْزِئًا بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَائِعٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، عَامِلُونَ بِهِ مُمْتَنِعُونَ مِنْ خِلَافِهِ ، إذْ قَصَدُوا مَا لَا يَحِلُّ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا إلَّا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ، إنَّمَا الْمُسْتَهْزِئُ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ يُخَالِفُ مَا فِيهِ ، أَوْ لَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ - .
فَصَحَّ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ - عَلَى سُقُوطِهِ - عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ .
وَخَبَرٌ آخَرُ - : رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمَا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بِخَبَرِ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إذْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَذِكْرِهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلَّا مِثْلُ هُدْبَةٍ مِنْ ثَوْبِهَا - وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ : تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ ؟ لَا ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ } .
ثُمَّ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ : { ۝ أَتَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَقَدَتْ ، ثُمَّ جَاءَتْهُ بَعْدُ فَأَخْبَرَتْهُ : أَنَّهُ قَدْ مَسَّهَا ، فَمَنَعَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ إنْ كَانَ إنَّمَا بِهَا أَنْ يُحِلَّهَا لِرِفَاعَةِ لَا يَتِمُّ لَهُ نِكَاحُهَا مَرَّةً أُخْرَى } ، ثُمَّ أَتَتْ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ فِي خِلَافَتِهِمَا فَمَنَعَاهَا . 436
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَهَذِهِ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّ فِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُبْطِلْ نِكَاحَهَا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ مَعَ تَقْدِيرِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ إحْلَالَهَا لِرِفَاعَةِ ، لَكِنْ لَمَّا أَنْكَرَتْ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَطِئَهَا ، ثُمَّ لَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَطَأَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ الْإِنْكَارِ ، وَأَقَرَّتْ بِأَنَّهُ وَطِئَهَا .
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { ۝ إنْ كَانَ إنَّمَا بِهَا أَنْ يُحِلَّهَا لِرِفَاعَةِ فَلَا يَتِمُّ لَهُ نِكَاحُهَا مَرَّةً أُخْرَى } ، إنَّمَا هُوَ بِلَا شَكٍّ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ لِرِفَاعَةِ نِكَاحُهَا مَرَّةً أُخْرَى .
وَالْمَالِكِيُّونَ لَا يَخْتَلِفُونَ إذَا لَمْ تَكُنْ نِيَّةُ الزَّوْجِ الثَّانِي إحْلَالَهَا لِلْأَوَّلِ وَكَانَتْ هِيَ لَمْ تَنْوِ قَطُّ بِزَوَاجِهَا إيَّاهُ إلَّا لِتَحْلِيلِهَا لِلْأَوَّلِ ، فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِذَلِكَ الْعَقْدِ وَبِالْوَطْءِ فِيهِ - وَهَذَا خِلَافٌ لِهَذَا الْخَبَرِ بِيَقِينٍ .
وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ : أَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ إذَا أَنْكَرَتْ مَسَّ الثَّانِي لَهَا ، ثُمَّ عَلِمَتْ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بِوَطْئِهِ إيَّاهَا ، فَأَقَرَّتْ بِأَنَّهُ وَطِئَهَا - وَبِهَذَا نَقُولُ : إنَّهَا لَا تُصَدَّقُ ، إلَّا حَتَّى يَجْتَمِعَ إقْرَارُهَا وَإِقْرَارُ الزَّوْجِ بِالْوَطْءِ ، أَوْ تَقُومَ بِوَطْئِهِ لَهَا بَيِّنَةٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَوْ أَخَذَ لِذَلِكَ أُجْرَةً فَهِيَ أُجْرَةٌ حَرَامٌ ، فُرِضَ رَدُّهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ خَالَفَ قَوْلَنَا حُجَّةً أَصْلًا ، لَا مِنْ قُرْآنٍ ، وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ ، وَلَا قِيَاسٍ - وَلَا سِيَّمَا قَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي خَصَّ نِيَّةَ الزَّوْجِ الثَّانِي دُونَ نِيَّتِهَا ، وَدُونَ نِيَّةِ الْمُطَلِّقِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith