المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الأول
page 562 · printed p. 498 · commentary
( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ 498 فَرَائِضَ الْوُضُوءِ وَسُنَنَهُ : وَذَلِكَ أَكْمَلُ الْوُضُوءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ فَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَذْكُرْ اسْتِحْبَابَ غَسْلِ الْعَيْنَيْنِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَصَحَّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُهُ فَاسْتَثْنَى لِإِخْلَالِهِ بِذَلِكَ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الْوُضُوءِ وَهَذَا الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرُوهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ الْحُسْنِ فَالْأَجْوَدُ غَيْرُهُ ، وَهُوَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزِيَادَةٍ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَوْ بِإِبْطَالِ مَا أَثْبَتَهُ وَلَمْ تَبْلُغْهُ فَاحْتَاطَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَلِأَنَّهُ أَثْبَتَ أَشْيَاءَ لَمْ يُثْبِتْهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَحَذَفَ أَشْيَاءَ أَثْبَتَهَا بَعْضُهُمْ فَالِاسْتِثْنَاءُ حَسَنٌ لِهَذَا مَعَ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ الْمَوَاطِنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ : وَلَيْسَتْ الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ فَتُغْسَلَانِ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ : هَذَا لَحْنٌ لِأَنَّهُ جَوَابُ النَّفْيِ بِالْفَاءِ فَصَوَابُهُ فَتُغْسَلَا بِحَذْفِ النُّونِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَوْلُهُ فَتُغْسَلَانِ بِالنُّونِ صَحِيحٌ عِنْدَ عَامَّةِ النَّحْوِيِّينَ عَلَى إضْمَارِ الْمُبْتَدَأِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } أَيْ : فَهُمْ يَعْتَذِرُونَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ : وَلَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ مَرَّةً وَذِرَاعَيْهِ مَرَّةً مَرَّةً وَمَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَنَابِتِ شَعْرِ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالنَّزَعَتَانِ مِنْ الرَّأْسِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ مَرَّةً مَرَّةً عَامًّا بِكُلِّ مَرَّةٍ أَجْزَأَهُ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً هَذَا لَفْظُهُ فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ لِإِدْخَالِ حَدِيثِ مَسْحِ النَّاصِيَةِ وَذِكْرِ النَّزَعَتَيْنِ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ هَذَا كَلَامٌ اعْتَرَضَ بَيْنَ الْجُمَلِ الْمَعْطُوفِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذِكْرِهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ الِاحْتِجَاجَ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ عِنْدَ ذِكْرِهِ الِاقْتِصَارَ فَكَانَ الِاحْتِجَاجُ لَهُ مُهِمًّا فَعَجَّلَهُ وَذَكَرَ النَّزَعَتَيْنِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ وَحَكَمَ بِأَنَّ بَعْضَهُ يَكْفِي ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : إنْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ وَلَوْ بَعْضَ النَّزَعَةِ مِنْهُ جَازَ ، فَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرَهُ مُهِمًّا اعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ الْجُمَلِ ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى 499 { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ . وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا } اعْتَرَضَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ } وَمِثْلُهُ : { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } اعْتَرَضَ { لَوْ تَعْلَمُونَ } وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى : { قَالَتْ رَبِّ إنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } اعْتَرَضَ قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ وَضَعَتْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ التَّاءِ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ . وَمِمَّا جَاءَ مِنْهُ فِي شِعْرِ الْعَرَبِ قَوْلُ امْرِئِ الْقِيسِ ﴿﴾ أَلَا هَلْ أَتَاهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ بِأَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرَا ﴿﴾ فَاعْتَرَضَ قَوْلُهُ : وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ ، وَقَوْلُ الْآخَرِ : ﴿﴾ أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تُنْمَى ﴿﴾ ﴿﴾ بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ ﴿﴾ فَاعْتَرَضَ ( وَالْأَنْبَاءُ تُنْمَى ) وَقَوْلُ الْآخَرِ : ﴿﴾ إلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كَانَ كِلَالُهَا ﴿﴾ ﴿﴾ إلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ ﴿﴾ فَاعْتَرَضَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ ، وَفِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ شَوَاهِدُ لِمَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith