المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
( فَرْعٌ ) إذَا أُكْرِهَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ عَلَى مُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ فَحُمِلَ مُكْرَهًا حَتَّى أُخْرِجَ مِنْهُ ، أَوْ أُكْرِهَ حَتَّى خَرَجَ بِنَفْسِهِ ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْ الْفَسْخِ بِأَنْ سُدَّ فَمُهُ لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَقِيلَ : فِي انْقِطَاعِهِ وَجْهَانِ ، قَالَهُ الْقَفَّالُ : وَحَكَاهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ . قَالُوا : وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي انْقِطَاعِ الْخِيَارِ بِالْمَوْتِ ، قَالُوا : وَهُنَا أَوْلَى بِبَقَائِهِ لِأَنَّ إبْطَالَ حَقِّهِ قَهْرًا بَعِيدٌ أَمَّا إذَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْفَسْخِ فَطَرِيقَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يَنْقَطِعُ وَجْهًا وَاحِدًا قَالَهُ الْقَفَّالُ ، وَحَكَاهُ جَمَاعَاتٌ ( وَالثَّانِي ) هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ : فِيهِ وَجْهَانِ ، ذَكَّرَ الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلَيْهِمَا ( أَحَدُهُمَا ) يَنْقَطِعُ ، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ ( وَالثَّانِي ) لَا يَنْقَطِعُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِهِمْ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ قَرِيبًا أَنَّ الْإِكْرَاهَ يُسْقِطُ أَثَرَ ذَلِكَ الْمَشْيِ وَيَكُونُ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ .
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ الْخِيَارُ سَوَاءٌ مُنِعَ مِنْ الْفَسْخِ أَمْ لَا . قَالَ أَصْحَابُنَا : ( فَإِنْ قُلْنَا : ) يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ انْقَطَعَ أَيْضًا خِيَارُ الْمَاكِثِ فِي الْمَجْلِسِ لِحُصُولِ التَّفَرُّقِ ، وَإِلَّا فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ إذَا تَمَكَّنَ ، وَهَلْ خِيَارُهُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ عَلَى الْفَوْرِ ؟ أَمْ يَمْتَدُّ امْتِدَادَ مَجْلِسِ التَّمَكُّنِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ سَنَذْكُرُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فِيمَا 216 إذَا مَاتَ ، وَقُلْنَا : يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِوَارِثِهِ ( فَإِنْ قُلْنَا : ) لَا يُقَيَّدُ بِالْفَوْرِ ، وَكَانَ مُسْتَقِرًّا حِينَ زَايَلَهُ الْإِكْرَاهُ فِي مَجْلِسٍ ، امْتَدَّ الْخِيَارُ امْتِدَادَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ، وَإِنْ كَانَ مَارًّا فَإِذَا فَارَقَ فِي مُرُورِهِ مَكَانَ التَّمَكُّنِ - انْقَطَعَ خِيَارُهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى مَجْلِسِ الْعَقْدِ لِيَجْتَمِعَ هُوَ وَالْعَاقِدُ الْآخَرُ إنْ طَالَ الزَّمَانُ ، لِأَنَّ الْمَجْلِسَ قَدْ انْقَطَعَ حِسًّا فَلَا مَعْنَى لِلْعَوْدِ إلَيْهِ ، هَكَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ وَجَزَمَ بِهِ قَالَ : فَإِنْ قَصُرَ الزَّمَانُ فَفِي تَكْلِيفِهِ الرُّجُوعَ احْتِمَالٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِذَا قُلْنَا : لَا يُبْطِلُ خِيَارُ الْمُكْرَهِ عَلَى الْمُفَارَقَةِ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُ الْمَاكِثِ أَيْضًا إنْ مُنِعَ الْخُرُوجَ مَعَهُ ، فَإِنْ لَمْ يُمْنَعْ فَوَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَبْطُلُ ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْأَصْحَابُ الْمَسْأَلَةَ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَنْ حُمِلَ مُكْرَهًا أَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّفَرُّقِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَطَائِفَةٌ : هَذَا التَّفْصِيلُ فِيمَا إذَا حُمِلَ مُكْرَهًا ، فَإِنْ أُكْرِهَ حَتَّى تَفَرَّقَا بِأَنْفُسِهِمَا فَفِي انْقِطَاعِ الْخِيَارِ قَوْلَانِ كَحِنْثِ النَّاسِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) لَوْ هَرَبَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ وَلَمْ يَتْبَعْهُ الْآخَرُ ، فَقَدْ أَطْلَقَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ خِيَارُهُمَا ، مِمَّنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ وَجَزَمَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ : إنْ لَمْ يَتْبَعْهُ الْآخَرُ مَعَ الْمُتَمَكِّنِ بَطَلَ خِيَارُهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ بَطَلَ خِيَارُ الْهَارِبِ دُونَ الْآخَرِ ، وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ ، لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْفَسْخِ بِالْقَوْلِ ، وَلِأَنَّهُ فَارَقَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَأَشْبَهَ إذَا مَشَى عَلَى الْعَادَةِ ، بِخِلَافِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمُكْرَهِ ، فَإِنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
فَلَوْ هَرَبَ وَتَبِعَهُ الْآخَرُ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : يَدُومُ الْخِيَارُ مَا دَامَا مُتَقَارِبَيْنِ ، فَإِنْ تَبَاعَدَا بِحَيْثُ يُعَدُّ فُرْقَةً بَطَلَ خِيَارُهُمَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : لَوْ جَاءَ الْمُتَعَاقِدَانِ مَعًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا : تَفَرَّقْنَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَنَلْزَمُهُ وَقَالَ الثَّانِي : لَمْ نَتَفَرَّقْ ، وَأَرَادَ الْفَسْخَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي مَعَ يَمِينِهِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّفَرُّقِ وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى التَّفَرُّقِ وَقَالَ أَحَدُهُمَا فَسَخْتُ قَبْلَهُ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ 217 الْمُنْكِرِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالْبَاقُونَ ( وَالثَّانِي ) قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسْخِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِتَصَرُّفِهِ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ : وَهَذَا مَحْكِيٌّ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ . وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى عَدَمِ التَّفَرُّقِ وَادَّعَى أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَدَعْوَاهُ الْفَسْخَ فَسْخٌ . وَلَوْ أَرَادَ الْفَسْخَ فَقَالَ الْآخَرُ : أَنْتَ أَجَزْتَ قَبْلَ هَذَا فَأَنْكَرَ الْإِجَازَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكَرِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : فَسَخْتُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَقَالَ الْآخَرُ : بَعْدَهُ ، قَالَ الدَّارِمِيُّ : قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : فِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إذَا قَالَ : رَاجَعْتُكِ ، فَقَالَتْ : بَعْدَ الْعِدَّةِ ، قَالَ : وَحَاصِلُهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ ( أَحَدُهَا ) يُصَدَّقُ الْبَائِعُ ( وَالثَّانِي ) الْمُشْتَرِي ( وَالثَّالِثُ ) السَّابِقُ بِالدَّعْوَى ( وَالرَّابِعُ ) يُقْبَلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْفَسْخَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي فَسَخَ فِيهِ ، وَقَوْلُ الْآخَرِ فِي وَقْتِ التَّفَرُّقِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) لَوْ مَاتَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ أَوْ مَنْ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ بَلْ يَنْتَقِلُ إلَى وَارِثِهِ وَالنَّاظِرِ فِي أَمْرِهِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِيهِ خِلَافٌ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ خِيَارِ الشَّرْطِ ، وَسَنُوَضِّحُهُ بِفُرُوعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَإِنْ خَرِسَ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : إنْ كَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ أَوْ كِتَابَةٌ فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ ، وَإِلَّا نَصَّبَ الْحَاكِمُ نَائِبًا عَنْهُ يَعْمَلُ مَا فِيهِ حَظُّهُ مِنْ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَمَّا ) إذَا نَامَا فِي الْمَجْلِسِ فَلَا يَنْقَطِعُ خِيَارُهُمَا بِلَا خِلَافٍ ، صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ لِأَنَّ النَّوْمَ لَا يُسَمَّى تَفَرُّقًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَرْعٌ ) يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِلْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ ، لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَاقِدِ ، فَلَوْ مَاتَ الْوَكِيلُ ، هَلْ يَنْتَقِلُ الْخِيَارُ إلَى الْمُوَكِّلِ ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي : فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي سَنُوَضِّحُهُ فِي الْمُكَاتَبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى 218 إذَا مَاتَ هَلْ يَنْتَقِلُ خِيَارُهُ إلَى سَيِّدِهِ ؟ ( الْأَصَحُّ ) الِانْتِقَالُ قَالَ : وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّ الْمِلْكَ حَصَلَ بِعَقْدِ الْوَكِيلِ لِلْمُوَكِّلِ ، لَا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ ، كَمَا أَنَّهُ حَصَلَ لِلسَّيِّدِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ لَا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ ، هَذَا كَلَامُ الْمُتَوَلِّي ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِيهِ خِلَافٌ آخَرُ سَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ : لَوْ بَاعَ الْكَافِرُ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ ، فَلَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ صَحَّ فَسْخُهُ وَأَجْبَرْنَاهُ عَلَى بَيْعِهِ ثَانِيًا ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ وَالْفَسْخُ وَهَكَذَا أَبَدًا
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ الْخِيَارُ سَوَاءٌ مُنِعَ مِنْ الْفَسْخِ أَمْ لَا . قَالَ أَصْحَابُنَا : ( فَإِنْ قُلْنَا : ) يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ انْقَطَعَ أَيْضًا خِيَارُ الْمَاكِثِ فِي الْمَجْلِسِ لِحُصُولِ التَّفَرُّقِ ، وَإِلَّا فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ إذَا تَمَكَّنَ ، وَهَلْ خِيَارُهُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ عَلَى الْفَوْرِ ؟ أَمْ يَمْتَدُّ امْتِدَادَ مَجْلِسِ التَّمَكُّنِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ سَنَذْكُرُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فِيمَا 216 إذَا مَاتَ ، وَقُلْنَا : يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِوَارِثِهِ ( فَإِنْ قُلْنَا : ) لَا يُقَيَّدُ بِالْفَوْرِ ، وَكَانَ مُسْتَقِرًّا حِينَ زَايَلَهُ الْإِكْرَاهُ فِي مَجْلِسٍ ، امْتَدَّ الْخِيَارُ امْتِدَادَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ، وَإِنْ كَانَ مَارًّا فَإِذَا فَارَقَ فِي مُرُورِهِ مَكَانَ التَّمَكُّنِ - انْقَطَعَ خِيَارُهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى مَجْلِسِ الْعَقْدِ لِيَجْتَمِعَ هُوَ وَالْعَاقِدُ الْآخَرُ إنْ طَالَ الزَّمَانُ ، لِأَنَّ الْمَجْلِسَ قَدْ انْقَطَعَ حِسًّا فَلَا مَعْنَى لِلْعَوْدِ إلَيْهِ ، هَكَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ وَجَزَمَ بِهِ قَالَ : فَإِنْ قَصُرَ الزَّمَانُ فَفِي تَكْلِيفِهِ الرُّجُوعَ احْتِمَالٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِذَا قُلْنَا : لَا يُبْطِلُ خِيَارُ الْمُكْرَهِ عَلَى الْمُفَارَقَةِ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُ الْمَاكِثِ أَيْضًا إنْ مُنِعَ الْخُرُوجَ مَعَهُ ، فَإِنْ لَمْ يُمْنَعْ فَوَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَبْطُلُ ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْأَصْحَابُ الْمَسْأَلَةَ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَنْ حُمِلَ مُكْرَهًا أَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّفَرُّقِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَطَائِفَةٌ : هَذَا التَّفْصِيلُ فِيمَا إذَا حُمِلَ مُكْرَهًا ، فَإِنْ أُكْرِهَ حَتَّى تَفَرَّقَا بِأَنْفُسِهِمَا فَفِي انْقِطَاعِ الْخِيَارِ قَوْلَانِ كَحِنْثِ النَّاسِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) لَوْ هَرَبَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ وَلَمْ يَتْبَعْهُ الْآخَرُ ، فَقَدْ أَطْلَقَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ خِيَارُهُمَا ، مِمَّنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ وَجَزَمَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ : إنْ لَمْ يَتْبَعْهُ الْآخَرُ مَعَ الْمُتَمَكِّنِ بَطَلَ خِيَارُهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ بَطَلَ خِيَارُ الْهَارِبِ دُونَ الْآخَرِ ، وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ ، لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْفَسْخِ بِالْقَوْلِ ، وَلِأَنَّهُ فَارَقَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَأَشْبَهَ إذَا مَشَى عَلَى الْعَادَةِ ، بِخِلَافِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمُكْرَهِ ، فَإِنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
فَلَوْ هَرَبَ وَتَبِعَهُ الْآخَرُ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : يَدُومُ الْخِيَارُ مَا دَامَا مُتَقَارِبَيْنِ ، فَإِنْ تَبَاعَدَا بِحَيْثُ يُعَدُّ فُرْقَةً بَطَلَ خِيَارُهُمَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : لَوْ جَاءَ الْمُتَعَاقِدَانِ مَعًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا : تَفَرَّقْنَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَنَلْزَمُهُ وَقَالَ الثَّانِي : لَمْ نَتَفَرَّقْ ، وَأَرَادَ الْفَسْخَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي مَعَ يَمِينِهِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّفَرُّقِ وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى التَّفَرُّقِ وَقَالَ أَحَدُهُمَا فَسَخْتُ قَبْلَهُ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ 217 الْمُنْكِرِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالْبَاقُونَ ( وَالثَّانِي ) قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسْخِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِتَصَرُّفِهِ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ : وَهَذَا مَحْكِيٌّ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ . وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى عَدَمِ التَّفَرُّقِ وَادَّعَى أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَدَعْوَاهُ الْفَسْخَ فَسْخٌ . وَلَوْ أَرَادَ الْفَسْخَ فَقَالَ الْآخَرُ : أَنْتَ أَجَزْتَ قَبْلَ هَذَا فَأَنْكَرَ الْإِجَازَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكَرِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : فَسَخْتُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَقَالَ الْآخَرُ : بَعْدَهُ ، قَالَ الدَّارِمِيُّ : قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : فِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إذَا قَالَ : رَاجَعْتُكِ ، فَقَالَتْ : بَعْدَ الْعِدَّةِ ، قَالَ : وَحَاصِلُهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ ( أَحَدُهَا ) يُصَدَّقُ الْبَائِعُ ( وَالثَّانِي ) الْمُشْتَرِي ( وَالثَّالِثُ ) السَّابِقُ بِالدَّعْوَى ( وَالرَّابِعُ ) يُقْبَلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْفَسْخَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي فَسَخَ فِيهِ ، وَقَوْلُ الْآخَرِ فِي وَقْتِ التَّفَرُّقِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) لَوْ مَاتَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ أَوْ مَنْ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ بَلْ يَنْتَقِلُ إلَى وَارِثِهِ وَالنَّاظِرِ فِي أَمْرِهِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِيهِ خِلَافٌ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ خِيَارِ الشَّرْطِ ، وَسَنُوَضِّحُهُ بِفُرُوعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَإِنْ خَرِسَ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : إنْ كَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ أَوْ كِتَابَةٌ فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ ، وَإِلَّا نَصَّبَ الْحَاكِمُ نَائِبًا عَنْهُ يَعْمَلُ مَا فِيهِ حَظُّهُ مِنْ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَمَّا ) إذَا نَامَا فِي الْمَجْلِسِ فَلَا يَنْقَطِعُ خِيَارُهُمَا بِلَا خِلَافٍ ، صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ لِأَنَّ النَّوْمَ لَا يُسَمَّى تَفَرُّقًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَرْعٌ ) يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِلْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ ، لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَاقِدِ ، فَلَوْ مَاتَ الْوَكِيلُ ، هَلْ يَنْتَقِلُ الْخِيَارُ إلَى الْمُوَكِّلِ ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي : فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي سَنُوَضِّحُهُ فِي الْمُكَاتَبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى 218 إذَا مَاتَ هَلْ يَنْتَقِلُ خِيَارُهُ إلَى سَيِّدِهِ ؟ ( الْأَصَحُّ ) الِانْتِقَالُ قَالَ : وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّ الْمِلْكَ حَصَلَ بِعَقْدِ الْوَكِيلِ لِلْمُوَكِّلِ ، لَا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ ، كَمَا أَنَّهُ حَصَلَ لِلسَّيِّدِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ لَا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ ، هَذَا كَلَامُ الْمُتَوَلِّي ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِيهِ خِلَافٌ آخَرُ سَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ : لَوْ بَاعَ الْكَافِرُ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ ، فَلَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ صَحَّ فَسْخُهُ وَأَجْبَرْنَاهُ عَلَى بَيْعِهِ ثَانِيًا ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ وَالْفَسْخُ وَهَكَذَا أَبَدًا
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث