16612 أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ ° ، نا نَصْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ° ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الْيَمَامِيُّ ° ، فِي كِتَابِهِ : أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْيَمَنِيَّ ثُمَّ السِّجِسْتَانِيَّ ° ، أَخْبَرَهُمْ فِي جَامِعِ مَيَّاسٍ غُرَّةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُسْتَهَلَّ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَرَّانِيُّ ° فِي جَامِعِ دِمَشْقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُسْلِمٍ أَبَا الْيَقْظَانِ الْحَرَّانِيَّ ° يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ° ، قَالَ : دَخَلْتُ أَنْطَاكِيَةَ إِلَى مَسْجِدِ الْجَامِعِ ، فَإِذَا أَنَا بِشَيْخٍ ° جَلِيلٍ ، جَمِيلٍ ، فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ ، فَقَالَ لِي : مِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهَا مَدِينَةُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ، وَلا يَزَالُ فِيهَا رَجُلٌ مِنَ الأَبْدَالِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ . قَالَ : قُلْتُ : حَدِّثْنِي ، رَحِمَكَ اللَّهُ ، بِحَدِيثٍ أُحَدِّثُ بِهِ عَنْكَ ، قَالَ : إِنِّي لَسْتُ أُحَدِّثُكَ حَتَّى تُعْطِيَنِي عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ أَنَّكَ لا جَلَسْتَ إِلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ حَدَّثْتَهُمْ بِهِ ، قَالَ : قُلْتُ : أَفْعَلُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ : أَتَيْتُ الْبَصْرَةَ فَأَقَمْتُ فِيهَا أَرْبَعَ حِجَجٍ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَكَانَ الْعُلَمَاءُ مُتَوَافِرِينَ بِالْبَصْرَةِ ، فَكَتَبْتُ بِهَا عِلْمًا كَثِيرًا ، فَقَالَ لِي رَجُلٌ : مُنْذُ كَمْ تَكْتُبُ مَعَنَا الْحَدِيثَ ؟ لَقَدْ كَتَبْتَ عِلْمًا كَثِيرًا ، وَلَقَدْ فَاتَكَ كَلامُ رَجُلٍ وَالنَّظَرُ إِلَيْهِ ، قَدْ لَقِيَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ خَادِمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : قُلْتُ : وَأَيْنَ مَسْكَنُهُ ؟ قَالَ : فِي رَحْبَةِ الْيَهُودِ بِالْبَصْرَةِ ، قَالَ : فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ قَصْرَهُ ، فَإِذَا أَنَا بِقَصْرٍ مَشِيدٍ ، لَهُ بَابٌ مِنْ حَدِيدٍ وَعَلَى بَابِ الْقَصْرِ مَشَايِخُ مَا رَأَيْتُ وَاللَّهِ أَجْمَلَ مِنْهُمْ ، وَلا أَكْمَلَ جَمَالا ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ هَالَنِي أَمْرُهُمْ ، فَقَدِمْتُ فَسَلَّمْتُ ، فَرَدُّوا عَلَيَّ السَّلامَ ، وَرَحَّبُوا وَقَرَّبُوا وَأَدْنَوْا ، ثُمَّ قَالُوا : هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، أَنَا شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ خَرَجْتُ إِلَى بَلَدِكُمْ هَذَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَأَنَا مُقِيمٌ فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ حِجَجٍ ، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ وَالِدِكُمْ أَنَّهُ لَقِيَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ خَادِمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَمَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي " ، وَأَبُوكُمْ قَدْ رَأَى مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَخَدَمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا لِي : نَعَمْ وَكَرَامَةً ، إِنَّا نَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ غَدَاةٍ فَنُسَلِّمُ وَلا نَدْخُلُ إِلا مِنْ غَدٍ ، وَلَنَا أَخٌ هُوَ أَصْغَرُ مِنَّا سِنًّا يُكَنَّى بِأَبِي الطَّيِّبِ ، فَنَسْأَلُهُ يُدْخِلُكَ مَعَهُ عَلَيْهِ ، عَلَى أَنَّا نَشْرُطُ عَلَيْكَ أَنْ لا تَتَكَلَّمَ ، تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَهُوَ لا يَنْظُرُ إِلَيْكَ ، قَالَ : فَدَعَوْتُ لَهُمْ ، فَقَالُوا لِي : ادْخُلْ إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا صَلَّيْتَ الْعَصْرَ ، فَصِرْ إِلَيْنَا نَسْأَلُهُ يُدْخِلُكَ قَالَ : فَنَهَضْتُ ، فَلَمَّا دَخَلْتُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ شَمَمْتُ رَائِحَةَ الْمِسْكِ ، وَإِنَّ الْمَسْجِدَ قَدْ وَزَرَ بِالْخَلُوقِ وَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ ، فَسَلَّمْتُ وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ ، وَسَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، أَنْ يُسَهِّلَ لِيَ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِ وَلِيِّهِ ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِذَا بِشَيْخٍ طَوِيلِ الْقَامَةِ عَظِيمِ الْهَامَةِ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ ، مَقْطُوعُ الْكُمَّيْنِ ، مَشْدُودٌ وَسَطَهُ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ ، عَلَى عَاتِقِهِ مَرٌّ وَمِجْرَفَةٌ وَزَنْبِيلٍ ، فَوَضَعَ الْمَرَّ وَالْمَجْرَفَةَ وَالزَّنْبِيلَ فِي زَاوِيَةِ الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ سَلَّمَ وَكَبَّرَ وَصَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً فَقَطْ ، قَالَ : قُلْتُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، لَعَلَّهُ قَدْ سَهَا ، فَقَالَ لِي مُجِيبًا : وَبِحَمْدِهِ ، قَالَ : فَقُلْتُ : رَحِمَكَ اللَّهُ ، إِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ إِلا رَكْعَةً ، فَقَالَ : رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ ، إِنَّمَا هِي تَطَوُّعٌ لَيْسَ هِيَ فَرْضٌ ، قَالَ : قُلْتُ : رَحِمَكَ اللَّهُ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ رَكْعَةً تُجْزِئُ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ ؟ قَالَ : مَوْلايَ صَاحِبُ هَذَا الْقَصْرِ ، قَالَ : قُلْتُ : وَمَمْلُوكٌ أَنْتَ ؟ قَالَ : كُنْتُ مَمْلُوكًا ، وَلَكِنْ أَعْتَقَ اللَّهُ رَقَبَتِي مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً وَأَنَا أَحْفِرُ الْقُبُورَ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً ، قَالَ : قُلْتُ : وَمَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى حَفْرِ الْقُبُورِ ؟ قَالَ : لِحَدِيثٍ حَدَّثَنِي مَوْلايَ ° هَذَا ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ° ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَنْ حَفَرَ قَبْرًا لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ جَزَاءً بَنَى اللَّهُ ، تَعَالَى ، لَهُ بَيْتًا فِي الْفِرْدَوْسِ الأَعْلَى ، فِيهِ قُبَّةٌ خَضْرَاءُ ، يُرَى بَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا ، وَظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا " ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : مَنْ غَسَّلَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ أَجْرًا وَكَتَمَ مَا يَرَى مِنْهُ غَفَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ ذُنُوبَهُ فِي ظُلْمَةِ قَبْرِهِ وَوَحْشَتِهِ ، إِذَا خَلا فَرْدًا وَحِيدًا مُرْتَهِنًا بِعَمَلِهِ ، وَوَكَّلَ بِهِ مَلَكًا بِيَدِهِ مِصْبَاحٌ مِنْ نُورٍ ، فَهُوَ يُؤْنِسُهُ فِي قَبْرِهِ إِلَى أَنْ يَنْفُخَ اللَّهُ فِي الصُّورِ ، فَهُوَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى حَفْرِ الْقُبُورِ وَغَسْلِ الْمَوْتَى ، وَحَرْسِي الْقُبُورَ ، قَالَ : قُلْتُ : مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ : صَالِحٌ . قَالَ : قُلْتُ : بِاللَّهِ يَا صَالِحُ ، حَدِّثْنِي بِأَعْجَبَ شَيْءٍ رَأَيْتَ فِي ظُلُمَاتِ اللَّيْلِ وَأَنْتَ تَحْفِرُ الْقُبُورَ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً ، قَالَ : إِنِّي لَسْتُ أُحَدِّثُكَ أَوْ تُعْطِينِي عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ ، إِنَّكَ لا تَجْلِسُ إِلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ إِلا حَدَّثْتَهُمْ بِهِ ، قَالَ : قُلْتُ : نَفْعَلُ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ : مَاتَتْ بِنْتُ الْقَاضِي ، قَاضِي الْبَصْرَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْبَصْرَةِ امْرَأَةٌ هِيَ أَجْمَلُ مِنْهَا ، وَلا أَكْمَلُ جَمَالا ، فَجَزِعَ عَلَيْهَا أَبُوهَا جَزَعًا شَدِيدًا ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْكِي مِنْ أَحَرِّ الْبُكَاءِ وَدُمُوعُهُ تَجْرِي عَلَى وَجَنَّتَيْهِ ، فَسَلَّمْتُ ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ ، قَالَ : قُلْتُ : رَحِمَكَ اللَّهُ ، إِنَّ الْمَوْتَ حَتْمٌ عَلَى الْخَلْقِ ، وَإِنَّ اللَّهَ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ سورة الزمر آية 30 ، فَقَالَ لِي : يَا صَالِحُ ، قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْبَصْرَةِ امْرَأَةٌ هِي أَجْمَلُ مِنَ ابْنَتِي وَلا أَكْثَرُ مَالا ، مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَمْ تُرْزَقْ مِنْهُ وَلَدًا ، وَقَدْ وَرِثَتْ مِنْهُ مَالا عَظِيمًا ، وَقَدْ كُنْتُ رَجَوْتُ أَنْ تَرِثَنِي أَنَا إِذَا مِتُّ ، فَلَمَّا أَنْ مَاتَتْ دَخَلَ عَلَيَّ أَمْرٌ عَظِيمٌ ، وَقَدْ أَوْصَتْ إِلَيَّ أَنْ أُخْرِجَ مِنْ ثُلُثِهَا ثَلاثَةَ آلافِ دِينَارٍ أُكَفِّنُهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ ، وَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ ، وَيُعْطَى لِحَرَسِ قَبْرِهَا أَلْفُ دِينَارٍ يَحْرُسُ سَنَةً اثْنَيْ عَشْرَةَ شَهْرًا ، قَالَ : قُلْتُ : أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَعْطَيْتُ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ يَسْأَلُنِي عَنْهُ أَنِّي لا آخُذُ لِحَرْسِ قَبْرٍ ، وَلا لِحَفْرِ قَبْرٍ وَلا لِغَسْلِ مَيِّتٍ شَيْئًا أَبَدًا ، فَقَالَ لِي : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ، تُرْزَقُ رِزْقًا حَلالا وَتَرُدُّهُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ أَيُّهَا الْقَاضِي ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُشِيرَ عَلَيْكَ بِشَيْءٍ يُسْعِدُكَ اللَّهُ ، تَعَالَى ، بِهِ ، وَيُدْخِلُ عَلَى ابْنَتِكَ فِي قَبْرِهَا السُّرُورَ وَالرَّحْمَةَ ، فَقَالَ : تَكَلَّمْ ، قَالَ : قُلْتُ : إِنَّ الْمَيِّتَ لا يَنْتَفِعُ أَنْ يُكَفَّنَ بِأَلْفِ دِينَارٍ ، فَإِنَّهُ يَبْلَى فِي التُّرَابِ وَالصَّدِيدِ وَالدُّودِ ، وَلَكِنْ تُكَفَّنُ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، وَتُضِيفُ تِسْعَ مِائَةٍ إِلَى الأَلْفَيْنِ ، فَتَشْتَرِي بِهَا الثِّيَابَ وَالْخُبْزَ وَالْمَاءَ ، فَتَكْسُو الْعَارِيَ ، وَتُشْبِعُ الْجَائِعَ ، وَتَرْوِي الظَّمْآنَ ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ ابْنَتَكَ مِنَ النَّارِ ، وَيُدْخِلَ عَلَيْهَا فِي قَبْرِهَا السُّرُورَ وَالرَّحْمَةَ ، فَقَالَ لِي : وُفِّقْتَ وَأَشَرْتَ بِخَيْرٍ ، قَالَ : فَكَفَّنَهَا بِمِائَةٍ ، وَتَصَدَّقَ عَلَيْهَا بِالْبَاقِي ، قَالَ صَالِحٌ : فَحَرَسْتُ قَبْرَهَا ثَلاثَ لَيَالٍ أُصَلِّي عِنْدَ قَبْرِهَا أَلْفَ رَكْعَةٍ ، قَالَ : فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنَ اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ ، وَقَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ ، وَأُصِبْتُ فِي رَأْسِي نَعْسَةً ، وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِطُولِ شَهْرٍ ثَلاثَ لَيَالٍ ، فَأَخَذْتُ لَبِنَةً فَوَضَعْتُهَا تَحْتَ رَأْسِي ثُمَّ نِمْتُ ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ ذَهَبَ بِي النَّوْمُ ، فَإِذَا ابْنَةُ الْقَاضِي قَائِمَةٌ بَيْنَ يَدَيَّ ، عَلَيْهَا ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَحُلِيُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا هَذِهِ ، مَنْ أَنْتِ الَّتِي قَدْ أَلْبَسَكِ اللَّهُ الْبَهَاءَ وَالنُّورَ ؟ قَالَتْ : صَاحِبَةُ الْقَبْرِ بِنْتُ الْقَاضِي ، جِئْتُ أَشْكُرُكَ ، نَوَّرَ اللَّهُ قَبْرَكَ ، وَجَزَاكَ عَنِّي أَفْضَلَ الْجَزَاءِ كَمَا أَشَرْتَ بِالْخَيْرِ فِي الصَّدَقَةِ عَنِّي ، إِنَّ اللَّهَ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، قَدْ نَوَّرَ قَبْرِي وَأَدْخَلَ قَبْرِي السُّرُورَ وَالرَّحْمَةَ ، قُمْ حَتَّى أُرِيَكَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ ، تَعَالَى ، لِمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، قَالَ : فَنَهَضْتُ مَعَهَا وَفِي يَدِهَا مِصْبَاحٌ مِنْ بِلَّوْرٍ ، وَالْقَبْرُ رَوْضَةٌ خَضْرَاءُ كَأَحْسَنِ مَا يَكُونُ ، وَأَنَّ الْقُبُورَ قَدْ أَقْبَلَ أَهْلُهَا ، وَقَدْ جَلَسَ كُلُّ مَيِّتٍ عَلَى شَفِيرِ قَبْرِهِ ، قَدْ أَلْبَسَهُمُ اللَّهُ ، تَعَالَى ، الْبَهَاءَ وَالنُّورَ ، قَالَتْ : هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْهَدُونَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، ادْنُ مِنْهُمْ وَكَلِّمْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ يُكَلِّمُونَكَ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَوْتَى يُكَلِّمُونَ الأَحْيَاءَ ، قَالَتْ : وَأَنَا مَيِّتَةٌ ، وَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ ، تَعَالَى ، لِي وَكَلَّمْتُكَ ، قَالَ : فَلَمَّا أَنْ دَنَوْتُ مِنْهُمْ ، قَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْ مُؤْنِسٍ ، إِنَّا نَسْمَعُ قِرَاءَتَكَ وَدُعَاءَكَ ، لا نَقْدِرُ نُجِيبُكَ ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الأَحْيَاءِ تَعْمَلُونَ الْخَيْرَاتِ ، وَلا تَدْرُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، مِنَ الدَّرَجَاتِ ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَائْتِ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ فَأَقْرِئْ أَهَالِينَا السَّلامَ ، وَقُلْ لَهُمْ : إِنَّ مَوْتَاكُمْ يَقْرَءُونَ عَلَيْكُمُ السَّلامَ ، وَيَقُولُونَ لَكُمْ : جَزَاكُمُ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا وَأَفْضَلَ الْجَزَاءِ ، فَإِنَّ هَدَايَاكُمْ تَأْتِينَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ، قَالَ : فَأَلْهَمَنِي اللَّهُ أَنْ قُلْتُ : وَمَا الْهَدَايَا ؟ قَالُوا : الدُّعَاءُ وَالصَّدَقَةُ ، إِنَّ الصَّدَقَةَ شَيْءٌ عَظِيمٌ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ ، وَدُعَاءَ الأَحْيَاءِ يَدْعُونَ لَنَا اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَيَسْتَجِيبُ اللَّهُ لَهُمْ فِينَا ، فَيُدْخِلُ عَلَيْنَا فِي قُبُورِنَا السُّرُورَ وَالرَّحْمَةَ ، قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا فَرِحٌ بِمَا قَدْ أَلْبَسَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْبَهَاءِ وَالنُّورِ ؛ إِذْ نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مُشَوَّهِ الْوَجْهِ رَثِّ الْكَفَنِ ، فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ مِنْ نَارٍ ، وَرَجُلٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِنْ نَارٍ يَضْرِبُ حُرَّ وَجْهِهِ وَظَهْرِهِ وَبَطْنِهِ ، وَهُوَ يَصِيحُ : يَا وَيْلاهُ مِنْ نَارٍ لا تُطْفَأُ وَعَذَابٍ لا يَبْلَى ، قَالَ : فَتَقَطَّعَ وَاللَّهِ قَلْبِي لَهُ رَحْمَةً ، قَالَ : قُلْتُ لَهُ : يَا هَذَا أَيْشِ حَالُكَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَدْ أَلْبَسَهُمُ اللَّهُ ، تَعَالَى ، الْبَهَاءَ وَالنُّورَ ؟ قَالَ : جُرْمِي عَظِيمٌ ، قَالَ : قُلْتُ : فَأَيْشِ جُرْمُكَ ؟ قَالَ : كَانَ لِي مَالٌ عَظِيمٌ ، وَكُنْتُ لا أُزَكِّي فِيهِ ، فَنَالَنِي هَذَا بِعُقُوقِ وَالِدِي فِي دَارِ الدُّنْيَا ، قَالَ : قُلْتُ : عَقَّتَ وَالِدَكَ فِي دَارِ الدُّنْيَا ؟ قَالَ : مَاتَ أَبِي وَخَلَّفَ مَالا عَظِيمًا ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْبَصْرَةِ امْرَأَةٌ هِيَ أَجْمَلُ مِنْ وَالِدَتِي وَلا أَكْثَرُ مَالا ، فَرَغِبُوا مُلُوكُ الْبَصْرَةِ فِيهَا ، فَخَطَبَهَا بَعْضُ الْمُلُوكِ ، فَأَجَابَتْهُ ، فَبَلَغَنِي ذَلِكَ ، فَدَاخَلَتْنِي الْغَيْرَةُ ، قَالَ : فَجِئْتُ ، فَقُلْتُ : يَا أُمَّةُ ، بَلَغَنِي أَنَّكِ تُرِيدِينَ التَّزْوِيجَ ؟ قَالَتْ لِي : التَّزْوِيجُ حَلالٌ ، فَرَفَعْتُ يَدِي فَلَطَمْتُ حُرَّ وَجْهِهَا ، فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا ، فَسَالَ مِنْ وَجْهِهَا الدَّمُ ، فَلَمَّا أَفَاقَتْ مِنْ غَشِيَتِهَا رَفَعَتْ يَدَهَا وَرَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّ لا أَقَالَكَ اللَّهُ عَثْرَتَكَ ، وَلا آنَسَ فِي الْقَبْرِ وَحْشَتَكَ ، قَالَ : فَلَمَّا أَنْ مِتُّ صِرْتُ فِي قَبْرِي إِلَى نَارٍ لا تُطْفَأُ وَعَذَابٍ لا يَبْلَى ، وَكَذَلِكَ الْقَبْرُ مِنَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ سَالِمًا فَائْتِ وَالِدَتِي وَأَقْرِئْهَا السَّلامَ وَأَعْلِمْهَا بِمَا رَأَيْتَ مِنْ سُوءِ حَالِي لَعَلَّهَا تَرْحَمُنِي ، قَالَ : قُلْتُ : وَاللَّهِ لأَفْعَلَنَّ ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا سورة النساء آية 58 ثُمَّ انْتَبَهْتُ ، فَإِذَا رَائِحَةُ الْمِسْكِ فِي مَسْجِدِي ، وَكَأَنَّهُ أَضْوَاءُ الْمِصْبَاحِ فِي مَسْجِدِي وَبَيْنَ عَيْنِي ، قَالَ : قُلْتُ : هَذَا رُؤْيَا مِنَ اللَّهِ ، تَعَالَى ، وَاللَّهِ لآتِيَنَّ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ فَلأُؤَدِّيَنَّ الرِّسَالَةَ ، وَلآتِيَنَّ أُمَّ الْمِسْكِينِ فَأُخْبِرُهَا بِمَا رَأَيْتُ مِنْ سُوءِ حَالِهِ ، قَالَ : فَنَهَضْتُ فَأَسْبَغْتُ الْوُضُوءَ وَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَصَلَّيْتُ الصَّلاةَ مَعَ الإِمَامِ ، فَلَمَّا أَنْ سَلَّمَ قُمْتُ ، فَقُلْتُ : السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَأَهْلَ الْمَسْجِدِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، قَالُوا لِي بِأَجْمَعِهِمْ : عَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، قَالَ : قُلْتُ : إِنِّي رَأَيْتُ مَوْتَاكُمْ فِي النَّوْمِ بِأَحْسَنَ مَنْظَرٍ ، وَهُمْ يُقْرِءُونَكُمُ السَّلامَ ، وَيَقُولُونَ لَكُمْ : جَزَاكُمُ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا أَفْضَلَ الْجَزَاءِ ، فَإِنَّ هَدَايَاكُمْ تَأْتِينَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ، قَالَ : فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ شَيْخٌ وَلا شَابٌّ إِلا عَلا نَحِيبُهُ بِالْبُكَاءِ ، حَتَّى سَمِعْتُ الْمَسْجِدَ ضَجِيجًا وَعَجِيجًا ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلا تَصَدَّقَ عَنْ حَبِيبِهِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَكَانَتْ رُؤْيَا رَحْمَةً عَلَى الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ ، قَالَ : قُلْتُ : وَاللَّهِ لآتِيَنَّ أُمَّ الْمِسْكِينِ وَأُخْبِرُهَا بِمَا رَأَيْتُ مِنْ سُوءِ حَالِهِ ، قَالَ : فَمَا زِلْتُ أَسْعَى إِلَى بَابِ وَالِدَتِهِ ، فَإِذَا عَلَى الْبَابِ شَيْخٌ جَلِيلٌ جَمِيلٌ بِيَدِهِ مُصْحَفٌ يَقْرَأُ فِيهِ ، وَحَوْلَهُ وَصَائِفُ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ ، فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلا أَمَرَ الْوَصَائِفَ يَدْخُلْنَ الْقَصْرَ ، قَالَ : فَتَقَدَّمْتُ وَسَلَّمْتُ ، فَصَافَحَنِي وَعَانَقَنِي ، وَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ ، ثُمَّ قَالَ لِي : هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَمَّا إِلَيْكَ فَلا ، وَلَكِنْ إِلَى أَهْلِكَ ، فَقَالَ لِي : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَا فِي مَالِي ، وَلا مَا خَوَّلَنِي اللَّهُ ، تَعَالَى ، مَا أَقْضِي حَاجَتَكَ ، قَالَ : قُلْتُ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا سورة النساء آية 58 ، فَقَالَ لِي : صَدَقْتَ وَأَحْسَنْتَ ، ثُمَّ قَالَ : يَا غُلامُ ، ادْخُلْ إِلَى سِتِّكَ ، فَقُلْ لَهَا : تُسْبِلِ السِّتْرَ حَتَّى تُدْخِلَ صَالِحًا لِتَنْظُرَ أَيْشِ حَاجَتِهِ ، قَالَ : فَدَخَلَ الْغُلامُ فَأَسْبَلَ السِّتْرَ ، وَجَلَسْتُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ ، قَالَ صَالِحٌ : فَدَخَلَ زَوْجُهَا وَدَخَلَتْ مَعَهُ ، فَلَمَّا أَنْ صِرْتُ فِي صَحْنِ الدَّارِ ، قَالَ : قُلْتُ : السَّلامُ عَلَيْكِ يَا أَمَةَ اللَّهِ ، قَالَتْ : وَعَلَيْكَ السَّلامُ يَا صَالِحَ الْحُفَّارِ ، هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ ؟ قُلْتُ : رَحِمَكِ اللَّهُ ، مَنْ لَكِ فِي الْمَقَابِرِ ؟ قَالَ : فَبَكَتْ حَتَّى خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا ، وَبَكَى زَوْجُهَا ، وَبَكَى جَمِيعُ مَنْ كَانَ فِي الْقَصْرِ مَعَهَا مِنْ حَرَمِهَا ، قَالَ صَالِحٌ : وَبَكَيْتُ أَنَا رَحْمَةً لَهَا ، فَلَمَّا أَفَاقَتْ مِنْ غَشْيَتِهَا ، قَالَتْ : وَمَا ذَاكَ يَا صَالِحُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَهْلَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، قَدْ أَلْبَسَهُمُ اللَّهُ ، تَعَالَى ، الْبَهَاءَ وَالنُّورَ ، وَرَأَيْتُ رَجُلا مُشَوَّهَ الْوَجْهِ ، رَثَّ الْكَفَنِ ، فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ مِنْ نَارٍ ، وَرَجُلا بِيَدِهِ سَوْطٌ وَهُوَ يَضْرِبُ وَجْهَهُ وَظَهْرَهُ وَبَطْنَهُ ، وَهُوَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ ، فَتَقَطَّعَ قَلْبِي ، وَاللَّهِ ، لَهُ رَحْمَةً ، فَقُلْتُ : يَا هَذَا ، أَيْشِ حَالُكَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَدْ أَلْبَسَهُمُ اللَّهُ ، تَعَالَى ، الْبَهَاءَ وَالنُّورَ ؟ قَالَ : كَانَ لِي مَالٌ عَظِيمٌ ، وَكُنْتُ لا أُزَكِّيهِ ، وَمِتُّ وَوَالِدَتِي سَاخِطَةٌ عَلَيَّ ، فَإِذَا أَصْبَحْتُ سَالِمًا فَائْتِ وَالِدَتِي فَأَقْرِئْهَا مِنِّي السَّلامَ ، وَأَعْلِمْهَا بِمَا رَأَيْتَ مِنْ سُوءِ حَالِي لَعَلَّهَا تَرْحَمُنِي ، قَالَ : فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا ، ثُمَّ قَالَتْ : ذَلِكَ وَاللَّهِ وَلَدِي ، وَمَنْ نَزَلَ عَنْ كَبِدِي ، وَاحَسْرَتَاهُ عَلَيَّ مَا فَرَّطْتُ فِيكَ يَا حَبِيبَ قَلْبِي ، ثُمَّ قَالَتْ : يَا جَارِيَةُ ، ائْتِنِي بِكِيسٍ مَخْتُومٍ ، فَجَاءَتْ بِكِيسٍ مَخْتُومٍ ، فَقَالَتْ : خُذْهُ وَانْطَلِقْ إِلَى السُّوقِ ، وَاشْتَرِ بِهَا فِيهِ الثِّيَابَ وَالْخُبْزَ وَالْمَاءَ ، فَاكْسُ الْعَارِي ، وَأَشْبِعِ الْجَائِعَ ، وَارْوِ الظَّمْآنَ ، ثُمَّ قَالَتْ : اللَّهُمَّ إِنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ عَنْ وَلَدِي ، اللَّهُمَّ فَارْضَ عَنْهُ ، قَالَ لَهَا زَوْجُهَا : أَحْسَنْتِ وَأَصَبْتِ وَوَصَلْتِ رَحِمَكِ ، اللَّهُ مَا كُنَّا بِالَّذِي نَتْرُكُكِ إِلَى أَنْ تَسْبِقِينَا إِلَى الْخَيْرِ ، يَا غُلامُ ائْتِنِي بِكِيسٍ مَخْتُومٍ ، فَأَتَاهُ بِكِيسٍ ، فَقَالَ : خُذْهُ وَأَضِفْهُ إِلَى الآخَرِ ، اللَّهُمَّ إِنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ عَنِ ابْنِ الْعَجُوزِ ، اللَّهُمَّ فَارْضَ عَنْهُ وَعَنْ وَالِدَيْهِ ، وَمَا وَلَدَا وَعَنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ صَالِحٌ : فَأَخَذْتُ كِيسًا بِيَدِي الْيُمْنَى وَكِيسًا بِيَدِي الْيُسْرَى ، فَانْطَلَقْتُ فَأَشْبَعْتُ الْجَائِعَ ، وَكَسَوْتُ الْعَارِيَ ، وَأَرْوَيْتُ الظَّمْآنَ حَتَّى أَنْفَذْتُهَا ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ ، فَسَقَطَ مِنِّي رَغِيفٌ ، قَالَ : فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لا أَبْرَحُ حَتَّى أُنْفِذَهُ ، فَإِنَّ قَلِيلَ الأَمَانَةِ وَكَثِيرَهَا عِنْدَ اللَّهِ ، تَعَالَى ، سَوَاءٌ ، قَالَ : فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ ؛ إِذْ خَرَجَ مِنْ بَعْضِ دُرُوبِ الْبَصْرَةِ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، مُنْحَنِي ، مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الْكِبَرِ ، يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ ، قَالَ : فَلَمَّا دَنَا مِنِّي ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَهُوَ لا يَنْظُرُ إِلَيَّ ، وَهُوَ يَقُولُ : يَا سَيِّدِي وَمَوْلايَ ، قَدْ خَدَمْتُكَ مُنْذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ، قَالَ : فَلَمَّا دَنَا قُلْتُ : يَا شَيْخُ ، قَالَ لِي : سَعْدَيْكَ ، قَالَ : قُلْتُ : مَا أَرَى عَنْ يَمِينِكَ أَحَدًا ، وَلا عَنْ شِمَالِكَ أَحَدًا ، وَلا أَمَامِكَ أَحَدًا ، وَلا خَلْفِكَ أَحَدًا ، فَلِمَنْ تُنَاجِي ؟ قَالَ : يَا أَخِي ، أُنَاجِي سَيِّدَ السَّادَاتِ ، وَمَالِكَ الْمُلُوكِ ، وَمَوْلَى الْمَوَالِي ، قَدْ عَوَّدَنِي فِي كُلِّ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ قُرْصًا أُفْطِرُ عَلَيْهِ وَهَذَا حَاجَتِي إِلَيْهِ ، قَالَ : قُلْتُ : إِنَّ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، قَدْ أَجَابَ دَعْوَتَكَ يَا شَيْخُ ، قَالَ : فَأَخَذْتُ الرَّغِيفَ فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَعَنْ مَنْ تَصَدَّقَ بِهِ ، وَعَنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ صَالِحٌ : وَمَضَيْتُ فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ لأَحْرُسَ قَبْرَ ابْنَةِ الْقَاضِي ، فَلَمَّا قَرَأْتُ جُزْئِي وَصَلَّيْتُ وِرْدِي اضْطَجَعْتُ ، ثُمَّ نِمْتُ ، فَلَمَّا ذَهَبَ النَّوْمُ أَطْيَبُ مَا كُنْتُ ، فَإِذَا أَنَا بِابْنِ الْعَجُوزِ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيَّ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبَ رَائِحَةً ، فَقَالَ : نَوَّرَ اللَّهُ قَبْرَكَ وَجَزَاكَ عَنِّي أَفْضَلَ الْجَزَاءِ كَمَا أَدَّيْتَ الرِّسَالَةَ وَالأَمَانَةَ ، إِنَّ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، قَدْ نَوَّرَ قَلْبِي ، وَأَدْخَلَ قَبْرِي السُّرُورَ وَالرَّحْمَةَ بِدُعَاءِ وَالِدَتِي ، وَدُعَاءِ الْفُقَرَاءِ لِي ، إِنَّ الصَّدَقَةَ شَيْءٌ عَجِيبٌ ، تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ سَالِمًا فَائْتِ وَالِدَتِي فَأَقْرِئْهَا السَّلامَ ، وَأَعْلِمْهَا أَنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ وَصَلَتْ ، وَقُلْ لَهَا : لا تَقْطَعِي الصَّدَقَةَ ، فَإِنَّ قَلِيلَ الْخَيْرِ عِنْدَ اللَّهِ كَثِيرٌ ، قَالَ : فَانْتَبَهْتُ فَرِحًا ، قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْغَمَّ عَنِّي ، قَالَ : وَصِرْتُ إِلَى وَالِدَتِهِ فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا رَأَيْتُ ، فَسُرَّتْ بِذَلِكَ وَآلَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَنَّهَا تَتَصَدَّقُ عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا صَالِحُ ، قَدْ وَعَدَنِي مَوَالِيكَ هَؤُلاءِ أَنْ يُدْخِلُونِي عَلَى مَوْلاكَ ، قَالَ لِي : هَيْهَاتَ مَا أَطْمَعُ لَكَ فِي ذَلِكَ ؛ لأَنَّهُ كَبِيرٌ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ ، قَدِ احْتَجَبَ عَنِ النَّاسِ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ ، قَالَ : قُلْتُ : قَدْ وَعَدُونِي أَنْ يُكَلِّمُوا لِي ابْنَهُ الأَصْغَرَ ، فَقَالَ لِي : نَعَمْ ، لَيْسَ فِي أَوْلادِهِ أَصْبَحُ وَجْهًا مِنْهُ ، وَلا أَرَقَّ قَلْبًا ، وَلا أَرْحَمَ بِالْغَرِيبِ ، وَإِنَّ لِلشَّيْخِ مِنْ صُلْبِهِ سَبْعِينَ ذَكَرًا .