حدثناهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ° ، قَالَ : حدثنا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُباب ° ، قَالَ : حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ° ، قَالَ : حدثنا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ° ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ° ، " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ° ، صَلَّى بِالنَّاسِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ فَأَصَابَ فَرْجَهُ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ كَمَا أَنْتُمْ ، فَخَرَجَ فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ فَأَعَادَ "
فاحتج بهذين الخبرين ، وما كان مثلهما من كره الاستخلاف من العلماء . وقال أبو بكر الأثرم : سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن رجل أحدث وهو يصلى أيستخلف أم يقول لهم يبتدءون ، وهو كيف يصنع ؟ فقال : أما أنا فيعجبني أن يتوضأ ويستقبل ، قيل له : فهم كيف يصنعون ؟ فقال : أما هم ففيه اختلاف . قَالَ أبو بكر : ومذهب أبي عبد الله ، يعنى أحمد بن حنبل رحمه الله ، أن لا يبنى في الحدث سمعته ، يقول : الحدث أشد والرعاف أسهل . وقد تابع الشافعي على ترك الاستخلاف داود بن علي وأصحابه فقالوا : إذا أحدث الإمام في صلاته صلى القوم أفرادا ، وأما أهل الكوفة وأكثر أهل المدينة فكلهم يقول : بالاستخلاف لمن نابه شيء في صلاته ، فإن جهل الإمام ولم يستخلف ، تقدمهم واحد منهم بإذنهم ، أو بغير إذنهم ، وأتم بهم ، وذلك عندهم عمل مستفيض والله أعلم . إلا أن أبا حنيفة إنما يرى الاستخلاف لمن أحرم وهو طاهر ، ثم أحدث ، ولا يرى لإمام جنب ، أو على غير وضوء ، إذا ذكرذلك في صلاته ، أن يستخلف وليس عنده في هذه المسألة موضع للاستخلاف ، لأن القوم عنده في غير صلاة كإمامهم سواء على ما ذكرناه من أصله في ذلك . قال أبو عمر : لا تبين عندي حجة من كره الاستخلاف استدلالا بحديث هذا الباب ، لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس في الاستخلاف كغيره ، ولا يجوز أن يتقدم أحد بين يديه إلا بأذنه ، وقد قَالَ لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مكانكم " ، فلزمهم أن ينتظروه ، هذا لو صح أنه تركهم في صلاة ، فكيف ، وقد قيل : إنهم استأنفوا معه فلو صح هذا لبطلت النكتة التي منها نزع من كره الاستخلاف ، وقد أجمع المسلمون على الاستخلاف فيمن يقيم لهم أمر دينهم ، والصلاة أعظم الدين ، وفي حديث سهل بن سعد دلالة على جواز الاستخلاف لتأخر أبي بكر ، وتقدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تلك الصلاة والله أعلم ، وحسبك ما مضى عليه من ذلك عمل الناس وسنذكرحديث سهل بن سعد في باب أبي حازم إن شاء الله . قال أبو عمر : قد نزع قوم في جواز بناء المحدث على ما صلى قبل أن يحدث ، إذا توضأ بهذا الحديث ، ولا وجه لما نزعوا به في ذلك ، لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يبن على تكبيره لما بنى قبل في هذا الباب ، ولو بنى ما كان فيه حجة أيضا لإجماعهم على أن ذلك غير جائز اليوم لأحد ، وأنه منسوخ بأن ما عمله المرء من صلاته وهو على غير طهارة لا يعتد به ، إذ لا صلاة إلا بطهور . واتفق مالك والشافعي على أن من أحدث في صلاته لم يبن على ما مضى له منها ويستأنفها ، إذا توضأ على أنه لا يبنى أحد في القيء ، كما لا يبنى في شيء من الأحداث . واختلفا في بناء الراعف ، فقال الشافعي في القديم : يبنى الراعف وانصرف عن ذلك في الجديد ، وقال مالك : إذا رعف في أول صلاته ولم يدرك ركعة بسجدتها فلا يبنى ، ولكنه ينصرف فيغسل عنه الدم ، ويرجع فيعيد الإقامة ، والتكبير ، والقراءة ، ولا يبنى عنده إلا من أدرك ركعة كاملة من صلاته ، فإذا كان ذلك ، ثم رعف خرج ، فغسل الدم عنه ، وبنى على ما مضى ، وصلى حيث شاء إلا في الجمعة ، فإنه لا يبنى فيها إذا ادرك ركعة منها ثم رعف إلا في المسجد الجامع ، وإذا كان الراعف إماما ، فلا يعود إماما في تلك الصلاة أبدا ولا يتم صلاته إلا مأموما أو فذا ، هذا تحصيل مذهبه عند جميع أصحابه ، وقد روى عنه أنه قَالَ : لولا أني أكره خلاف من مضى ، ما رأيت أن يبنى الراعف ، ورأيت أن يتكلم ويستأنف . قَالَ : وهو أحب إلى ، وقد روى عنه أنه قَالَ : أن الفذ لا يبنى في الرعاف . وأما الشافعي فقال : لا يبنى الراعف إذا استدبر القبلة لغسل الدم عنه ، وكل من استدبر القبلة عنده وهو عالم بأنه في صلاة ، لم يجز له البناء ، وكان عليه الاستيناف أبدا ، والذي يسهو فيسلم من ركعتين ويخرج وهو يظن أنه قد أكمل صلاته ، وأنه ليس في صلاة ، فإن هذا يبنى عنده ما لم يتكلم أو يحدث أو يطول أمره على حديث ذي اليدين ، وسنذكرأقاويل العلماء في معنى حديث ذي اليدين في باب أيوب إن شاء الله . وقول ابن شبرمة في هذا كقول مالك ، والشافعي ، لا يبنى أحد في الحدث ، ولكنه ينصرف فيتوضأ ويستقبل ، وإن كان إماما استخلف . وقال الأوزاعي : إن كان حدثه من قيء أو ريح توضأ واستقبل ، وإن كان من رعاف توضأ ، وبنى وكذلك غير الرعاف ، والرعاف عنده حدث ينقض الوضوء . وقال الثوري : إذا كان حدثه من رعاف ، أو قيء توضأ بنى ، وإن كان حدثه من بول ، أو ريح ، أو ضحك أعاد الوضوء والصلاة . وقال ابن شهاب : القيء والرعاف سواء ، يتوضأ ، ثم يتم على ما بقى من صلاته ما لم يتكلم . وقد روى عن ابن شهاب في الإمام يرى بثوبه دما ، أو رعف ، أو يجد حدثا ، أنه ينصرف ، ويقول للقوم : أتموا صلاتكم ، ويصلى كل إنسان لنفسه . رواه الزبيدي عنه ، وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، وابن أبي ليلى يبنى في الأحداث كلها إذا سبقته في الصلاة والقيء والرعاف عند أبي حنيفة وأصحابه حدث كسائر الأحداث ، وهو قول جمهور سلف أهل العراق ينقض الرعاف والقيء ، وكل ما خرج من الجسد من دم ، أو نجاسة عندهم الطهارة كسائر الأحداث ، قياسا عند أبي حنيفة ، وأصحابه على المستحاضة ، لأنهم أثبتوا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرها بالوضوء لكل صلاة ، فالراعف عندهم ينصرف ، فيتوضأ ، ويبنى على ما صلى على حسب ما ذكرنا من أصلهم في بناء المحدث ، وهم يقولون : إن الراعف لو أحدث بعد انصرافه توضأ ، واستأنف ولم يبن ، وإنما يبنى عندهم من أحدث في الصلاة ، وحسبك بمثل هذا ضعفا في النظر ، ولا يصح به خبر ، والحجج للفرق في هذا الباب تطول جدا وتكثر ، وفي بعضها تشعيب ، وإنما ذكرنا هاهنا ما للعلماء في تأويل حديث هذا الباب من المذاهب وأصول الأحكام والحمد لله . والحجة عندنا ، ألا وضوء على الرعاف والقيء أن المتوضئ بإجماع لا ينتقض وضوؤه باختلاف ، إلا أن يكون هناك سنة يجب المصير إليها ، وهي معدومة هاهنا وبالله توفيقنا . وسنذكر أحكام المستحاضة في باب نافع من هذا الكتاب إن شاء الله .