← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#59 مقبول 1 : 135 ☰ إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
A− A+

قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ° ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ ° ، قَالَ : حدثنا أَبُو دَاوُدَ ° ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ ° ، قَالَ : حدثنا وَكِيعٌ ° ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ° ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ° ، عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ ° ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ° ، قَالَ : كَانِ بِي النَّاسُورُ ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقال : " صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسَتْطِعْ ، فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسَتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ "

قال أبو عمر : هذا يبين لك أن القيام لا يسقط فرضه إلا بعدم الاستطاعة ، ثم كذلك القعود إذا لم يستطع ، ثم كذلك شيء شيء يسقط عند عدم القدرة عليه ، حتى يصير إلى الإغماء ، فيسقط جميع ذلك ، وهذا كله في الفرض لا في النافلة ، وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في هذا الباب ، فإنما هو في النافلة ، والدليل على ذلك ، أن في نقل ابن شهاب له أن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا يصلون في سبحتهم قعودا ، فخرج عليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : ذلك القول ، والسبحة عند أهل العلم النافلة ، ودليل ذلك أيضا قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن ميقاتها " صلوا الصلاة لوقتها ، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة " ، يعني نافلة . وفرض القيام في الصلاة المكتوبة ثابت من وجهين ، أحدهما إجماع الأمة كافة عن كافة في المصلى فريضة وحده ، أو كان إماما أنه لا تجزيه صلاته إذا قدر على القيام فيها وصلى قاعدا ، وفي إجماعهم على ذلك دليل واضح على أن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المذكور في هذا الباب معناه النافلة على ما وصفنا ، والوجه الثاني قوله عز وجل : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ سورة البقرة آية 238 ، أي قائمين ففي هذه الآية فرض القيام أيضا عند أهل العلم لقوله عز وجل : وقوموا سورة البقرة آية 238 ولقوله : قانتين ، يريد قوموا قائمين لله يعني في الصلاة ، فخرج على غير لفظه ، لأنه أعم في الفائدة لاحتمال القنوت وجوها كلها تجب في الصلاة . والدليل على أن القيام يسمى قنوتا قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ سئل أي الصلاة أفضل ؟ قَالَ : " طول القنوت " ، يعني طول القيام . وزعم أبو عبيد ، إن القنوت في الوتر ، وهو عندنا في صلاة الصبح ، إنما سمي قنوتا ، لأن الإنسان فيه قائم للدعاء أن يقرأ القرآن ، فكأنه سكوت وقيام إذ لا يقرأ فيه ، وقد يكون القنوت السكوت ، روى عن زيد بن أرقم أنه قَالَ : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ سورة البقرة آية 238 فأمرنا بالسكوت وليس في هذا الحديث رد لما ذكرنا ، لأن الآية يقوم منها هذان المعنيان وغيرهما لاحتمالهما في اللغة لذلك ، لأن القنوت في اللغة له وجوه ، منها إن القنوت الطاعة دليل ذلك قول الله عز وجل : كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ سورة البقرة آية 116 ، أي مطيعون ، وقوله : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ سورة النحل آية 120 ، أي مطيعا لله ، وهذا كثير مشهور ، ومنها أن القنوت الصلاة فيما زعم ابن الأنباري ، واحتج بقول الله : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي سورة آل عمران آية 43 ، ثم يقول الشاعر : قانتا لله يتلو كتبه وعلى عمد من الناس اعتزل وقال : تحتمل هذه الآية ، وهذا البيت جميعا عندي معنى الطاعة أيضا والله أعلم ، ومنها أن القنوت الدعاء دليل ذلك القنوت في الصلاة ، وقولهم : قنت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهرا يدعو ، ومثل هذا كثير وبالله التوفيق . واختلف الفقهاء في كيفية صلاة القاعد في النافلة وصلاة المريض ، فذكرابن عبد الحكم ، عن مالك في المريض ، أنه يتربع في قيامه وركوعه ، فإذا أراد السجود تهيأ للسجود فسجد على قدر ما يطيق وكذلك المتنفل قاعدا . وقال الثوري : يتربع في حال القراءة والركوع ويثنى رجليه في حال السجود فيسجد ، وهذا نحو مذهب مالك وكذلك قَالَ الليث ، وأحمد وإسحاق ، وقال الشافعي : يجلس في صلاته كلها كجلوس التشهد في رواية المزني ، وقال البويطي عنه : يصلى متربعا في موضع القيام . وقال أبو حنيفة : وزفر يجلس كجلوس الصلاة في التشهد وكذلك يركع ويسجد . وقال أبو يوسف ومحمد : يكون متربعا في حال القيام وحال الركوع . وقد روى عن أبي يوسف : أنه يتربع في حال القيام ويكون في حال ركوعه وسجوده كجلوس التشهد . قَالَ أبو عمر : روى عن ابن مسعود ، أنه كره أن يتربع أحد في الصلاة . قَالَ عبد الرزاق ، يقول : إذا صلى قائما فلا يجلس للتشهد متربعا ، فاما إذا صلى قاعدا فليتربع . وروى عن ابن عباس ، أنه كان يكره التربع في صلاة التطوع . قَالَ شعبة : فسألت عنه حمادا ، فقال : لا بأس به في التطوع . وروى عن إبراهيم ، ومجاهد ، ومحمد بن سيرين ، وأنس بن مالك ، أنهم كانوا يصلون في النافلة جلوسا متربعين . ومالك ، أنه بلغه عن عروة وسعيد بن المسيب ، إنهما كانا يصليان النافلة ، وهما محتبيان ، ومعمر ، عن أيوب ، أن ابن سيرين كان يصلى في التطوع محتبيا ، قَالَ معمر : ورأيت عطاء الخراساني يجتبى في صلاة التطوع . وقال : ما أراني أخذته إلا من ابن المسيب ومعمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، أنه كان يحتبي في آخر صلاته في التطوع . وذكرالثوري ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن ابن المسيب مثله ، قَالَ : فإذا أراد أن يسجد ثنى رجليه وسجد ، وكان عمر بن عبد العزيز يصلى جالسا محتبيا ، فقيل له في ذلك ، فقال : بلغني أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يمت حتى كان أكثر صلاته وهو جالس صلوات الله عليه ، وسيأتي القول فيمن صلى بعض صلاته مريضا ، ثم صح فيها في باب هشام بن عروة إن شاء الله عز وجل وصلى الله على محمد .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده حسن رجاله ثقات عدا عبد الله بن محمد القرطبي وهو صدوق حسن الحديث
شجرة الإسناد