← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#3982 مقبول 22 : 167 ☰ حديث ثالث وعشرون لهشام بن عروة
A− A+

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ° ، عَنْ قَتَادَةَ ° ، عَنْ أَنَسٍ ° ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أُتِيَ بِلَحْمٍ ، قَالُوا : أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ ، فَقَالَ : هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ

واختلف العلماء في الكتابة هل تجب فرضا على السيد إذا ابتغاها العبد وعلم فيه خيرا ، فقال عطاء ، وعمرو بن دينار ، ما نرى ذلك إلا واجبا ، وهو قول الضحاك بن مزاحم ، قَالَ : هي عزمة ، وإلى هذا ذهب داود ، واحتج بظاهر القرآن في الأمر بالكتابة ، واحتج أيضا بأن سيرين ، أبا محمد بن سيرين ، سأل أنس بن مالك ، وهو مولاه الكتابة ، فأبى أنس ، فرفع عليه عمر الدرة ، وتلا : فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا سورة النور آية 33 فكاتبه أنس ، وقال داود : ما كان عمر ليرفع الدرة على أنس فيما له مباح ألا يفعله ، وحجة قائلي هذه المقالة ظاهر ، قول اللَّه عز وجل : فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا سورة النور آية 33 وهذا أمر حقيقته الوجوب إذا لم يتفق على أنه أريد به الندب . وقال مالك ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، والأوزاعي ، وأصحابهم ليست الكتابة بواجبة ، ومن شاء كاتب ، ومن شاء لم يكاتب ، وهو قول الشعبي ، والحسن البصري ، وجماعة ، ومن حجتهم أنه لما لم يكن عليه واجب أن يبيعه ولا يهبه بإجماع ، وفي الكتابة إخراج ملكه عن يده بغير تراض ، ولا طيب نفس منه ، كانت الكتابة أحرى ألا تجب عليه ، وكان ذلك دليلا على أن الآية على الندب لا على الإيجاب ، ويحتمل أن يكون فعل عمر لأنس على الاختيار والاستحسان لا على الوجوب ، وقال إسحاق بن راهويه : لا يسع السيد إلا أن يكاتبه إذا اجتمع فيه الأمانة والخير من غير أن يجبره الحاكم عليه ، وأخشى أن يأتم إن لم يفعل ، وأما قولها إني كاتبت أهلي على تسع أواقي في كل عام أوقية ، ففيه دليل على أن الكتابة تكون بقليل المال وكثيره ، وتكون على أنجم ، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء كلهم ، يقول فيما علمت : إن الكتابة حكمها أن تكون على أنجم معلومة ، قَالَ الشافعي : أقلها ثلاثة ، واختلفوا في الكتابة إذا وقعت على نجم واحد أو وقعت حالة ، فأكثر أهل العلم يجيزونها على نجم واحد ، وقال الشافعي : لا تجوز على نجم واحد ، ولا تجوز حالة ألبتة . قَالَ أبو عمر : ليست كتابة إذا كانت حالة ، وإنما هُوَ عتق على صفة ، كأنه قَالَ : إذا أديت إلي كذا وكذا فأنت حر . وقد احتج بهذا الحديث ، أعني بقوله فيه : في كل عام أوقية ، من أجاز النجوم في الديون كلها على مثل هذا في كل شهر كذا ، وفي كل عام كذا ، ولا يقول في أول الشهر أو وسطه أو آخره ، وأبى من ذلك آخرون حتى يسمي الوقت من الشهر والعام ، ويكون محدودا معروفا ، والحجة في هذا الحديث لمن نزع به صحيحة ، لأن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل لها إنها كتابة فاسدة ، إذ لم يعرف متى يأخذ النجم أو الأوقية من العام ، وحسبهم في ذلك : أن العام إذا انقضى أو انسلخ الشهر وجب النجم ، ومن أداه قبل ذلك قبل منه ، وليست الكتابة كالبيوع في كل شيء عند العلماء ، لأن العبد مع سيده أكثرهم لا يرى بينهما ربا ، ألا ترى أن المكاتب لو عجز حل لسيده ما أخذ منه ، وليس ذلك كبيع العربان ، وللكلام في هذه المسألة موضوع غير هذا ، وأما قوله : تسع أواقي ، فالأوقية مؤنثة في اللفظ ، مقدارها أربعون درهما كيلا ، لا اختلاف في ذلك ، والدرهم الكيل درهم ، وخمسان بدراهمنا على ما قد مضى ذكره في باب عمرو بن يحيى ، ويجمع الأوقية أواقي بالتشديد ، كذلك قَالَ أبو زيد الأنصاري ، وغيره من أهل اللغة ، قَالَ أبو زيد : وقد يتجاوز في الجمع ، فيقال : أواق ، وقال أبو حاتم : يقال : أوقية ، وأواقي ، وبختية ، وبخاتي ، وأمنية ، وأماني ، وسرية ، وسراري ، قَالَ : وبعضهم يقول : بخات ، وأمان ، وسرار ، وأواق ، وأما قول عائشة : إن أحب أهلك أن أعدها لهم عددتها لهم ففيه دليل على أن العد في الدراهم الصحاح تقوم مقام الوزن ، وأن الشراء بها جائز من غير ، ذكر الوزن لأنها لم تقل أزنها لهم ، ولم يقل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عدد الأواقي غير جائز ، ولو كان غير جائز ، لقال لهم : إن العد في مثل هذا لا يجوز ، وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن التبايع كان بين الناس في ذلك الزمان بالأواقي وبالنواة وبالنش ، وهي أوزان معروفة فالأوقية ، أربعون درهما ، والنش نصفها ، والنواة زنة خمسة دراهم ، فقد ذكرنا ذلك كله في باب حميد من هذا الكتاب . ذكر الواقدي ، قَالَ : وفيها يعني سنة ست وسبعين ، أمر عبد الملك بن مروان أن تنقش الدنانير والدراهم . حدثني بذلك سعد بن راشد ، عن صالح بن كيسان ، قَالَ : وحدثني ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، أن عبد الملك بن مروان ضرب الدنانير والدراهم ، وهو أول من أحدث ضربها . قال : وحدثني عبد الرحمن بن حزم الليثي ، عن هلال بن أمية ، قَالَ : سألت ابن المسيب في كم تجب الزكاة من الدنانير ؟ قَالَ : في كل عشرين مثقالا بالشامي نصف مثقال ، قلت : ما بال الشامي من البصري ، قَالَ : هُوَ الذي يضرب عليه الدنانير ، وكان ذلك وزن الدنانير قبل أن تضرب كانت اثنين وعشرين قيراطا ، إلا حبة ، وكانت العشرة وزن سبعة . وقال غير الواقدي : كانت الدنانير في الجاهلية وأول الإسلام بالشام ، وعند عرب الحجاز كلها رومية ، تضرب ببلاد الروم ، عليها صورة الملك ، واسم الذي ضربت في أيامه مكتوب بالرومية ، ووزن كل دينار منها مثقال كمثقالنا هذا ، وهو وزن درهم ، ودانقين ونصف وخمسة أسباع حبة ، وكانت الدراهم بالعراق وأرض المشرق كلها كسروية عليها ، وصورة كسرى ، واسمه فيها مكتوب بالفارسية ، ووزن كل درهم منها مثقال ، فكتب ملك الروم واسمه لاوي بن فلفظ إلى عبد الملك أنه قد أعد له سككا ليوجه بها إليه ، فيضرب عليها الدنانير ، فقال عبد الملك لرسوله : لا حاجة لنا فيها ، قد عملنا سككا نقشنا عليها توحيد اللَّه ، واسم رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكان عبد الملك قد جعل الدنانير مثاقيل من زجاج لئلا تغير أو تحول إلى زيادة ، أو نقصان ، وكانت قبل ذلك من حجارة ، وأمر فنودي ألا يتبايع أحد بعد ثلاثة أيام من ندائه بدينار رومي ، فكثرت الدنانير العربية ، وبطلت الرومية . وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال ، وذكر ذلك جماعة من أهل العلم بالسير والخبر أن الدراهم كانت غير معلومة إلى أيام عبد الملك بن مروان ، فجمعها وجعل كل عشرة من الدراهم وزن سبعة مثاقيل ، قَالَ : وكانت الدراهم يومئذ درهم من ثمانية دوانق زيف ، ودرهم من أربعة دوانق جيد ، قَالَ : فاجتمع رأي علماء ذلك الوقت لعبد الملك : على أن جمعوا الأربعة الدوانق إلى الثمانية ، فصارت اثني عشر دانقا ، فجعلوا الدرهم ستة دوانق ، وسموه كيلا ، فاجتمع لهم في ذلك أن في كل مائتي درهم زكاة ، وأن أربعين درهما أوقية ، وأن في الخمس الأواق ، التي قَالَ رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ليس فيما دونها صدقة ، مائتي درهم لا زيادة ، وهي نصاب الصدقة . وأما قولها : إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت ، وفي حديث ابن شهاب ، عن عروة ، إن أحبوا أن أعطيهم لك جميعا ويكون ولاؤك لي فعلت ، فظاهر هذا الخطاب أنها أرادت أن تشتري منهم الولاء بعد عقد الكتابة ، وأن تؤدي في ذلك جميع الكتابة ، فأبى القوم من ذلك وطلبوا أن يكون الولاء لهم ، عند أداء عائشة لجميع الكتابة كأنها تبرعت بذلك ، وأرادت الولاء ، أو قصدت إلى ابتياع الولاء ، وهذا لا يصح عندنا والله أعلم ، لأنه لا خلاف بين علماء المسلمين أن الولاء لا يباع ، وأن من أدى عن مكاتب كتابته لم يكن له الولاء ، ولو صح هذا كان يكون النكير حينئذ على عائشة ، رحمها اللَّه في إرادتها أن يكون الولاء لها بأدائها الكتابة عنها ، ولكن في حديث هشام بن عروة ، خذيها واشترطي الولاء لهم ، فإنما الولاء لمن أعتق ، ففعلت عائشة . وقد قَالَ وهيب : وكان من الحفاظ في هذا الحديث عن هشام بن عروة إن أحب أهلك أن أعدها عدة واحدة وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلت ، فقولها : وأعتقك دليل على شرائها لها شراء صحيحا لأنها لا تعتقها إلا بعد شرائها لها ، وهذا هُوَ الظاهر في قولها : أعتقك والله أعلم . وفي حديث ابن شهاب : أن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ لعائشة : لا يمنعك ذلك ، ابتاعي وأعتقي ، وقوله : ابتاعي واعتقي . في حديث ابن شهاب ، يفسر قوله في حديث هشام خذيها ، لأن قوله ابتاعيها وأعتقيها أمر منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعائشة بالشراء ابتداء وعتقها لها بعد ملكها ليكون الولاء لها ، وهذا هُوَ الصحيح في الأصول ، وإياه يعضد سائر الآثار عن عائشة في هذه القصة . أَلَا تَرَى إِلَى مَا رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ ، فَتَعْتِقَهَا ، فَقَالَ : أَهْلُهَا نَبِيعُكَهَا عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَنَا ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وقد ذكرنا هذا الخبر في باب نافع من كتابنا هذا ، وليس في شيء من أخبار بريرة أصح من هذا الإسناد ، عن ابن عمر ، وليس فيه اختلاف كما في حديث هشام من اختلاف ألفاظه ، وقد بان في حديث ابن عمر أن عائشة أرادت شراء بريرة وعتقها ، فأراد أهلها اشتراط الولاء لهم ، وفي مثل هذا يصح الإنكار المذكور في حديث هشام بن عروة على أهل بريرة ، لأن الولاء يثبت للمشتري المعتق ثبوت النسب ، فلا يجوز لأحد تحويله عَنْهُ ببيع ولا اشتراط ، وكذلك في سياقه أكثر الأحاديث ما يدل على أن بريرة بيعت من عائشة ، لا أنها أدت عنها كتابتها ، إلا أن في هذا الحديث شرط الولاء مع البيع ، وإباحة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شراءها على ذلك ، دون إعمال الشرط ، وفي ذلك صحة البيع وإبطال الشرط . وَرَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَهْلَ بَرِيرَةَ أَرَادُوا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فبان بحديث الأسود ، عن عائشة ، وبحديث ابن شهاب أيضا المتقدم ذكره : أن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرها بالشراء ابتداء وبعتقها بعد ملكها ، ليكون الولاء لها ، وهذه الرواية عن عائشة موافقة لما رواه ابن عمر ، وهو الصحيح في ذلك على ما قدمنا ذكره وفي رواية إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة أيضا : ما يبين رواية هشام عن أبيه ، عن عائشة ، في قوله عليه السلام : خذيها ولا يمنعك ذلك فإنما الولاء لمن أعتق وفيه دليل بل نص على صحة شرائها ، وصحة ملكها ، وصحة عتقها بعد ذلك ، واستحقاق ولائها ، والله أعلم . واشتراط أهل بريرة ولاءها مع فضل بيعها على العتق ، فهو الذي خطبهم رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإنكاره لتقدمه إليهم ، وإلى غيرهم في النهي عن بين الولاء وهبته ، وفي هذا الحديث على ما ذكرنا إجازة البيع على شرط العتق ، وهذه مسألة أختلف الفقهاء فيها ، وقد ذكرناها في باب نافع ، عن ابن عمر ، من هذا الكتاب فلا معنى لتكرير ذلك هاهنا . وفيه دليل على أن المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء لأنه لو لم يكن عبدا ما جاز بيعه وفي كونه عبدا رد لقول من قَالَ إذا عقدت كتابته ، فهو غريم من الغرماء ، ورد لقول من قَالَ : إذا أدى قيمته فهو غريم ، ورد لقول من قَالَ : إذا أدى الثلث فهو غريم ، ورد لقول من قَالَ : إذا أدى الشطر فهو غريم ، ورد لقول من قَالَ : يعتق منه بقدر ما أدى . وروى الحكم بن عتيبة ، عن علي ، قَالَ : تجرى العتاقة فيه من أول نجم . وروى إبراهيم ، عن علي ، قَالَ : تجرى الحدود عليه بقدر ما أدى ، وقال عَنْهُ : عامر يعتق منه بقدر ما أدى . وكان الحرث العكلي ، يقول : كان علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أفقه من أن يقول يعتق من المكاتب بقدر ما أدى منكرا لذلك عَنْهُ ، وهذه أقاويل اختلف فيها عن علي ، وابن مسعود ، وما أعلم أحدا من الفقهاء تعلق بها . وروى عن شريح ، أنه قَالَ : إذا أدى الثلث فهو غريم ، وعن النخعي : إذا أد الشطر فهو غريم . وروى ذلك عن عمر ، وعلي ، وهو غير صحيح ، والله أعلم . وقال جابر بن عبد اللَّه : من كاتب مكاتبا ، فإن شرط عليه أن يعود في الرق إن عجز ، كان كذلك وإن شرط أن يعتق منه بقدر ما أدى ، فهو كذلك ، وقد ذكرنا حكم ولاء المكاتب ، ومن أجاز بيع ولائه ومن كرهه ، ومن قَالَ : لا بد من شرطه العتق ، عند الأداء ، وإلا فهو على الرق أبدا ، ومن أجاز للمكاتب أن يشترط ولاء نفسه في باب عبد اللَّه بن دينار من هذا الكتاب ، فأغنى ذلك عن ذكره هاهنا ، وفي حديث بريرة هذا مع صحته عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دليل واضح على أن المكاتب عبد ، ولولا ذلك ما بيعت بريرة ، وقد روى عن عمر ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وعائشة ، وأم سلمة المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وهو قول سعيد بن المسيب ، والقاسم ، وسليمان بن يسار ، والزهري ، وقتادة ، وعطاء ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ واختلف القائلون هُوَ عبد ما بقي عليه درهم ، إذا مات قبل أن يؤدي وترك مالا ، فقالت طائفة : كل ما ترك فهو لسيده قليلا كان أو كثيرا وإن عجز عاد رقيقا ، وممن قَالَ بهذا مجاهد ، وعمر بن عبد العزيز ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبو ثور . وروي عن ابن المسيب ، وشريح ، والزهري ، نحوه . قال الزهري : حكمه حكم العبد ، وجنايته في عتقه ، وهو قول الثوري . وروى الحكم عن علي ، وابن مسعود ، وشريح ، يعطي سيده من تركته ما بقي من كتابته ، فإن فضل شيء كان لورثة المكاتب . وروى عطاء ، وإبراهيم ، وأبو البختري ، عن علي نحوه . وقد روي عن الزهري نحوه ، وبه قَالَ ابن المسيب ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، والنخعي ، والشعبي ، والحسن ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، ومالك بن أنس ، جعلوه كغريم حل دينه ، غير أن مالكا جعل من كان معه في كتابته أحق ممن لم يكن معه من ورثته . وقد روى الشعبي ، عن علي : إذا مات المكاتب وترك مالا ، قسم ما ترك على ما أدى وعلى ما بقي ، فما أصاب ما أدى فهو لورثته ، وما أصاب ما بقي فلمواليه ، وهذا خلاف ما روى الحكم ، وعطاء ، وإبراهيم ، وأبو البختري ، عن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وقد احتج من قَالَ في المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى ، برواية ابن شهاب في هذا الحديث ، وذلك قوله : ولم تكن أدت من كتابتها شيئا وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى دِيَةَ الْحُرِّ وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ عَبْدٍ . رَوَاهُ حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ ، وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا . عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مُسْنَدًا . وقد روي عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، مثله مسندا ، وقد أرسله بعضهم ، عن عكرمة ، قَالَ يحيى بن أبي كثير : وكان علي بن أبي طالب ، ومروان بن الحكم ، يقولان : ذلك وبه ، كان عكرمة يفتي ، وكان يقول المكاتب يؤدي بقدر ما أعتق منه ، وإن جنى جناية أو أصاب حدا فبقدر ما أعتق منه ، وقد ناظر علي بن أبي طالب زيد بن ثابت في المكاتب ، فقال لعلي : أكنت راجمه لوزني ، أو مجيز شهادته إن شهد ، فقال علي لا ، فقال زيد : فهو عبد ما بقي عليه شيء . وفيه إجازة بيع المكاتب إذا رضي بالبيع وإن لم يكن عاجزا عن أداء نجم قد حل عليه ، خلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير جائز إلا بالعجز ، لأن بريرة لم تذكر أنها عجزت عن أداء نجم ، ولا أخبرت بأن النجم قد حل عليها ، ولا قَالَ لها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعاجزة أنت ، أم هل حل عليك نجم فلم تؤديه ، ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن أداء نجم قد حل لكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد سألها أعاجزة هي أم لا ، وما كان ليأذن في شرائها إلا بعد علمه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها عاجزة ، ولو عن أداء نجم واحد قد حل عليها . وفي خبر الزهري أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئا ، ولا أعلم في هذا الباب حجة أصح من حديث بريرة هذا ، ولم يرو عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيء يعارضه ولا في شيء من الأخبار دليل على عجزها ، وأما اختلاف الفقهاء في بيع المكاتب ، فإن ابن شهاب وأبا الزناد وربيعة ، كانوا يقولون : لا يجوز بيعه إلا برضى منه ، فإن رضي بالبيع فهو عجز منه ، وجاز بيعه ، وقال مالك : لا يجوز بيع المكاتب إلا أن يعجز عن الآداء ، فإن لم يعجز فليس له ولا لسيده بيعه ، قَالَ : وإذا كان المكاتب ذا مال ظاهر ، فليس له تعجيز نفسه ، وإن لم يظهر له مال فذلك إليه وله تعجيزه دون السلطان ، ويمضي ذلك وكذلك إن عجز نفسه قبل حل النجم بالأيام والشهر ، وإنما الذي لا يعجزه إلا السلطان فهو الذي يريد سيده تعجيزه بعد ما حل عليه ما عليه ، وهو يأبى العجز ، ويقول : يؤدي ، إلا أنه يمطل سيده ، فالسلطان يتلوم له ، فإن رأى له وجه أداء تركه ، وإن لم ير ذلك له عجزه بعد التلوم ، ولا يعجزه السيد وهو آب ، ولو أخر نجما أو أنجما إلا بالسلطان ، قَالَ : ولو شرط ذلك عليه لم يكن عاجزا إلا بقضية سلطان ، قَالَ : ولو غاب المكاتب فحلت نجومه ، فليس إشهاد السيد بتعجيزه تعجيزا إلا بنظر السلطان ، وهو إذا قدم على كتابته إن أدى وإلا نظر في ذلك السلطان ، وقال مالك : الذي يقع بنفسي في قصة بريرة أنها كانت قد عجزت ، ولذلك اشترتها عائشة ، وقال إبراهيم النخعي ، وعطاء ، والليث بن سعد ، وأحمد ، وأبو ثور ، جائز بيع المكاتب على أن يمضي في كتابته ، فإن أدى عتق ، وكان ولاؤه للذي ابتاعه ، وإن عجز فهو عبد له ، وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبا حتى يعجز ، ولا يجوز بيع كتابته بحال ، وهو قول الشافعي بمصر : لا يجوز بيع المكاتب ، وكان بالعراق يقول : بيعه جائز ، وأما بيع كتابته فغير جائزة عنده ، وقال أبو حنيفة والشافعي : جائز تعجيز المكاتب بغير حضرة السلطان ، وفعل ذلك ابن عمر ، وهو قول شريح والنخعي ، وقال ابن أبي ليلى : لا يجوز إلا عند قاض ، وكان الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم يقولون للسيد أن يعجزه ، إذا حل نجم من نجومه ، قَالَ أبو حنيفة : فإن قَالَ أخروني وكان له مال حاضر أو غائب يرجو قدومه أخرته يومين أو ثلاثة لا أزيده على ذلك شيئا ، وبه قَالَ محمد بن الحسن ، وقال الحكم ، وابن أبي ليلى ، والحسن بن صالح ، أقل ما يعجز به حلول نجمين ، وهو قول أبي يوسف . وقال الثوري : منهم من يقول نجم ، ومنهم من يقول نجمان ، قَالَ : والاستيناء به أحب إلي . وقال أحمد : نجمان أحب إلينا ، وقال الأوزاعي : يستأنى به شهرين ، ونحو ذلك . وروي عن الحسن البصري في هذه المسألة قول شاذ : أن المكاتب إذا عجز استسعى بعد العجز سنتين ، وهذا ليس بشيء ، وأجمع العلماء على أن المكاتب إذا حل عليه نجم من نجومه أو نجمان أو نجومه كلها ، فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحاله ، أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك ثابتين ، واختلفوا إذا كان قويا على الأداء ، أو كان له مال فعجز نفسه ، فقال مالك : ما قدمنا ذكره ، أنه ليس ذلك له إلا إن لم يعلم له مال ، وقال الأوزاعي : لا يمكن من تعجيز نفسه إذا كان قويا على الأداء ، وقال الشافعي : له أن يعجز نفسه علم له مال أو قوة على الكتابة أو لم يعلم ، وإذا قَالَ : قد عجزت وأبطلت الكتابة ، فذلك إليه . قَالَ أبو عمر : يحتمل حديث بريرة أن ينزع منه مالك لمذهبه والشافعي لمذهبه ، هذا وبالله التوفيق . واختلفوا في المكاتب يعجز وبيده مال من الصدقات تصدق به عليه ، فقال أكثر أهل العلم : إن كل ما قبضه السيد منه من كتابته وما فضل بيده بعد عجزه من صدقة ، وغيرها فهو لسيده يطيب ، أخذ ذلك كله له هذا قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهما ، وأحمد بن حنبل ، ورواية عن شريح ، وقال بعض أصحاب الشافعي : إذا كان ما أخذه السيد من المكاتب قبل عجزه هُوَ من كسب العبد لم يرده ، وإن كان استقرضه العبد أو أخذه من زكاة رجل فعلى السيد رده ، وعن الشعبي ، عن مسروق في مكاتب عجز كيف يصنع سيده بما أخذ منه ، قَالَ : يجعله في مثله من الرقاب ، قَالَ : وقال شريح : إن عجز رد في الرق ولم يأخذ من مولاه ما أخذ منه ، وقال مالك : إذا عجز المكاتب ، فكل ما قبضه منه السيد قبل العجز حل له كان من كسبه أو من صدقة عليه ، قَالَ : وأما ما أعين به على فكاك رقبته فلم يف ذلك بكتابته ، كان لكل من أعانه الرجوع بما أعطى ، أو يحلل منه المكاتب ، ولو أعانوه صدقة لا على فكاك رقبته ، فذلك إن عجز حل لسيده ، ولو تم به فكاكه وبقيت فضلة ، فإن كان بمعنى الفكاك ، ردها إليهم بالحصص أو يحللونه منها ، هذا كله مذهب مالك فيما ذكر ابن القاسم . وقال الثوري : يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب ، وهو قول مسروق ، والنخعي ، ورواية عن شريح ، وقالت طائفة : ما قبض منه السيد فهو له ، وما فضل بيده بعد العجز فهو له دون سيده وهذا قول بعض من ذهب إلى أن العبد يملك ، وقال إسحاق : ما أعطى لحال الكتابة رد على أربابه ، وهذه المسائل كلها في معنى الحديث المذكور في هذا الباب في قصة بريرة ، فلذلك ذكرناها ، وأما فروع مسائل المكاتب فكثيرة جدا ، لا سبيل في مثل تأليفنا هذا إلى إيرادها على شرطنا ، وبالله توفيقنا . وفيه أيضا : أن عقد الكتابة من غير أداء لا يوجب شيئا من العتق ، خلاف قول من جعله غريما من الغرماء ، وقد مضى ذكر ذلك ، عند ذكر قول من قَالَ : يعتق منه بقدر ما أدى ، والدليل على أن عقد الكتابة لا يوجب عتقها ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أجاز بيعها ولو كان فيها شيء من العتق ما أجاز بيع ذلك ، إذ من سنته المجتمع عليها أن لا يباع الحر ، وأما قول هشام بن عروة في حديثه هذا : خذيها واشترطي لهم الولاء ، فإنما الولاء لمن أعتق . فكذلك رواه جمهور الرواة ، عن مالك ، واشترطي الولاء . ورواه الشافعي ، عن مالك ، عن هشام بإسناده ولفظه ، إلا أنه قَالَ : اشرطي لهم الولاء ذكر ذلك عنهم الطحاوي ، فلم يدخل التاء ، قَالَ الطحاوي : ومعنى أشرطي لهم الولاء ، أي أظهري لهم حكم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق أي أظهري لهم ذلك ، وعرفيهم أن الولاء لمن أعتق ، لأن الإشراط هُوَ الإظهار في كلام العرب . قَالَ أوس بن حجر : فاشرط فيها نفسه وهو معصم ، وألقى بأسباب له ، وتوكلا ، يعني أظهر نفسه لما حاول أن يفعل . قَالَ : وأما رواية سائر الرواة ، عن مالك في ذلك ، واشترطي لهم الولاء ، فيحتمل أن يكون اشترطي لهم الولاء ، أي اشترطي عليهم الولاء ، أنه لك ، أي اشتريت وأعتقت ، كقوله عز وجل : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا سورة الإسراء آية 7 بمعنى عليها ، وكقوله : وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ سورة غافر آية 52 ، يعني عليهم اللعنة ، قَالَ : ويجوز أن يكون معناه الوعيد ، كقوله تعالى : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ سورة الإسراء آية 64 . قَالَ أبو عمر : ليس في حديث الشافعي عندنا من رواية المزني إلا اشترطي بالتاء ، فالله أعلم . وقال أبو بكر بن داود : قول رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق . معلوم أنه لم يكن إلا بعد تحريم اشتراط الولاء ، لأنه لا يجوز في صفته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأمر بترك شيء ثم يخبر أنه لمن تركه بغير سبب حادث من المتروك له ، قَالَ : وإنما معناه اشترطي لهم الولاء ، فإن اشتراطهم إياه بعد علمهم بأن اشتراطه لا يجوز غير ضائر لك ولا نافع لهم ، لا أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر باشتراط الولاء لهم ليقع البيع بينها وبينهم ، فيبطل الشرط ويصح البيع وهم غير عالمين بأن اشتراطهم ذلك لأنفسهم غير جائز لهم ، لأن هذا مكر وخديعة لهم ، ورسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبعد الناس من أن يفعل ما ينهى عن فعله ، أو يرضى لنفسه ما لا يرضاه لغيره ، وإنما كان هذا القول منه تهددا لمن رغب عن حكمه وخالف عن أمره وأقدم على فعل ما قد نهى عن فعله ، وتهاونا بالشرط إذ كان غير نافع لمشترطه ، قَالَ اللَّه عز وجل : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا سورة الإسراء آية 56 والله عز وجل لم يجز للمشركين كيد الأنبياء والمرسلين ، ولا أباح لهم أن يكونوا بدعاء الأصنام معتصمين ، وإنما أعلمهم أن ذلك غير ضائر للمؤمنين ولا نافع للمشركين ، قَالَ : ومثله قوله تعالى ذكره : قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ { 195 } إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ سورة الأعراف آية 195-196 الآية ، وكذلك قول هود : فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ { 55 } إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ سورة هود آية 55-56 الآية ، وهذا ليس بأمر ولا إغراء ، ولكنه تهاون بكيدهم واستخفاف بتوعدهم ، وإظهار لعجزهم ، وذكر آيات كثيرة من هذا الباب ، وقال : هذا الباب مشهور في كلام العرب يستعمله منهم من فلج بحجته ، وأمن من كيد خصمه ، قَالَ : المتلمس يهجو عمرو بن هند حين قتل طرفة بن العبد ، يخبر أنه غير خائف من توعده ولا جازع من تهدده : فإذا حللت ودون بيتي غارة فأبرق بأرضك ما بدا لك وأرعد قَالَ : فليس هذا القول أمرا منه له بالدوام على تهدده ، ولا نهيا له عن الإقامة على تخويفه وتوعده ، وإنما هُوَ إعلام أن إبعاده غير ضائر له ، وأن مكائده غير لاحقة به . قَالَ : وكذلك قوله : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ سورة الإسراء آية 64 ثم قَالَ : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ سورة الإسراء آية 65 . فهذا كله داخل في باب التهاون وللتحذير ، خارج من باب الإباحة والتفويض ، ومن معنى الأغوار والتحريض ، لأنه قد أخبر عز وجل أن فعله ذلك غير ضائر لمن تولاه من عباده وأحب هدايته ، وأنه لا سلطان له عليهم ، وكفى بربك وكيلا .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده حسن رجاله ثقات عدا عبد الوارث بن سفيان وهو صدوق حسن الحديث
شجرة الإسناد