42 من 114\قراءة من تفسير السعدي\تفسير سورة الشورى\عبد الرحمن بن ناصر السعدي\كبار العلماء
0:00المكتبة السمعية للعلامة المفسر الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله. يسر فريق مشروع كبار العلماء ان يقدم فلكم قراءة تفسير السعدي. بسم الله الرحمن الرحيم كذلك يوحي اليك له ما في السماوات وما في الارض وهو العلي العظيم
0:40يخبر تعالى انه اوحى هذا القرآن العظيم الى النبي الكريم. كما اوحى الى من قبله من الانبياء والمرسلين. ففيه بيان فضله بانزال الكتب وارسال الرسل سابقا ولاحقا. وان محمدا صلى الله عليه وسلم ليس ببدع من الرسل. وان طريقته
1:00طريقة من قبله واحواله تناسب احوال من قبله من المرسلين. وما جاء به يشابه ما جاءوا به لان الجميع حق وصدق. وهو وتنزيل من اتصف بالالوهية والعزة العظيمة والحكمة البالغة. وان جميع العالم العلوي والسفلي ملكه وتحت تدبيره القدري
1:20والشرعي وانه العلي بذاته وقدره وقهره. العظيم الذي من عظمته تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن على عظمها وكونها جماد والملائكة الكرام المقربون خاضعون لعظمته مستكينون لعزته مذعنون بربوبيته يسبحون بحمد ربهم
2:00عظمونه عن كل نقص ويصفونه بكل كمال ويستغفرون لمن في الارض عما يصدر منهم مما لا يليق بعظمة ربهم وكبريائه مع انه تعالى هو الغفور الرحيم. الذي لولا مغفرته ورحمته لعاجل الخلق بالعقوبة المستأصلة. وفي وصفه تعالى بهذه الاوصاف
2:20بعد ان ذكر انه اوحى الى الرسل كلهم عموما. والى محمد صلى الله عليهم اجمعين خصوصا. اشارة الى ان هذا القرآن الكريم فيه من الادلة والبراهين والايات الدالة على كمال الباري تعالى ووصفه بهذه الاسماء العظيمة الموجبة لامتلاء القلوب من معرفته ومحبته
2:40محبته وتعظيمه واجلاله واكرامه. وصرف جميع انواع العبودية الباطنة والظاهرة له تعالى. وان من اكبر الظلم القول اتخاذ انداد لله من دونه. ليس بيدهم نفع ولا ضرر بل هم مخلوقون مفتقرون الى الله في جميع احوالهم
3:00هذا عقبه بقوله والذين اتخذوا من دونه اولياء يتولونهم بالعبادة والطاعة كما يعبدون الله ويطيعونه فانما اتخذوا الباطل وليسوا باولياء على الحقيقة. الله حفيظ عليهم يحفظ عليهم اعمالهم. فيجازيهم بخيرها وشرها. فتسأل عن اعمالهم وانما انت مبلغ
3:40ان اديت وظيفتك ثم ذكر منته على رسوله وعلى الناس حيث انزل الله قرآنا عربيا بين الالفاظ والمعاني. لتنذر ام القرى وهي مكة المكرمة. ومن حولها من قرى العرب. ثم يسري هذا الانذار الى سائر الخلق. وتنذر الناس يوم الجمع الذي يجمع
4:20الله به الاولين والاخرين. وتخبرهم انه لا ريب فيه. وان الخلق ينقسمون فيه فريقين فريق في الجنة وهم الذين امنوا بالله وصدقوا المرسلين وهم اصناف الكفرة المكذبين فجعلهم امة واحدة
5:00الظالمون ما لهم من ولي ولا نصير. ومع هذا لو شاء الله لجعل الناس واحدة على الهدى لانه القادر الذي لا يمتنع عليه شيء. ولكنه اراد ان يدخل في رحمته من شاء من خواص خلقه. واما
5:20الظالمون الذين لا يصلحون لصالح فانهم محرومون من الرحمة. فما لهم من دون الله من ولي يتولاهم. فيحصل لهم المحبوب ولا نصير يدفع عنهم المكروه والذين اتخذوا من دونه اولياء يتولون
5:50كونهم بعبادتهم اياهم. فقد غلطوا اقبح غلط. فالله هو الولي الذي يتولاه عبده بعبادته وطاعته. والتقرب اليه بما امكن من انواع التقربات. ويتولى عباده عموما بتدبيره ونفوذ القدر فيهم. ويتولى عباده المؤمنين خصوصا
6:10لاخراجهم من الظلمات الى النور وتربيتهم بلطفه واعانتهم في جميع امورهم اي هو المتصرف بالاحياء والاماتة. ونفوذ المشيئة والقدرة. فهو الذي يستحق ان وحده لا شريك له يقول تعالى وما اختلفتم فيه من شيء
6:50من اصول دينكم وفروعه. مما لم تتفقوا عليه فحكمه الى الله يرد الى كتابه والى سنة رسوله. فما حكم به هو الحق وما خالف ذلك فباطل. ذلكم الله ربي اي فكما انه تعالى الرب الخالق الرازق المدبر. فهو تعالى الحاكم
7:10بين عباده بشرعه في جميع امورهم. ومفهوم الاية الكريمة ان اتفاق الامة حجة قاطعة. لان الله تعالى لم يأمرنا ان نرد اليه الا ما اختلفنا فيه. فما اتفقنا عليه يكفي اتفاق الامة عليه. لانها معصومة عن الخطأ. ولابد ان يكون اتفاقها
7:30موافقا لما في كتاب الله وسنة رسوله. وقوله اي اعتمدت بقلبي عليه في جلب المنافع ودفع المضار. واثقا به تعالى في الاسعاف بذلك. واليه انيب اي اتوجه بقلبي وبدني اليه. والى طاعته وعبادته. وهذان الاصنام كثيرا ما يذكرهما الله في كتابه. لانه ما
8:00بمجموعهما كمال العبد. ويفوته الكمال بفوتهما او فوت احدهما. كقوله تعالى اياك نعبد واياك نستعين وقوله فاعبده وتوكل عليه ازواجا ومن الانعام ازواجا يذرأكم فيه. ليس كمثله شيء وهو هو السميع البصير. فاطر السماوات والارض اي خالقهما بقدرته ومشيئته وحكمته. جعل لكم من
8:40من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وتنتشر منكم الذرية ويحصل لكم من النفع ما يحصل. ومن الانعام ازواجا ومن جميع اصنافها نوعين. ذكرا وانثى لتبقى وتنمو لمنافعكم الكثيرة. ولهذا عداها باللام الدالة على التعليل
9:00اي جعل ذلك لاجلكم ولاجل النعمة عليكم. ولهذا قال يذرأكم فيه اي يبثكم ويكفركم ويكثر مواشيكم بسبب ان جعل لكم من انفسكم وجعل لكم من الانعام ازواجا ليس كمثله شيء اي ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته لا في ذاته
9:30ولا في اسمائه ولا في صفاته ولا في افعاله. لان اسمائه كلها حسنى. وصفاته صفات كمال وعظمة. وافعاله تعالى اوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك. فليس كمثله شيء لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه
9:50وهو السميع لجميع الاصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات. البصير يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء. ويرى سريان القوت في اعضاء الحيوانات الصغيرة جدا. وسريان الماء الاغصان الدقيقة وهذه الاية ونحوها دليل لمذهب اهل السنة والجماعة من اثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات
10:20وفيها رد على المشبهة في قوله ليس كمثله شيء. وعلى المعطلة في قوله وهو السميع البصير. وقوله له مقاليد السماوات والارض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر اي له ملك السماوات والارض وبيده مفاتيح الرحمة والارزاق
10:50والنعم الظاهرة والباطنة. فكل الخلق مفتقرون الى الله في جلب مصالحهم. ودفع المضار عنهم في كل الاحوال. ليس بيد احد من الامر شيء والله تعالى هو المعطي المانع. الضار النافع الذي ما بالعباد من نعمة الا منه. ولا يدفع الشر الا هو
11:10وما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها. وما يمسك فلا مرسل له من بعده. ولهذا قال هنا يبسط الرزق لمن يشاء ان يوسعه ويعطيه من اصناف الرزق ما شاء
11:30يقدر ان يضيق على من يشاء حتى يكون بقدر حاجته لا يزيد عنها. وكل هذا تابع لعلمه وحكمته. فلهذا قال فيعلم احوال عباده فيعطي كلا ما يليق بحكمة وتقتضيه مشيئته
12:00وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم اليه الله يجتبي اليه من يشاء ويهدي هذه اكبر منة انعم الله بها على عباده ان شرع لهم من الدين خير الاديان
12:30وازكاها واطهرها دين الاسلام. الذي شرعه الله للمصطفين المختارين من عباده. بل شرعه الله لخيار الخيار وصفوة الصفوة وهم اولو العزم من المرسلين. المذكورون في هذه الاية اعلى الخلق درجة. واكملهم من كل وجه. فالدين الذي
12:50الله لهم لابد ان يكون مناسبا لاحوالهم موافقا لكمالهم. بل انما كملهم الله واصطفاهم بسبب قيامهم به فلولا الدين الاسلامي ما ارتفع احد من الخلق فهو روح السعادة وقطب رحى الكمال وهو ما تضمنه هذا الكتاب الكريم ودعا اليه
13:10من التوحيد والاعمال والاخلاق والاداب. ولهذا قال اي امركم ان تقيموا جميع شرائع الدين اصوله وفروعه. تقيمونه بانفسكم وتجتهدون في اقامته على غيركم. وتعاونون على البر والتقوى ولا تعاونون على الاثم والعدوان. ولا تتفرقوا فيه اي ليحصل منكم الاتفاق على اصول الدين وفروعه. واحرصوا
13:40وعلى الا تفرقكم المسائل وتحزبكم احزابا وتكونون شيعا يعادي بعضكم بعضا مع اتفاقكم على اصل دينكم ومن انواع الاجتماع على الدين وعدم التفرق فيه ما امر به الشارع من الاجتماعات العامة كاجتماع الحج والاعياد والجمع والصلوات الخمسة
14:00والجهاد وغير ذلك من العبادات التي لا تتم ولا تكمل الا بالاجتماع لها وعدم التفرق يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من يريد كبر على المشركين ما تدعوهم اليه. اي شق عليهم غاية المشقة. حيث دعوتهم الى الاخلاص لله وحده. كما قال عن
14:30واذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالاخرة. واذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون قولهم اجعل الالهة الها واحدا؟ ان هذا لشيء عجاب. الله يجتبي اليه من يشاء. اي يختار من خليقته
14:50ان يعلموا انه يصلح لرسالته وولايته. ومنه ان اجتبى هذه الامة وفضلها على سائر الامم. واختار لها افضل الاديان وخيرها هذا السبب الذي من العبد يتوصل به الى هداية الله تعالى
15:10وهو انابته لربه. وانجذاب دواعي قلبه اليه. وكونه قاصدا وجهه. فحسن مقصد العبد مع اجتهاده في طلب الهداية. من من اسباب التيسير لها كما قال الله تعالى يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام. وفي هذه الاية ان الله يهدي اليه
15:30لمن ينيب مع قوله واتبع سبيل من اناب الي مع العلم باحوال الصحابة رضي الله عنهم وشدة انابتهم دليل على لان قولهم حجة خصوصا الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم اجمعين
15:50من نقضي بينهم وان الذين اورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريح لما امر تعالى باجتماع المسلمين على دينهم ونهاهم عن التفرق. اخبرهم انكم لا تغتروا بما انزل الله عليكم من
16:20كتاب فان اهل الكتاب لم يتفرقوا حتى انزل الله عليهم الكتاب الموجب للاجتماع. ففعلوا ضد ما يأمر به كتابهم. وذلك وكله بغيا وعدوانا منهم فانهم تباغضوا وتحاسدوا وحصلت بينهم المشاحنة والعداوة فوقع الاختلاف. فاحذروا ايها المسلمون
16:40ان تكونوا مثلهم ولولا كلمة سبقت من ربك اي بتأخير العذاب القاضي الى اجل مسمى لقضي بينهم. ولكن حكمته انه اقتضى تأخير ذلك عنهم وان الذين اورثوا الكتاب من بعدهم اي الذين ورثوهم وصاروا خلفا لهم. ممن ينتسب الى العلم منهم
17:10اي لفي اشتباه كثير يوقع في الاختلاف. حيث اختلف سلفهم بغيا وعنادا. فان خلفه مختلف شكا وارتيابا. والجميع مشتركون في الاختلاف المذموم. فلذلك فادع واستقم كما امرت ولا وقل امنت بما انزل الله من كتاب
17:40امرت لاعدل بينكم الله ربنا وربكم الله ربنا وربكم لنا اعمالنا ولكم اعمالكم لا بيننا وبينكم الله يجمع بيننا واليه المصير فلذلك فادعوا اي فلدين القويم والصراط المستقيم. الذي انزل الله به كتبه وارسل رسله. فادعو اليه امتك وحضهم عليه
18:10وجاهد عليه من لم يقبله. واستقم بنفسك كما امرت. اي استقامة موافقة لامر الله. لا تفريط ولا افراط. بل لاوامر الله واجتنابا لنواهيه. على وجه الاستمرار على ذلك. فامره بتكميل نفسه بلزوم الاستقامة. وبتكميل
18:30بالدعوة الى ذلك. ومن المعلوم ان امر الرسول صلى الله عليه وسلم امر لامته اذا لم يرد تخصيص له اي اهواء المنحرفين عن الدين من الكفرة والمنافقين. اما باتباعهم على بعض دينهم. او بترك
18:50في الدعوة الى الله او بترك الاستقامة. فانك ان اتبعت اهواءهم من بعد ما جاءك من العلم. انك اذا لمن الظالمين. ولم يقل ولا تتبع دينهم لان حقيقة دينهم الذي شرعه الله لهم هو دين الرسل كلهم ولكنهم لم يتبعوه. بل اتبعوا اهواءهم
19:10اتخذوا دينهم لهوا ولعبا. وقل لهم عند جدالهم ومناظرتهم. وقل امنت بما امنت بما انزل الله من كتاب اي لتكن مناظرتك لهم مبنية على هذا الاصل العظيم. الدال على شرف الاسلام وجلالته وهيمنته على سائر الاديان. وان
19:40الدين الذي يزعم اهل الكتاب انهم عليه جزء من الاسلام. وفي هذا ارشاد الى ان اهل الكتاب ان ناظروا مناظرة مبنية على الايمان ببعض الكتب او ببعض الرسل دون غيره فلا يسلم لهم ذلك. لان الكتاب الذي يدعون اليه والرسول الذي ينتسبون اليه
20:00بشرطه ان يكون مصدقا بهذا القرآن وبمن جاء به. فكتابنا ورسولنا لم يأمرنا الا بالايمان بموسى وعيسى والتوراة والانجيل التي اخبر بها وصدق بها واخبر انها مصدقة له ومقرة بصحته. واما مجرد التوراة والانجيل وموسى وعيسى
20:20الذين لم يوصفوا لنا ولم يوافقوا لكتابنا فلم يأمرنا بالايمان بهم. وامرت لاعدل بينكم اي في الحكم فيما اختلفتم فيه فلا تمنعوني عداوتكم وبغضكم يا اهل الكتاب من العدل بينكم ومن العدل في الحكم بين اهل الاقوال المختلفة من اهل
20:40وغيرهم ان يقبل ما معهم من الحق. ويرد ما معهم من الباطل. الله ربنا وربكم لنا اعمالنا ولكم اعمالكم لا بيننا وبينكم الله يجمع بيننا. الله ربنا وربكم اي هو
21:00ورب الجميع لستم باحق به منا لنا لنا اعمالنا ولكم اعمالكم من خير وشر. لا حجة بيننا وبينكم. اي بعد كما تبينت الحقائق واتضح الحق من الباطل والهدى من الضلال. لم يبق للجدال والمنازعة محل. لان المقصود من الجدال انما
21:20ما هو بيان الحق من الباطل؟ ليهتدي الراشد؟ ولتقوم الحجة على الغاوي. وليس المراد بهذا ان اهل الكتاب لا يجادلون. كيف والله الله يقول ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن. وان المراد ما ذكرنا. لا حجة بيننا وبينكم
21:40الله يجمع بيننا واليه المصير. الله يجمع بيننا واليه المصير يوم القيامة. فيجزي كلا بعمله ويتبين حينئذ الصادق من الكاذب فاستجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب
22:10وهذا تقرير لقوله لا حجة بيننا وبينكم فاخبر هنا ان الذين حاجون في الله بالحجج الباطلة. والشبه المتناقضة من بعد ما استجيب له. اي من بعد ما استجاب لله اولو الالباب والعقول. لما
22:30بين لهم من الايات القاطعة والبراهين الساطعة. فهؤلاء المجادلون للحق من بعد ما تبين. حجتهم داحضة اي باطلة عند ربهم لانها مشتملة على رد الحق. وكل ما خالف الحق فهو باطل. وعليهم غضب لعصيانهم
22:50اعراضهم عن حجج الله وبيناته وتكذيبها. هو اثر وغضب الله عليهم فهذه عقوبة كل مجادل للحق بالباطل ميزان وما يدريك لعل الساعة قريب. لما ذكر تعالى ان حججه واضحة بينة. حيث استجاب
23:20كتب لها كل ما فيه خير ذكر اصلها وقاعدتها بل جميع الحجج التي اوصلها الى العباد. فقال الله الذي انزل الكتاب بالحق والميزان فالكتاب هو هذا القرآن العظيم. نزل بالحق واشتمل على الحق والصدق واليقين. وكله ايات بينات
23:40قلة واضحات على جميع المطالب الالهية والعقائد الدينية. فجاء باحسن المسائل واوضح الدلائل. واما الميزان فهو العدل هو الاعتبار بالقياس الصحيح والعقل الرجيح. فكل الدلائل العقلية من الايات الافاقية والنفسية. والاعتبارات الشرعية
24:00والمناسبات والعلل والاحكام والحكم داخلة في الميزان الذي انزله الله تعالى ووضعه بين عباده. ليزنوا به ما اشتبه من ويعرف به صدق ما اخبر به واخبرت رسله. فما خرج عن هذين الامرين عن الكتاب والميزان. مما قيل انه حجة او برهان او دليل
24:20او نحو ذلك من العبارات فانه باطل متناقض. قد فسدت اصوله وانهدمت مبانيه وفروعه. يعرف ذلك من خبر المسائل يوم اخذها وعرف التمييز بين راجح الادلة من مرجوحها. والفرق بين الحجج والشبه. واما من اغتر بالعبارات المزخرفة
24:40المموهة ولم تنفذ بصيرته الى المعنى المراد. فانه ليس من اهل هذا الشأن. ولا من فرسان هذا الميدان. فوفاقه وخلافه ثم قال تعالى مخوفا للمستعجلين لقيام الساعة المنكرين لها فقال
25:00اي ليس بمعلوم بعدها. ولا متى تقوم؟ فهي في كل وقت متوقع وقوعها مخوف وجبتها يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها. عنادا وتكذيبا وتعجيزا لربهم والذين امنوا مشفقون منها اي خائفون لايمانهم بها وعلمهم
25:30يشتمل عليه من الجزاء بالاعمال. وخوفهم لمعرفتهم بربهم. الا تكون اعمالهم منجية لهم ولا مسعدة. ولهذا قال ويعلمون انها الحق الذي لا مرية فيه. ولا شك يعتريه اي بعد من تروا فيها ما رووا الرسل واتباعهم باثباتها فهم في شقاق بعيد. اي معاندة
26:00مخاصمة غير قريبة من الصواب. بل في غاية البعد عن الحق. واي بعد ابعد ممن كذب بالدار التي هي الدار على الحقيقة. وهي الدار التي خلقت للبقاء الدائم والخلود السرمد. وهي دار الجزاء التي يظهر الله فيها عدله وفضله. وانما هذه الدار بالنسبة اليها كراكب
26:20من قال في ظل شجرة ثم راح وتركها وهي دار عبور وممر لا محل استقرار فصدقوا بالدار المنحلة الفانية حيث رأوها وشاهدوها وكذبوا بالدار الاخرة. التي تواترت بالاخبار عنها الكتب الالهية. والرسل الكرام واتباعهم. الذين
26:40انهم اكمل الخلق عقولا واغزرهم علما واعظمهم فطنة وفهما. الله لطيف بعباده يرزق من يخبر تعالى بلطفه بعباده ليعرفوه ويحبوه. ويتعرضوا للطفه واللطف من اوصافه تعالى معناه الذي يدرك الضمائر والسرائر الذي يوصل عباده وخصوصا المؤمنين الى
27:10ما فيه الخير لهم من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون. فمن لطفه بعبده المؤمن ان هداه الى الخير هداية لا تخطر بباله. بما يسر له من الاسباب الداعية الى ذلك من فطرته على محبة الخلق والانقياد له وازاعه تعالى لملائكته الكرام ان يثبتوا عباده
27:30مؤمنين ويحثوهم على الخير ويلقوا في قلوبهم من تزيين الحق ما يكون داعيا لاتباعه. ومن لطفه ان امر المؤمنين بالعبادات اجتماعية التي بها تقوى عزائمهم. وتنبعث هممهم ويحصل منهم التنافس على الخير. والرغبة فيه واقتداء بعضهم ببعض
27:50ومن لطفه ان قيد لعبده كل سبب يعوقه. ويحول بينه وبين المعاصي. حتى انه تعالى اذا علم ان الدنيا والمال والرياسة ونحوها مما يتنافس فيه اهل الدنيا تقطع عبده عن طاعته او تحمله على الغفلة عنه او على معصية صرفها عنه
28:10وقدر عليه رزقه. ولهذا قال هنا يرزق من يشاء بحسب اقتضاء حكمته ولطفه الذي له القوة كلها فلا حول ولا قوة لاحد من المخلوقين الا به. الذي دانت له جميع الاشياء. ثم قال
28:30قال من كان يريد حرث الاخرة اي اجرها وثوابها فامن بها وصدق وسعى لها سعيها نزد له في حرثه بان نضاعف عمله وجزاءه اضعافا كثيرة. كما قال تعالى ومن اراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فاولئك كان سعيهم مشكورا. ومع ذلك فنصيبه من الدنيا لا بد ان يأتيه
29:00ومن كان يريد الدنيا بان كانت الدنيا هي مقصودة وغاية مطلوبه. فلم يقدم لاخرته ولا رجا ثوابها ولم يخش عقابها منها نصيبه الذي قسم له. قد حرم الجنة ونعيمها واستحق النار
29:30او جحيمها وهذه الاية شبيهة بقوله تعالى من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي اليهم اعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون الى اخر الايات يخبر تعالى ان المشركين اتخذوا شركاء يوالونهم ويشتركونهم واياهم في الكفر واعماله. من شياطين الانس
30:10الدعاة الى الكفر شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله من الشرك والبدع. وتحريم ما احل الله وتحليل ما حرم الله ونحو ذلك مما اقتضت اهوائهم مع ان الدين لا يكون الا ما شرعه الله تعالى ليدين به العباد ويتقرب به اليه. فالاصل
30:30الحجر على كل احد ان يشرع شيئا ما جاء عن الله وعن رسوله. فكيف بهؤلاء الفسقة المشتركين هم واباؤهم على الكفر اي لولا الاجل المسمى الذي ضربه الله فاصلا بين الطوائف المختلفة. وانه سيؤخرهم اليه
30:50بينهم في الوقت الحاضر بسعادة المحق واهلاك المبطل. لان المقتضي للاهلاك موجود. ولكن امامهم العذاب الاليم في الاخرة هؤلاء وكل ظالم. وفي ذلك اليوم والذين امنوا وعملوا الصالحات في روضات
31:20الظالمين انفسهم بالكفر والمعاصي. مشفقين اي خائفين وجليلين. مما كسبوا ان يعاقبوا عليه. ولما كان الخائف قد يقع به ما اشفق منه وخافه. وقد لا يقع اخبر انهم واقع بهم العقاب الذي خافوه. لانهم اتوا بالسبب التام الموجب
31:40للعقاب من غير معارض من توبة ولا غيرها ووصلوا موضعا فات فيه الانذار والامهال الصالحات في روضات والذين امنوا بقلوبهم بالله وبكتبه رسله وما جاءوا به. وعملوا الصالحات يشمل كل عمل صالح من اعمال القلوب. واعمال الجوارح من الواجبات والمستحبات
32:10فهؤلاء في روضات الجنات. اي الروضات المضافة الى الجنات. والمضاف يكون بحسب المضاف اليه. فلا تسأل عن بهجة تلك الرياض المونقة وما فيها من الانهار المتدفقة والفياض المعشبة والمناظر الحسنة والاشجار المثمرة والطيور المغردة والاصوات
32:30المطربة والاجتماع بكل حبيب. والاخذ من المعاشرة والمنادمة باكمل نصيب. رياض لا تزداد على طول المدى الا حسنا وبهاء ولا يزداد اهلها الا اشتياقا الى لذاتها وودادا ربهم ذلك هو الفضل الكبير. لهم ما يشاؤون فيها اي في الجنات. فمهما ارادوا فهو حاصل
33:00ومهما طلب حصل مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ذلك هو الفضل الكبير وهل فوز اكبر من الفوز برضى الله تعالى؟ والتنعم بقربه في دار كرامته
33:20عباده الذين امنوا وعملوا الصالحات اي هذه البشارة العظيمة التي هي اكبر البشائر على الاطلاق. بشر بها الرحيم الرحمن على يد افضل خلقه لاهل الايمان والعمل الصالح. فهي اجل الغايات
33:40والوسيلة الموصلة اليها افضل الوسائل آآ قل لا اسألكم عليه اي على تبليغي اياكم هذا القرآن. ودعوتكم الى احكامه اجرا. فلست اريد اموالكم ولا التولي عليكم والترأس. ولا غير ذلك من الاغراض الا المودة في القربى. احتملوا ان المراد لا
34:10اسألكم عليه اجرا الا اجرا واحدا هو لكم. وعائد نفعه اليكم وهو ان تودوني وتحبوني في القرابة اي لاجل القرابة. ويكون على هذا المودة الزائدة على مودة الايمان. فان مودة الايمان بالرسول. وتقديم محبته
34:30الى جميع المحاب بعد محبة الله. فرض على كل مسلم. وهؤلاء طلب منهم زيادة على ذلك ان يحبوه لاجل القرابة. لانه صلى الله عليه وسلم قد باشر بدعوته اقرب الناس اليه حتى انه قيل انه ليس في بطون قريش احد الا ولرسول الله صلى الله عليه
34:50عليه وسلم فيه قرابة. ويحتمل ان المراد الا مودة الله تعالى الصادقة. وهي التي يصحبها التقرب الى الله. والتوسل الدالة على صحتها وصدقها. ولهذا قال الا المودة في القربى اي في التقرب الى الله. وعلى كلا القولين
35:10فهذا الاستثناء دليل على انه لا يسألهم عليه اجرا بالكلية. الا ان يكون شيئا يعود نفعه اليهم. فهذا ليس من الاجر في شيء بل هو من الاجر منه لهم صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى وما نقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد
35:30وقولهم ما لفلان ذنب عندك الا انه محسن اليك ومن يقترف حسنة من صلاة او صوم او حج او احسان الى الخلق نزد له فيها حسنا. بان يشرح الله صدره وييسر امره. وتكون سببا للتوفيق لعمل اخر. ويزداد
36:00بها عمل المؤمن ويرتفع عند الله وعند خلقه. ويحصل له الثواب العاجل والاجل يغفر الذنوب العظيمة. ولو بلغت ما بلغت عند التوبة منها. ويشكر على العمل القليل بالاجر فبمغفرته يغفر الذنوب ويستر العيوب. وبشكره يتقبل الحسنات. ويضاعفها اضعافا كثيرة
36:30يختم على قلبك ويمحو الله ويحق الحق بكلماته انه عليم بذات الصدور. يعني ام يقول المكذبون هنا للرسول صلى الله عليه وسلم جرأة منهم وكذبا افترى على الله كذبا. فرموك باشنع الامور واقبحها. وهو
37:00على الله بادعاء النبوة والنسبة الى الله ما هو بريء منه. وهم يعلمون صدقك وامانتك. فكيف يتجرأون على هذا الكذب الصراخ بل تجرأوا بذلك على الله تعالى فانه قدح في الله حيث مكنك من هذه الدعوة العظيمة المتضمنة على موجب زعمهم
37:20اكبر الفساد في الارض حيث مكنه الله من التصريح بالدعوة. ثم بنسبتها اليه ثم يؤيده بالمعجزات الظاهرات. والادلة القاهرة والنصر المبين والاستيلاء على من خالفه. وهو تعالى قادر على حسم هذه الدعوة من اصلها ومادتها. وهو ان يختم على
37:40للرسول صلى الله عليه وسلم فلا يعي شيئا ولا يدخل اليه خير واذا ختم على قلبه ان حسم الامر كله وانقطع هذا دليل قاطع على صحة ما جاء به الرسول. واقوى شهادة من الله له على ما قال. ولا يوجد شهادة اعظم منها ولا اكبر
38:00ولهذا من حكمته ورحمته وسنته الجارية ان يمحو الباطل ويزيله. وان كان له صولة في بعض الاوقات. فان عاقبته الاضم ويحق الحق بكلماته الكونية التي لا تغير ولا تبدل ووعده الصادق. وكلماته الدينية التي تحقق ما
38:20معه من الحق وتثبته في القلوب وتبصر اولي الالباب. حتى ان من جملة احقاقه تعالى الحق ان يقيض له الباطل ليقاومه فاذا قاومه صال عليه الحق ببراهينه وبيناته. فظهر من نوره وهداه ما به يضمحل الباطل وينقمع
38:40تبين بطلانه لكل احد. ويظهر الحق كل الظهور لكل احد. انه عليم بذات الصدور اي بما فيها وما اتصفت به من خير وشر. وما اكنته ولم تبده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون. هذا بيان لكمال كرم الله تعالى وسعة جوده
39:10وتمام لطفه بقبول التوبة الصادرة من عباده حين يقلعون عن ذنوبهم ويندمون عليها. ويعزمون على الا يعاودوها اذا بذلك وجه ربهم فان الله يقبلها بعدما انعقدت سببا للهلاك ووقوع العقوبات الدنيوية والدينية ويعفو عن
39:30السيئات ويمحوها ويمحو اثرها من العيوب. وما اقتضته من العقوبات. ويعود التائب عنده كريما كانه ما عمل سوءا قط ويحبه ويوفقه لما يقربه اليه. ولما كانت التوبة من الاعمال العظيمة التي قد تكون كاملة بسبب تمام الاخلاص والصدق
39:50فيها وقد تكون ناقصة عند نقصهما. وقد تكون فاسدة اذا كان القصد منها بلوغ غرض من الاغراض الدنيوية. وكان محل ذلك القلب الذي لا يعلمه الا الله ختم هذه الاية بقوله. فالله تعالى دعا
40:10جميع العباد الى الانابة اليه والتوبة من التقصير. فانقسموا بحسب الاستجابة له الى قسمين. مستجيبين ووصفهم بقوله ويستجيب الذين امنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد ويستجيب الذين امنوا وعملوا الصالحات ان يستجيبون لربهم لما دعاهم
40:40اليه وينقادون له ويلبون دعوته. لان ما معهم من الايمان والعمل الصالح. يحملهم على ذلك. فاذا استجابوا له شكر الله له وهو الغفور الشكور. وزادهم من فضله توفيقا ونشاطا على العمل. وزادهم مضاعفة في الاجر زيادة عما تستحقه
41:00ما لهم من الثواب والفوز العظيم. واما غير المستجيبين لله وهم المعاندون. الذين كفروا به وبرسله فلهم عذاب شديد في الدنيا والاخرة. ثم ذكر ان من لطفه بعباده انه لا يوسع عليهم الدنيا سعة تضر باديانهم. فقال
41:20لعباده لبغوا في الارض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض اي لغفلوا عن طاعة الله واقبلوا على التمتع بشهوات الدنيا فاوجبت لهم الاكباب على ما تشتهيه نفوسهم ولو كان
41:50معصية وظلما ولكن ينزل بقدر ما يشاء بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته بعباده خبير بصير. كما في بعض الاثار ان الله تعالى يقول ان من عبادي من ايصلح ايمانه الى الغنى. ولو افقرته لافسده ذلك. وان من عبادي من لا يصلح ايمانه الا الفقر. ولو اغنيته لافسده ذلك
42:30وان من عبادي من لا يصلح ايمانه الا الصحة ولو امرته لافسده ذلك وان من عبادي من لا يصلح ايمانه الا المرض ولو عافيته لافسده ذلك اني ادبر امر عبادي بعلمي بما في قلوبهم اني خبير بصير
42:50تنزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد وهو الذي ينزل الغيث. اي المطر الغزير الذي به يغيث البلاد والعباد. من بعد ما قنطوا وانقطع عنهم مدة ظنوا انه لا يأتيهم وايسوا وعملوا لذلك الجدب اعمالا. فينزل الله الغيث وينشر به رحمته من اخراج
43:20للادميين وبهائمهم فيقع عندهم موقعا عظيما. ويستبشرون بذلك ويفرحون وهو الولي الذي يتولى عباده بانواع التدبير. ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم. الحميد في ولايته وتدبيره الحميد على ما له من الكمال. وما اوصله الى خلقه من انواع الافضال
43:50وهو على جمعهم اني لا يشاء قدير. اي ومن ادلة قدرته العظيمة. وانه سيحيي الموتى بعد موتهم خلق هذه السماوات والارض على عظمهما وسعتهما. الدال على قدرته وسعة سلطانه. وما فيهما من الاتقان والاحكام
44:20دال على حكمته وما فيهما من المنافع والمصالح دال على رحمته. وذلك يدل على انه المستحق لانواع العبادة كلها وان الهية ما سواه باطلة. وما بث فيهما اي نشر في السماوات والارض من اصناف الدواب. التي جعلها الله مصالح ومنافع
44:40لعباده وهو جمعهم اي جمع الخلق بعد موتهم لموقف القيامة قدرته ومشيئته صالحان لذلك. ويتوقف وقوعه على وجود الخبر الصادق. وقد علم انه قد تواترت اخبار المرسلين وهم بوقوعه يخبر تعالى انه ما اصاب العباد من مصيبة في ابدانهم واموالهم واولادهم. وفيما يحبون ويكون عزيز
45:30عليهم الا بسبب ما قدمته ايديهم من السيئات. وان ما يعفو الله عنه اكثر. فان الله لا يظلم العباد ولكن انفسهم هم يظلمون ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة وليس اهمالا منه تعالى تأخير العقوبات
45:50ولا عجز ولي ولا نصيب. وما انتم لمعجزين في الارض اي معجزين قدرة الله عليكم. بل انتم عاجزون في الارض ليس عندكم امتناع عن ما ينفذه الله فيكم. وما لكم من دون الله من ولي يتولاكم. فيحصل لكم المنافع
46:20ولا نصير يدفع عنكم المضار. ومن اياته الجوارف البحر كالاعلام. اي ومن ادلة رحمته وعنايته بعباده. الجواري في البحر من السفن والمراكب النارية والشراعية. التي من عظمها كالاعلام. وهي الجبال
46:40الكبار التي سخر لها البحر العجاج وحفظها من التطام الامواج وجعلها تحملكم وتحمل امتعتكم الكثيرة الى والاقطار البعيدة وسخر لها من الاسباب ما كان معونة على ذلك. ثم نبه على هذه الاسباب بقوله
47:00ان يشأ يسكن الريح التي جعلها الله سببا لمشيها فيضلل اي الجواري رواكد على ظهر البحر. لا تتقدم ولا تتأخر. ولا ينتقض هذا بالمراكب النارية. فان من شرط مشيها الريح وان شاء الله تعالى اوبق الجوار بما كسب اهلها. اي اغرقها في البحر واتلفها. ولكنه يحلم ويعفو عن كثير
47:40ان في ذلك لايات لكل صبار شكور. اي كثير الصبر على ما تكرهه نفسه ويشق عليها فيكرهها عليه. من مشقة طاعة او ردع داع الى معصية او ردع نفسه عند المصائب عن التسخط. شكور في الرخاء وعند النعم
48:00يعترف بنعمة ربه ويخضع له. ويصرفها في مرضاته. فهذا الذي ينتفع بايات الله. واما الذي لا صبر عنده. ولا شكر له على الله فانه معرض او معاند لا ينتفع بالايات. ثم قال تعالى
48:20ويعلم الذين يجادلون في اياتنا ليبطلوها بباطلهم اي لا ينقذهم منقذ مما حل بهم من العقوبة هذا تزهيد في الدنيا وترغيب في الاخرة. وذكر الاعمال الموصلة اليها فقال فما اوتيتم من شيء من ملك ورياسة
49:00واموال وبنين وصحة وعافية بدنية. فمتاع الحياة الدنيا لذة منغصة منقطعة. وما عند الله من الثواب وبالجزيل والاجر الجليل والنعيم المقيم. خير من لذات الدنيا خيرية لا نسبة بينهما. وابقى. لانه
49:20نعيم لا منغص فيه ولا كدر ولا انتقال ثم ذكر لمن هذا الثواب فقال اي جمعوا بين الايمان الصحيح المستلزم لاعمال الايمان الظاهرة باطنة وبين التوكل الذي هو الالة لكل عمل. فكل عمل لا يصحبه التوكل فغير تام وهو الاعتماد بالقلب على الله في
49:50جلب ما يحبه العبد ودفع ما يكرهه مع الثقة به تعالى الفواحش واذا ما غضبوهم يغفرون. والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش. والفرق بين الكبائر والفواحش مع ان جميعهما كبائر. ان الفواحش هي الذنوب الكبار التي في النفوس داع اليها. كالزنا ونحوه والكبائر ما ليس كذلك
50:20هذا عند الاقتران. واما مع افراد كل منهما عن الاخر. فان الاخر يدخل فيه اي قد تخلقوا بمكارم الاخلاق ومحاسن الشيم. فصار الحلم لهم سجية وحسن الخلق لهم طبيعة. حتى اذا اغضبهم احد بمقاله
50:40او فعاله كظم ذلك الغضب فلم ينفذوه بل غفروه ولم يقابلوا المسيء الا بالاحسان والعفو والصفح. فترتب على هذا العفو والصفح من المصالح ودفع المفاسد في انفسهم وغيرهم شيء كثير. كما قال تعالى ادفع بالتي هي احسن. فاذا الذي بينكم
51:00وبينه عداوة كانه ولي حميم. وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم تابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون. والذين استجابوا لربهم اي انقادوا لطاعته ولبوا دعوته وصار قصدهم رضوانه وغايتهم الفوز بقربه ومن الاستجابة لله اقامة
51:30الصلاة وايتاء الزكاة. فلذلك عطفهما على ذلك من باب عطف العام على الخاص. الدال على شرفه وفضله. فقال واقام الصلاة اي ظاهرها وباطنها فرضها ونفلها. من النفقات الواجبة كالزكاة والنفقة على الاقارب ونحوهم. والمستحبة كالصدقات على عموم الخلق. وامرهم الديني والدنيوي شورى بينهم
52:00اي لا يستبد احد منهم برأيه في امر من الامور المشتركة بينهم. وهذا لا يكون الا فرعا عن اجتماعهم وتوالفهم وتواددهم تحابوا بهم وكمال عقولهم انهم اذا ارادوا امرا من الامور التي تحتاج الى اعمال الفكر والرأي. اجتمعوا لها وتشاوروا وبحثوا
52:20فيها حتى اذا تبينت لهم المصلحة انتهزوها وبادروها. وذلك كالرأي في الغزو والجهاد. وتولية الموظفين لامارة او او غيره وكالبحث في المسائل الدينية عموما فانها من الامور المشتركة والبحث فيها لبيان الصواب مما يحبه الله
52:40وهو داخل في هذه الاية. والذين اذا اصابهم البغي اي وصل اليهم من اعدائهم هم ينتصرون لقوتهم وعزتهم. ولم يكونوا اذلاء عاجزين عن الانتصار. فوصفهم بالايمان والتوكل على الله واجتناب الكبائر والفواحش. الذي تكفر به الصغائر والانقياد التام والاستجابة لربهم. واقامة
53:10الصلاة والانفاق في وجوه الاحسان والمشاورة في امورهم والقوة والانتصار على اعدائهم. فهذه خصال الكمال قد جمعوها ويلزم من قيامهم فيها فعل ما هو دونها وانتفاء ضدها. وجزاء سيئة سيئة
53:30مثلها ذكر الله في هذه الاية مراتب العقوبات وانها على ثلاث مراتب. عدل وفضل وظلم. فمرتبة العدل جزاء السيئة بالسيئة مثلها لا زيادة ولا نقص. فالنفس بالنفس وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها. والمال يضمن بمثله. ومرتبة
54:00الفضل العفو والاصلاح عن المسيء. ولهذا قال يجزيه اجره عظيما وثوابا كثيرا. وشرط الله في العفو الاصلاح فيه. ليدل ذلك على انه اذا كان الجاني لا يليق العفو عنه كانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته فانه في هذه الحال لا يكون مأمورا به. وفي جعل اجر العافي على الله ما يهيج على العفو
54:30وان يعامل العبد الخلق بما يحب ان يعامله الله به. فكما يحب ان يعفو الله عنه فليعفو عنهم. وكما يحب ان يسامحهم الله فليسامحهم فان الجزاء من جنس العمل. واما مرتبة الظلم فقد ذكرها بقوله
54:50الذين يجنون على غيرهم ابتداء او يقابلون الجاني باكثر من جنايته. فالزيادة ظلم ولمن انتصر بعد ظلمه اي انتصر ممن بعد وقوع الظلم عليه. اي لا حرج عليهم في ذلك
55:20قوله والذين اذا اصابهم البغي وقوله ولمن انتصر بعد ظلمه انه لابد من اصابة البغي والظلم ووقوعه. واما ارادة البغي على الغير وارادة ظلمه من غير ان يقع منهم شيء. فهذا لا يجازى بمثله. وانما يؤدب تأديبا يردعه عن قول او فعل
55:40ان صدر منه انما السبيل اي انما تتوجه الحجة بالعقوبة الشرعية على الذين يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحق. وهذا شامل للظلم والبغي على الناس. في دمائهم واموالهم واعراضهم
56:10اب اليم. اي موجع للقلوب والابدان. بحسب ظلمهم وبغيهم ولمن صبر على ما يناله من اذى الخلق وغفر لهم بان سمح لهم عما يصدر منهم اي لمن الامور التي حث الله عليها واكدها. واخبر انه لا يلقاها الا اهل الصبر والحظوظ العظيم
56:40ومن الامور التي لا يوفق لها الا اولو العزائم والهمم وذوي الالباب والبصائر. فان ترك الانتصار للنفس بالقول او الفعل من شق شيء عليها والصبر على الاذى والصفح عنه ومغفرته ومقابلته بالاحسان اشق واشق ولكنه يسير
57:00على من يسره الله عليه. وجاهد نفسه على الاتصاف به. واستعان الله على ذلك. ثم اذا ذاق العبد حلاوته ووجد اثاره. تلقاه الصدر وسعة الخلق والتلذذ فيه وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل الى مرد من سبيل
57:30يخبر تعالى انه المنفرد بالهداية والاضلال. وانه من يضلل الله بسبب ظلمه. فما له من ولي من بعده يتولى امره هو يهديه وترى الظالمين لما رأوا العذاب مرأ ومنظرا فظيعا صعبا شنيعا يظهرون الندم العظيم والحزن على
57:50ما سلف منهم اي هل لنا طريق او حيلة الى رجوعنا الى الدنيا؟ لنعمل غير الذي كنا نعمل. وهذا طلب للامر المحال له الذي لا يمكن وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل
58:20وتراهم يعرضون عليها اي على النار خاشعين من الذل. اي ترى اجسامهم خاشعة للذل الذي في قلوبهم ينظرون من طرف خفي اي ينظرون الى النار مسارقة وشزرا من هيبتها وخوفها
58:40واهليهم يوم القيامة. الا ان الظالمين وقال الذين امنوا حين ظهرت عواقب الخلق وتبين اهل الصدق من غيرهم ان على الحقيقة الذين خسروا انفسهم واهليهم يوم القيامة. حيث فوتوا انفسهم جزيل الثواب. وحصلوا على اليم العقاب
59:10وفرق بينهم وبين اهليهم فلم يجتمعوا بهم اخر ما عليهم. الا ان الظالمين في عذاب مقيم الا ان الظالمين انفسهم بالكفر والمعاصي. في سواءه ووسطه منغمرين لا يخرجون منه ابدا ولا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون. وما كان لهم من اولياء
59:40يا ايها ومن يضلل الله فما له من سبيل. وما كان لهم من اولياء ينصرونهم من دون الله كما كانوا في الدنيا يمنون بذلك انفسهم. ففي كما يتبين لهم ولغيرهم ان اسبابهم التي املوها تقطعت. وانه حين جاءهم عذاب الله لم يدفع عنهم
1:00:10فما له من سبيل تحصل به هدايته فهؤلاء ضلوا حيث في شركائهم النفع ودفع الضر. فتبين حينئذ ضلالهم ما لكم من ملجأ يومئذ يأمر تعالى عباده بالاستجابة له. بامتثال ما امر به واجتناب ما نهى عنه
1:00:50في المبادرة بذلك وعدم التسويف. من قبل ان يأتي يوم القيامة الذي اذا جاء لا يمكن رده واستدراك الفائت. وليس للعبد في ذلك يومي ملجأ يلجأ اليه فيفوت ربه ويهرب منه. بل قد احاطت الملائكة بالخليقة من خلفهم. ونودوا يا معشر الجن والانس
1:01:10ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السماوات والارض فانفذوا. لا تنفذون الا بسلطان. وليس للعبد في ذلك اليوم نكير لما اقترفه عجرمة بل لو انكر لشهدت عليه جوارحه. وهذه الاية ونحوها فيها ذم الامل. والامر بانتهاز الفرصة في كل عمل يعرضه
1:01:30للعبد فان للتأخير افات وانا اذا القنا الانسان منا رحمة فرح بها فان اعرضوا عما جئتهم به بعد البيان التام فما ارسلناك عليهم حفيظا تحفظ اعمالهم وتسأل عنها ان عليك الا البلاغ
1:02:10فاذا اديت ما عليك فقد وجب اجرك على الله سواء استجابوا ام اعرضوا وحسابهم على الله الذي يحفظ عليهم صغير اعمالهم كبيرها وظاهرها وباطنها. ثم ذكر تعالى حالة الانسان وانه اذا اذاقه الله رحمة من صحة بدن ورزق رغد
1:02:30وجاه ونحوه فرح بها اي فرح فرحا مقصورا عليها لا يتعداها. ويلزم من ذلك طمأنينته بها اعراضه عن المنعم وان تصبهم سيئة اي مرض او فقر او نحوهما بما قدمت ايديهم
1:03:00اي طبيعته كفران النعمة السابقة. والتسخط لما اصابه من السيئة لله ملك السماوات والارض يخلق ما يشاء. يهب لمن يشاء او يزوجهم ذكرانا عقيما. انه هذه الاية فيها الاخبار عن سعة ملكه تعالى ونفوذ تصرفه في الملك في الخلق لما
1:03:50يشاء والتدبير لجميع الامور. حتى ان تدبيره تعالى من عمومه انه يتناول المخلوقة عن الاسباب التي يباشرها العباد ان النكاح من الاسباب لولادة الاولاد. فالله تعالى هو الذي يعطيهم من الاولاد ما يشاء. فمن الخلق من يهب له اناثا. ومنهم من يهب
1:04:10وله ذكورا ومنهم من يزوجه. اي يجمع له ذكورا واناثا. ومنهم من يجعله عقيما لا يولد له انه عليم بكل شيء قدير على كل شيء فيتصرف بعلمه واتقانه الاشياء وبقدرته في مخلوقاته
1:04:40انه يرسل رسولا فيوحي باذنه ما يشاء انه علي حكيم. لما قال المكذبون لرسل الله الكافرون بالله لولا يكلمنا الله او تأتينا اية من كبرهم وتجبرهم رد الله عليهم بهذه الاية الكريمة
1:05:00وان تكليمه تعالى لا يكون الا لخواص خلقه. للانبياء والمرسلين وصفوته من العالمين. وانه يكون على احد هذه الاوجه اما ان يكلمه الله وحيا بان يلقي الوحي في قلب الرسول من غير ارسال ملك ولا مخاطبة منه شفاها او يكلمه
1:05:20منه شفاها لكن من وراء حجاب. كما حصل لموسى ابن عمران كليم الرحمن. او يكلمه الله بواسطة الرسول الملكي يرسل رسولا كجبريل او غيره من الملائكة. فيوحي باذنه اي باذن ربه لا بمجرد هواه. انه تعالى
1:05:40علي الذات علي الاوصاف عظيمها علي الافعال قد قهر كل شيء ودانت له المخلوقات حكيم في وضعه كله كشيء في موضعه من المخلوقات والشرائع من عبادنا وكذلك حين اوحينا الى الرسل قبلك اوحينا اليك روحا من
1:06:20امرينا وهو هذا القرآن الكريم سماه روحا لان الروح يحيا به الجسد والقرآن تحيا به القلوب والارواح وتحيا به مصالح في الدنيا والدين لما فيه من الخير الكثير والعلم الغزير. وهو محض منة الله على رسوله وعباده المؤمنين. من غير سبب منهم. ولهذا
1:06:40هذا قال ما كنت تدري اي قبل نزوله عليك ما الكتاب ولا الايمان اي ليس عندك علم باخبار الكتب السابقة. ولا ايمان وعمل بالشرائع الالهية. بل كنت اميا لا تخط ولا تقرأ. فجاءك هذا
1:07:00الكتاب الذي جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا يستضيئون به في ظلمات الكفر والبدع والاهواء المرضية ويعرف به الحقائق ويهتدون به الى الصراط المستقيم. اي تبين دينه لهم وتوضحه وتنيره وترغبهم فيه. وتنهاهم عن ضده. وترهبهم منه. ثم فسر الصراط المستقيم فقال
1:07:30صراط الله الذي هما في السماوات وما في الارض. الا الى الله تصير الامور اي الصراط الذي نصبه الله لعباده واخبرهم انه موصل اليه والى دار كرامته لترجع جميع امور الخير والشر. فيجازي كلا بحسب عمله ان خيرا فخير. وان شرا فشر