← المكتبة ▭ صفحة واحدة
القواعد في توحيد العبادة
محمد بن عبد الله باجسير العقيدة
A− A+
243 · ص242 · ج1
قال الإمام الحبر عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: "تبارك: تفاعل من البركة" ١. وهو قول الإمام الطبري ٢. وقال أبو حيان الأندلسي: "قال ابن عباس: لم يزل ولا يزول، وقال الخليل: تمجد، وقال الضحاك: تعظّم، وحكى الأصمعي ٣: (تباركت عليكم)؛ أيْ: (تعاليت وارتفعت)، ففي هذه الأقوال يكون صفة ذات. وقال ابن عباس أيضًا: هو من البركة، وهو التزايد في الخير من قِبَلِهِ، فالمعنى زاد خيره وعطاؤه وكثر، وعلى هذا يكون صفة فعل" ٤. وقد بيَّن الإمام السمعاني معنى (تبارك) وما قيل فيها فقال: "تبارك: تفاعل من البركة، وقيل: تبارك: أي جلّ بما لم يزل ولا يزال، وقال الحسن: (تبارك) صفة من صفات الله تعالى؛ لأن كل بركة تجئ منه، وقال غيره: لأنه يتبرك باسمه، وأما البركة فهي الخير والزيادة، وقيل: فعل كل طاعة من العباد بركة، والبروك هو الثبوت، ويقال: فلان مبارك؛ أي: ينزل الخير حيث ينزل" ٥. وقال الرازي عند تفسير قوله (تبارك): "وفيه معنيان أحدهما: تَزَايَدَ
١ تفسير الطبري (١٨/ ١٧٩)، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٤٩٨)، والدر المنثور (٦/ ٢٣٥). ٢ تفسير الطبري (١٨/ ١٧٩). ٣ الإمام العلامة الحافظ، حجة الأدب، لسان العرب، أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مظهر بن عبد شمس الأصمعي البصري، اللغوي الأخباري، أحد الأعلام، ولد سنة ١٢٥ هـ، ومات سنة ٢١٠ هـ، إمام في النحو واللغة والأشعار والأخبار والملح، كان متحرزًا في التفسير. [انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٧٥)، والبلغة (ص ١٣٦)]. ٤ انظر: تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (٦/ ٤٤٠). ٥ تفسير القرآن للإمام أبي المظفر السمعاني الشافعي (٤/ ٥).
244 · ص243 · ج1
خَيْرُهُ وَتَكَاثَر، والثاني: تزايد عن كل شيء وتعالى عنه؛ في ذاته وصفاته وأفعاله، ولما كان سبحانه وتعالى هو الخالق لوجوه المنافع والمصالح، والمبقى لها، وجب وصفه سبحانه بأنه (تبارك وتعالى) " ١. وقال الشيخ الأمين الشنقيطي: "فمعنى تبارك: تكاثرت البركات والخيرات من قِبَلِهِ، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله؛ لأن من تأتي من قِبَلِهِ البركات والخيرات، وَيَدُرُّ الأرزاق على الناس، هو وحده المتفرد بالعظمة، واستحقاق إخلاص العبادة له، والذي لا تأتي من قِبَلِهِ بركة، ولا خير، ولا رزق؛ كالأصنام وسائر المعبودات من دون الله، لا يصح أن يعبد، وعبادته كفر مخلد في نار جهنم" ٢. وقال أبو السعود ٣ في تفسير قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)} [الفرقان: ١]: "البركة: النماء والزيادة حسية كانت أو معنوية، وكثرة الخير ودوامه أيضًا، ونسبتها إلى الله عز وجل على المعنى الأول، وهو الأليق بالمقام، باعتبار تعاليه عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله، التي من جملتها تنزيل القرآن الكريم، المعجز، الناطق بعلو شأنه تعالى، وسمو صفاته، وابتناء أفعاله على أساس الحِكَم والمصالح، وخلوها عن شائبة الخلل بالكلية، وعلى المعنى الثاني باعتبار كثرة ما يفيض منه على مخلوقاته، لا سيما على الإنسان؛ من فنون الخيرات، التي من جملتها تنزيل القرآن المنطوي على جميع الخيرات الدينية والدنيوية" ٤.
١ انظر: التفسير الكبير (٢٤/ ٣٩). ٢ أضواء البيان (٦/ ٤). ٣ أبو السعود الشيخ المفسر محمد بن محمد العمادي، ولد عام ٨٩٨ هـ، من تصانيفه التفسير المشهور بتفسير أبي السعود واسمه: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، توفي سنة ٩٨٢ هـ. [انظر ترجمته في: البدر الطالع (١/ ٢٦١)]. ٤ تفسير أبي السعود (٦/ ٢٠٠).