← المكتبة ▭ صفحة واحدة
القواعد في توحيد العبادة
محمد بن عبد الله باجسير العقيدة
A− A+
189 · ص188 · ج1
النبي -صلي الله عليه وسلم- ١. فقصد تلك الأماكن بالعبادة من تعظيم ما لم يعظمه الرب تبارك وتعالى، وهذا خلاف دين الإسلام الذي بعث به محمد -صلى الله عليه وسلم-، والذي تضمن تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له؛ وهي المساجد التي تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة، والاعتكاف، وسائر العبادات البدنية والقلبية؛ من القراءة، والذكر، والدعاء لله، قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)} [الجن: ١٨] ٢. يقول ابن تيمية: "فقد علم بالنقل المتواتر، بل علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول -صلي الله عليه وسلم- شرع لأمته عمارة المساجد بالصلوات، والاجتماع للصلوات الخمس، ولصلاة الجمعة والعيدين، وغير ذلك، وأنه لم يشرع لأمته أن يبنوا على قبر نبي، ولا رجل صالح؛ لا من أهل البيت، ولا غيرهم، لا مسجدًا، ولا مشهدًا" ٣. وقال -رحمه الله-: "وإنما البقاع التي يحبها الله، ويحب الصلاة والعبادة فيها هي المساجد التي قال الله فيها: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)} [النور: ٣٦] ٤. ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)} [الأعراف: ٢٩]. قال الإمام ابن تيمية: "ولم يقل: (عند كل مشهد)؛ فإن أهل المشاهد ليس فيهم إخلاص الدين لله، بل فيهم نوع من الشرك" ٥. ويقول ابن كثير في الآية: "أي: أمركم بالاستقامة في عبادته
١ انظر: تلخيص كتاب الاستغاثة (٢/ ٥٦٧). ٢ انظر: مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٤٩). ٣ منهاج السُّنَّة النبوية (١/ ٤٧٩). ٤ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٦٢). ٥ مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٩٨).
190 · ص189 · ج1
في محالها" ١. ومن ذلك ما جاء من الترغيب في الاجتماع في المساجد؛ من أجل قراءة القرآن، ومدارسته كقوله -صلى الله عليه وسلم-: ":وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ٢. ولم يرغب في الاجتماع في غير المساجد لأداء العبادة. ولذا جاء الترغيب بقصد المساجد دون غيرها، كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللَّهُمَّ ارحمه اللَّهُمَّ اغفر له اللَّهُمَّ تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه" ٣ فذكر -صلى الله عليه وسلم- إتيان المساجد ولم يقل ثم أتى القبر الفلاني أو المشهد الفلاني، أو جاء إلى قبر نبي أو صالح. كما جاء في السُّنَّة فضل واستحباب تعلق القلوب بالمساجد، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل
١ تفسير ابن كثير (٢/ ٢٠٩). ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (٤/ ٢٠٧٤)، رقم (٢٦٩٩)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. ٣ رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق (٢/ ٧٤٦)، رقم (٢٠١٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة (١/ ٤٥٩)، حديث رقم (٦٤٩).